mercredi 4 mars 2026
سياسة

من يحتاج إلى من.. الدولة أم اليسار؟

cc23315e-43b7-4f18-817c-d853a11b5700.gif.

من يحتاج إلى من.. الدولة أم اليسار؟ صورة مركبة لزعماء اليسار المغربي: ادريس لشكر، نبيل بنعبد الله، جمال العسري وعبد السلام العزيز

مع‭ ‬توالي‭ ‬الانكسارات‭ ‬التي‭ ‬تعيشها‭ ‬أحزاب‭ ‬اليسار‭ ‬في‭ ‬المغرب،‭ ‬يلح‭ ‬السؤال‭ ‬عن‭ ‬حاجة‭ ‬الدولة‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬اليسار‭ ‬كصمام‭ ‬توازن‭ ‬سياسي‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬وطنية‭ ‬وإقليمية‭ ‬ودولية‭ ‬تتسم‭ ‬بتقلب‭ ‬التحالفات‭ ‬وتنامي‭ ‬الخطابات‭ ‬الشعبوية،‭ ‬وتراجع‭ ‬الوسائط‭ ‬التقليدية‭ ‬للتمثيل‭ ‬الديمقراطي‭. ‬
 

فهل‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬من‭ ‬الممكن،‭ ‬والحال‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬عليه،‭ ‬الرهان‭ ‬على‭ ‬اليسار؟‭ ‬هل‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬حاملا‭ ‬حصريا‭ ‬لقيم‭ ‬العدالة‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬تلك‭ ‬القيم‭ ‬انتقلت‭ ‬إلى‭ ‬المجال‭ ‬العمومي‭ ‬بوصفها‭ ‬تعاقدا‭ ‬وطنيا‭ ‬أوسع‭ ‬من‭ ‬الحدود‭ ‬الحزبية؟‭ ‬وكيف‭ ‬يمكن‭ ‬الاطمئنان‭ ‬إلى‭ ‬أحزاب‭ ‬اليسار‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬تعيشه‭ ‬من‭ ‬انشقاقات‭ ‬متوالية،‭ ‬ومن‭ ‬اختلاف‭ ‬جذري‭ ‬في‭ ‬الممارسة‭ ‬والخطاب؟‭ ‬وإلى‭ ‬أين‭ ‬حد‭ ‬يمكنها‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬واق‭ ‬من‭ ‬الاصطدام‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يعرفه‭ ‬المغرب‭ ‬من‭ ‬إشكالات‭ ‬سياسية‭ ‬واجتماعية‭ ‬واقتصادية،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬أزمة‭ ‬النخبة‭ ‬السياسية‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬عام،‭ ‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬ضبابية‭ ‬العلاقة‭ ‬مع‭ ‬الفضاء‭ ‬الرقمي،‭ ‬ومع‭ ‬الحركات‭ ‬الاحتجاجية‭ ‬الشبابية؟‭ ‬ثم‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬حدود‭ ‬المسافة‭ ‬مع‭ ‬الدولة؟‭ ‬وهل‭ ‬بالإمكان‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬يسار‭ ‬الدولة‭ ‬ويسار‭ ‬المجتمع؟
 

ليس‭ ‬من‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬نقاش‭ ‬حول‭ ‬وظيفة‭ ‬اليسار‭ ‬يكتسب‭ ‬راهنية‭ ‬خاصة،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الالتباس‭ ‬الذي‭ ‬أحدثه‭ ‬تبني‭ ‬الحكومة‭ ‬الحالية‭ ‬لمفهوم‭ ‬الدولة‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬بما‭ ‬يحمله‭ ‬من‭ ‬وعود‭ ‬بالحماية‭ ‬والتكافل‭ ‬وتقليص‭ ‬الفوارق،‭ ‬وبما‭ ‬يثيره‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬من‭ ‬أسئلة‭ ‬حول‭ ‬الجهة‭ ‬التي‭ ‬تحتكر‭ ‬اليوم‭ ‬هذا‭ ‬الخطاب‭ ‬وحدود‭ ‬صدقيته‭ ‬وعمقه‭ ‬الإصلاحي‭. ‬فحين‭ ‬تتبنى‭ ‬السلطة‭ ‬مفاهيم‭ ‬من‭ ‬صميم‭ ‬القاموس‭ ‬اليساري،‭ ‬يصبح‭ ‬اليسار‭ ‬مطالبا‭ ‬بإعادة‭ ‬تعريف‭ ‬موقعه‭ ‬كسلطة‭ ‬نقدية‭ ‬تقيس‭ ‬المسافة‭ ‬بين‭ ‬الخطاب‭ ‬والممارسة،‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬مفهوم‭ ‬"الدولة‭ ‬الاجتماعية"‭ ‬تحول‭ ‬إلى‭ ‬حقل‭ ‬اختبار‭ ‬سياسي،‭ ‬يكشف‭ ‬مدى‭ ‬جدية‭ ‬الاختيارات‭ ‬العمومية‭ ‬وعدالة‭ ‬توزيع‭ ‬الثروة‭ ‬ونجاعة‭ ‬السياسات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬التي‭ ‬ترتكز‭ ‬عليها‭ ‬حكومة‭ ‬عزيز‭ ‬أخنوش‭. ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الخطر‭ ‬الكامن‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬التبني‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬تفريغ‭ ‬المفهوم‭ ‬من‭ ‬مضمونه،‭ ‬وتحويله‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬تواصلية‭ ‬تُستعمل‭ ‬لامتصاص‭ ‬الاحتقان،‭ ‬دون‭ ‬مساس‭ ‬حقيقي‭ ‬ببنية‭ ‬اللامساواة‭ ‬والتفاوتات‭ ‬الاجتماعية‭. ‬
 

في‭ ‬هذا‭ ‬المستوى،‭ ‬إذن،‭ ‬تتحدد‭ ‬وظيفة‭ ‬اليسار‭ ‬اليوم،‭ ‬أي‭ ‬في‭ ‬استعادة‭ ‬دوره‭ ‬التأويلي‭ ‬والنقدي‭ ‬(مساءلة‭ ‬السياسات‭ ‬العمومية/‭ ‬ربط‭ ‬الاجتماعي‭ ‬بالاقتصادي/‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬الحقوق‭ ‬باعتبارها‭ ‬استحقاقات‭ ‬بنيوية/‭ ‬تفكيك‭ ‬خطاب‭ ‬السلطة‭ ‬وأدواتها‭ ‬في‭ ‬التحكم)،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬رهانه‭ ‬الأساسي‭ ‬يكن‭ ‬في‭ ‬تقويم‭ ‬وبناء‭ ‬تصور‭ ‬متماسك‭ ‬للدولة‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬قائم‭ ‬على‭ ‬الاستدامة‭ ‬والشفافية‭ ‬والمساءلة‭ ‬والتشاركية‭.‬
ومن‭ ‬ثم،‭ ‬فالسؤال‭ ‬لا‭ ‬يتعلق‭ ‬فقط‭ ‬بما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬الدولة‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬اليسار،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بمدى‭ ‬قدرة‭ ‬اليسار‭ ‬على‭ ‬تجديد‭ ‬نفسه‭ ‬والتحرر‭ ‬من‭ ‬أعطابه‭ ‬التنظيمية‭ ‬وتشرذمه‭ ‬وانشقاقاته‭ ‬وخطابه‭ ‬التقليدي،‭ ‬والانخراط‭ ‬في‭ ‬معارك‭ ‬اجتماعية‭ ‬ملموسة،‭ ‬تعيد‭ ‬إليه‭ ‬شرعيته‭ ‬الرمزية‭ ‬والسياسية‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬نسجل‭ ‬الملاحظات‭ ‬التالية:

 

أولا‭:‬‭ ‬ينطلق‭ ‬سؤال‭ ‬"حاجة‭ ‬الدولة‭ ‬إلى‭ ‬اليسار"‭ ‬من‭ ‬فكرة‭ ‬التوازن‭ ‬داخل‭ ‬الحقل‭ ‬السياسي‭. ‬فاليسار‭ ‬بالمغرب،‭ ‬في‭ ‬تجاربه‭ ‬التاريخية،‭ ‬لعب‭ ‬دور‭ ‬الوسيط‭ ‬الذي‭ ‬يربط‭ ‬الدولة‭ ‬بالمجتمع‭ ‬عبر‭ ‬لغة‭ ‬الحقوق‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والعدالة‭ ‬الضريبية‭ ‬وتكافؤ‭ ‬الفرص،‭ ‬مما‭ ‬يمنح‭ ‬الدولة‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬قراءة‭ ‬التحولات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬بلغة‭ ‬سياسية‭ ‬منظمة،‭ ‬ويمنح‭ ‬المجتمع‭ ‬قناة‭ ‬مؤطرة‭ ‬للتعبير‭ ‬عن‭ ‬مطالبه‭. ‬كما‭ ‬يرتبط‭ ‬بأفق‭ ‬اليسار‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬التحولات‭ ‬الدولية،‭ ‬وانخراط‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬قضايا‭ ‬المناخ،‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الرقمي،‭ ‬والهجرة‭ ‬والشراكات‭ ‬إفريقية‭ ‬وأورومتوسطية،‭ ‬مما‭ ‬يفتح‭ ‬مجالا‭ ‬لدبلوماسية‭ ‬برلمانية‭ ‬يسارية‭ ‬تدافع‭ ‬عن‭ ‬تعاون‭ ‬جنوب-جنوب‭ ‬قائم‭ ‬على‭ ‬التضامن‭.‬
 

ثانيا‭:‬‭ ‬وظيفة‭ ‬امتصاص‭ ‬الاحتقان‭ ‬الاجتماعي‭. ‬فالمجتمع‭ ‬المغربي‭ ‬عرف‭ ‬تحولات‭ ‬عميقة‭ ‬خلال‭ ‬العقدين‭ ‬الأخيرين: (تمدد‭ ‬حضري/‭ ‬بطالة‭ ‬الخريجين/‭ ‬تحولات‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬الشغل/‭ ‬صعود‭ ‬مطالب‭ ‬فئوية‭ ‬وقطاعية/‭ ‬احتجاجات‭ ‬شبابية‭.. ‬إلخ)‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬اليسار،‭ ‬بحكم‭ ‬تقاليده‭ ‬النقابية‭ ‬والجمعوية،‭ ‬يملك‭ ‬خبرة‭ ‬في‭ ‬تحويل‭ ‬المطالب‭ ‬المبعثرة‭ ‬إلى‭ ‬برامج‭ ‬تفاوضية،‭ ‬مما‭ ‬يمنح‭ ‬الاحتجاج‭ ‬أفقا‭ ‬مؤسساتيا،‭ ‬إذ‭ ‬يضع‭ ‬قضايا‭ ‬مثل‭ ‬الزيادة‭ ‬في‭ ‬الأجور‭ ‬والحماية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والصحة‭ ‬والتعليم‭ ‬الإنصاف‭ ‬والكرامة‭ ‬في‭ ‬صلب‭ ‬النقاش‭ ‬العمومي،‭ ‬مما‭ ‬يفضي‭ ‬إلى‭ ‬إدماج‭ ‬التوتر‭ ‬داخل‭ ‬قنوات‭ ‬سياسية‭ ‬ونقابية،‭ ‬ويعزز‭ ‬الاستقرار‭ ‬عبر‭ ‬الاعتراف‭ ‬بالمطالب‭ ‬وصياغتها‭ ‬في‭ ‬مقترحات‭ ‬قابلة‭ ‬للتنفيذ‭.‬
 

ثالثا‭:‬‭ ‬النقد‭ ‬المؤسستي‭ ‬البنّاء‭. ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الدولة‭ ‬الحديثة‭ ‬تتقوى‭ ‬عبر‭ ‬تعدد‭ ‬الأصوات‭ ‬داخلها‭. ‬ومن‭ ‬ثم،‭ ‬فاليسار،‭ ‬حين‭ ‬يمارس‭ ‬نقدا‭ ‬مؤسسا‭ ‬على‭ ‬معطيات‭ ‬ودراسات،‭ ‬يساهم‭ ‬في‭ ‬تصحيح‭ ‬السياسات‭ ‬العمومية‭ ‬وفي‭ ‬تجويدها،‭ ‬مما‭ ‬يسمح‭ ‬بترسيخ‭ ‬ثقافة‭ ‬المساءلة،‭ ‬ويحول‭ ‬دون‭ ‬انغلاق‭ ‬القرار‭ ‬داخل‭ ‬دوائر‭ ‬ضيقة‭.  ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬تظهره‭ ‬التجربة‭ ‬المغربية‭ ‬منذ‭ ‬الاستقلال،‭ ‬التي‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬لحظات‭ ‬الانفتاح‭ ‬السياسي‭ ‬ترافقت‭ ‬مع‭ ‬حضور‭ ‬قوي‭ ‬لقوى‭ ‬يسارية‭ ‬في‭ ‬البرلمان‭ ‬والمجالس‭ ‬المحلية،‭ ‬حيث‭ ‬لعبت‭ ‬دورا‭ ‬في‭ ‬صياغة‭ ‬تعديلات‭ ‬تشريعية،‭ ‬وفي‭ ‬طرح‭ ‬أسئلة‭ ‬ترتبط‭ ‬بالحكامة‭ ‬والشفافية‭.‬
 

رابعا‭:‬‭ ‬مخاطر‭ ‬غياب‭ ‬يسار‭ ‬فعّال‭. ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الفراغ‭ ‬داخل‭ ‬خانة‭ ‬العدالة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬يفتح‭ ‬المجال‭ ‬أمام‭ ‬خطابات‭ ‬شعبوية‭ ‬أو‭ ‬راديكالية‭ ‬(الحركات‭ ‬غير‭ ‬المنظمة،‭ ‬التيار‭ ‬الديني‭ ‬المتشدد،‭ ‬اليسار‭ ‬العدمي‭.. ‬إلخ)،‭ ‬وكلها‭ ‬تستثمر‭ ‬في‭ ‬الإحباط‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تحقيق‭ ‬"الثورة"‭ ‬أو‭ ‬"القومة"‭. ‬ومن‭ ‬ثم،‭ ‬فإن‭ ‬غياب‭ ‬اليسار‭ ‬المنظم‭ ‬والقادر‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬التراكم‭ ‬يضعف‭ ‬التوازن‭ ‬داخل‭ ‬المشهد‭ ‬الحزبي،‭ ‬ويجعل‭ ‬النقاش‭ ‬العمومي‭ ‬أقل‭ ‬تنوعا‭. ‬
 

خامسا‭:‬‭ ‬التنزيل‭ ‬الحقيقي‭ ‬لمفهوم‭ ‬الدولة‭. ‬فإذا‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬المفهوم،‭ ‬كما‭ ‬تجسد‭ ‬في‭ ‬ورش‭ ‬تعميم‭ ‬الحماية‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬يستند‭ ‬إلى‭ ‬مرجعية‭ ‬دستورية‭ ‬تعترف‭ ‬بالحقوق‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية،‭ ‬فإنه‭ ‬نشأ‭ ‬تاريخيا،‭ ‬كفكرة،‭ ‬في‭ ‬رحم‭ ‬الحركات‭ ‬العمالية‭ ‬والاشتراكية‭. ‬ومن‭ ‬ثم،‭ ‬فإن‭ ‬انتقالها‭ ‬إلى‭ ‬خطاب‭ ‬الحكومة‭ ‬الحالية‭ ‬يتطلب‭ ‬أن‭ ‬يلعب‭ ‬اليسار‭ ‬دوره‭ ‬التأويلي‭ ‬والرقابي،‭ ‬بالسعي،‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الخطاب‭ ‬السياسي‭ ‬والمساءلة‭ ‬القانونية‭ ‬والحقوقية،‭ ‬إلى‭ ‬تعميق‭ ‬مضمون‭ ‬الدولة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬وربطه‭ ‬بإصلاح‭ ‬ضريبي‭ ‬عادل‭ ‬وبسياسات‭ ‬عمومية‭ ‬تقلص‭ ‬الفوارق‭ ‬المجالية‭.‬
 

سادسا‭:‬‭ ‬أزمة‭ ‬التنظيم‭ ‬والتمثيلية‭ ‬داخل‭ ‬اليسار‭. ‬فما‭ ‬من‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬اليسار‭ ‬المغربي‭ ‬يعاني‭ ‬من‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الأعطاب،‭ ‬من‭ ‬قبيل‭  ‬(تراجع‭ ‬الامتداد‭ ‬الجماهيري/‭ ‬شيخوخة‭ ‬النخب/‭ ‬ضعف‭ ‬التأطير‭ ‬السياسي‭ ‬للشباب/‭ ‬أزمة‭ ‬الديمقراطية‭ ‬الداخلية)،‭ ‬وهي‭ ‬عناصر‭ ‬تؤثر‭ ‬في‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬تجديد‭ ‬خطابه‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الأزمات‭ ‬تحمل‭ ‬في‭ ‬طياتها‭ ‬إمكانات‭ ‬المراجعة،‭ ‬وهذا‭ ‬يقتضي‭ ‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬الثقة‭ ‬تمر‭ ‬عبر‭ ‬فتح‭ ‬المجال‭ ‬أمام‭ ‬قيادات‭ ‬شابة‭ ‬(بدل‭ ‬واقع‭ ‬احتكار‭ ‬المواقع‭ ‬الذي‭ ‬كرسته‭ ‬القيادات‭ ‬الحالية‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬الهيآت‭ ‬السياسية)،‭ ‬واعتماد‭ ‬آليات‭ ‬تشاركية‭ ‬داخل‭ ‬الحزب،‭ ‬وتطوير‭ ‬أدوات‭ ‬تواصل‭ ‬حديثة‭. ‬
 

سابعا‭:‬‭ ‬مستوى‭ ‬العلاقات‭ ‬مع‭ ‬الحكومات‭ ‬الاشتراكية‭ ‬في‭ ‬العالم‭. ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬اليسار،‭ ‬الذي‭ ‬يحمل‭ ‬إرثا‭ ‬مناصرا‭ ‬لقضايا‭ ‬التحرر‭ ‬وحقوق‭ ‬الشعوب،‭ ‬أسس،‭ ‬منذ‭ ‬الاستقلال‭ ‬(المهدي‭ ‬بنبركة،‭ ‬عبد‭ ‬الرحيم‭ ‬بوعبيد،‭ ‬عبد‭ ‬الرحمان‭ ‬اليوسفي،‭ ‬علي‭ ‬يعتة،‭ ‬بنسعيد‭ ‬أيت‭ ‬أيدر‭.. ‬إلخ)،‭ ‬لمقاربة‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬متعددة‭ ‬الأطراف،‭ ‬والانخراط‭ ‬في‭ ‬شبكات‭ ‬التضامن‭ ‬الأممي،‭ ‬والدفاع‭ ‬عن‭ ‬السلم‭ ‬بوصفه‭ ‬شرطا‭ ‬للتنمية‭. ‬ولذلك،‭ ‬فإن‭ ‬الحضور‭ ‬بإمكانه‭ ‬أن‭ ‬يمنح‭ ‬الدولة‭ ‬موقعا‭ ‬مريحا‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬الدولي،‭ ‬ورأسمالا‭ ‬رمزيا‭ ‬يرتبط‭ ‬بقيم‭ ‬العدالة‭ ‬والإنصاف‭ ‬وحقوق‭ ‬الإنسان‭.‬
 

ثامنا‭:‬‭  ‬علاقة‭ ‬اليسار‭ ‬بالفضاء‭ ‬الرقمي‭. ‬فإذا‭ ‬كان‭ ‬الجيل‭ ‬الجديد‭ ‬يتفاعل‭ ‬عبر‭ ‬منصات‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬ويصوغ‭ ‬مطالبه‭ ‬بلغة‭ ‬بصرية‭ ‬سريعة‭ ‬الإيقاع،‭ ‬فإن‭ ‬حضور‭ ‬اليسار‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الفضاء‭ ‬يظل‭ ‬محدودا‭ ‬مقارنة‭ ‬بحركات‭ ‬شبابية‭ ‬مستقلة،‭ ‬مما‭ ‬يطرح‭ ‬عليه،‭ ‬إذا‭ ‬أراد‭ ‬أن‭ ‬يبقى‭ ‬على‭ ‬قيد‭ ‬الممارسة‭ ‬السياسية‭ ‬المؤثرة،‭ ‬الانخراط‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬الرقمنة‭ ‬والتنظيم‭ ‬الأفقي،‭ ‬بما‭  ‬يتيح‭ ‬له‭ ‬بناء‭ ‬شبكات‭ ‬للحوار‭ ‬والترافع،‭ ‬لتوسيع‭ ‬دائرة‭ ‬المتعاطفين‭ ‬الشباب،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الإصغاء‭ ‬إلى‭ ‬مطالبها‭ ‬واحتضانها‭ ‬داخل‭ ‬مشروع‭ ‬سياسي‭ ‬أوسع‭. ‬
 

تاسعا‭:‬‭ ‬شرخ‭ ‬التشرذم‭ ‬والانقسام‭. ‬فمن‭ ‬الواضح‭ ‬أن‭ ‬تعدد‭ ‬الأحزاب‭ ‬اليسارية‭ ‬أضعف‭ ‬صوتها‭ ‬الموحد،‭ ‬وأثر‭ ‬في‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬رسم‭ ‬حدود‭ ‬واضحة‭ ‬مع‭ ‬الدولة‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التعدد‭ ‬يمكنه‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬غنى‭ ‬إذا‭ ‬تأسس‭ ‬على‭ ‬تنسيق‭ ‬استراتيجي‭ ‬حول‭ ‬قضايا‭ ‬كبرى: (العدالة‭ ‬الجبائية/‭ ‬إصلاح‭ ‬التعليم/‭ ‬تعميم‭ ‬التغطية‭ ‬الصحية/‭ ‬حماية‭ ‬الحريات/‭ ‬العدالة‭ ‬المجالية،‭ ‬تجفيف‭ ‬منابع‭ ‬الفساد)‭. ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬رسم‭ ‬المسافة‭ ‬مع‭ ‬الدولة‭ ‬يتطلب‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬منطقة‭ ‬الالتباس‭ ‬والوضوح‭ ‬في‭ ‬المواقف،‭ ‬والمراهنة‭ ‬على‭ ‬الاشتغال‭ ‬البرلماني‭ ‬والجمعوي،‭ ‬بوصف‭ ‬اليسار‭ ‬قوة‭ ‬اقتراحية‭ ‬مستمرة‭.‬
 

عاشرا‭:‬‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬يسار‭ ‬الدولة‭ ‬ويسار‭ ‬المجتمع،‭ ‬ومد‭ ‬جسور‭ ‬التعاون‭ ‬بينهما‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬نقدي‭ ‬تعاقدي‭. ‬فإذا‭ ‬كان‭ ‬يسار‭ ‬الدولة‭ ‬يشتغل‭ ‬من‭ ‬داخل‭ ‬المؤسسات‭ ‬(الأحزاب‭ ‬السياسية)،‭ ‬يشارك‭ ‬في‭ ‬الحكومات،‭ ‬ويسعى‭ ‬إلى‭ ‬تنزيل‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬برنامجه‭ ‬عبر‭ ‬السياسات‭ ‬العمومية،‭ ‬فإن‭ ‬يسار‭ ‬المجتمع‭ ‬يتحرك‭ ‬في‭ ‬النقابات‭ ‬والجمعيات‭ ‬المدنية‭ ‬والحركات‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬ويضغط‭ ‬من‭ ‬الخارج‭ ‬لتوسيع‭ ‬هامش‭ ‬الإصلاح‭. ‬ومن‭ ‬ثم،‭ ‬فالعلاقة‭ ‬بينهما‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬علاقة‭ ‬تكامل‭ ‬حين‭ ‬تتأسس‭ ‬على‭ ‬رؤية‭ ‬مشتركة‭ ‬للعدالة‭ ‬والحرية‭ ‬والكرامة‭. ‬ولعل‭ ‬هذا‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬اليسارين‭ ‬يعكس‭ ‬تعددية‭ ‬في‭ ‬أساليب‭ ‬العمل،‭ ‬ويعزز‭ ‬حضور‭ ‬القيم‭ ‬اليسارية‭ ‬في‭ ‬مستويات‭ ‬مختلفة‭ ‬من‭ ‬الفعل‭ ‬العمومي‭.‬
 

في‭ ‬ضوء‭ ‬هذه‭ ‬النقاط‭ ‬العشر،‭ ‬يتضح‭ ‬أن‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬اليسار‭ ‬بالمغرب‭ ‬تتجاوز‭ ‬حدود‭ ‬التنافس‭ ‬الحزبي‭ ‬أو‭ ‬الانتخابي،‭ ‬ما‭ ‬دام‭ ‬يمثل‭ ‬هذا‭ ‬اليسار‭ ‬طاقة‭ ‬إصلاح‭ ‬تعيد‭ ‬طرح‭ ‬سؤال‭ ‬العدالة‭ ‬داخل‭ ‬مسار‭ ‬التنمية‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الدولة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬بوصفها‭ ‬أفقا‭ ‬سياسيا‭ ‬تزداد‭ ‬رسوخا‭ ‬عبر‭ ‬تعدد‭ ‬الفاعلين‭ ‬الذين‭ ‬يسهمون‭ ‬في‭ ‬تأويلها‭ ‬وتجويدها‭ ‬من‭ ‬داخل‭ ‬أفقهم‭ ‬السياسي‭ ‬والإيديولوجي،‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬اليسار‭ ‬بالمغرب‭ ‬لا‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬شهادة‭ ‬من‭ ‬أحد‭ ‬بأنه‭  ‬مكون‭ ‬ثقيل‭ ‬من‭ ‬مكونات‭ ‬التوازن‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬السياسي،‭ ‬وعنصرا‭ ‬حاسما‭ ‬في‭ ‬إثراء‭ ‬النقاش‭ ‬العمومي،‭ ‬وحامل‭ ‬لذاكرة‭ ‬نضالية‭ ‬شكلت‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬مسار‭ ‬بناء‭ ‬الدولة‭ ‬الحديثة‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬حضوره‭ ‬الفعّال‭ ‬يعزز‭ ‬الاستقرار‭ ‬عبر‭ ‬النقد‭ ‬والمساءلة،‭ ‬ويمنح‭ ‬العدالة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬عمقا‭ ‬فكريا‭ ‬ومؤسساتيا‭. ‬وهذا‭ ‬يتطلب‭ ‬منه‭ ‬بكل‭ ‬تأكيد‭ ‬أن‭ ‬يجدد‭ ‬نفسه‭ ‬ويستعيد‭  ‬صلته‭ ‬بالمجتمع،‭ ‬أي‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬أزمته‭ ‬التنظيمية‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬تمثل‭ ‬تحديا‭ ‬يستدعي‭ ‬تجديدا‭ ‬عميقا‭ ‬في‭ ‬البنية‭ ‬والخطاب،‭ ‬وفي‭ ‬إدارة‭ ‬التوافقات‭.‬

تفاصيل أوفى تجدونها في العدد الجديد من أسبوعية" الوطن الآن

رابط العدد هنا 

https://anfaspress.ma/alwatan/voir/428-2026-03-03-03-52-20