mercredi 4 mars 2026
كتاب الرأي

الصادق العثماني : خطر التدين بلا مذاهب فقهية.. كيف نصون إيمان الشباب المسلم من الفوضى العلمية؟

cc23315e-43b7-4f18-817c-d853a11b5700.gif.

الصادق العثماني : خطر التدين بلا مذاهب فقهية.. كيف نصون إيمان الشباب المسلم من الفوضى العلمية؟ الصادق العثماني

في الأسابيع الأخيرة، عرف المغرب جدلًا واسعًا أثارته بعض الأصوات الدعوية حول مسائل فقهية جزئية، من أبرزها قضية السَّدل والقبض في الصلاة، حيث تحوّل هذا الخلاف الفقهي المعروف منذ قرون إلى مادة للجدل والتشكيك، ورافَقَه رفعُ شعار: “نحن أصحاب الدليل، ولا يعنينا رأي ابن عاشر ولا آراء العلماء والفقهاء”. وقد قُدِّم هذا الخطاب على أنه دعوة للرجوع إلى السنة ونبذ “التقليد”، بينما كان أثره الواقعي في كثير من الأحيان هو إرباك العامة، وزعزعة الثقة في التراث العلمي، وبثّ روح التنازع في المساجد والبيوت. ولم تكن هذه الضجة إلا نموذجًا واضحًا لمشكلة أعمق، تتعلق بفهم معنى الدليل، وحدود الاجتهاد، ومكانة المذاهب في حفظ توازن التدين.
وفي هذا السياق رفعت بعض التيارات الإسلامية في زماننا شعار: “نحن لا نتبع مذهبًا، بل نتبع الدليل من القرآن والسنة”، ويُقدَّم هذا الشعار في ثوب الغَيرة على الدين، والحرص على الاتباع، والتنزه عن “تقليد الرجال”. وقد يبدو هذا الكلام في ظاهره جميلًا، بل مغريًا للشباب المتحمس، خاصة في زمنٍ صارت فيه الكتب والمقاطع والفتاوى متاحة بضغطة زر. غير أن التأمل العميق في هذا الطرح، ومقارنته بتاريخ الفقه الإسلامي وتجربته العملية، يكشف أن المشكلة ليست في “المذهب” بحد ذاته، بل في فهمنا للقرآن الكريم وللأحاديث النبوية، ولمعنى الدليل، ولموقع الإنسان العادي أو طالب العلم المتوسط من هذا التراث العظيم.
لقد نشأت المذاهب الفقهية الكبرى في سياق علمي رصين، قائم على خدمة النصوص، وفهمها، وتنزيلها على الواقع. ولم يكن أئمة هذه المذاهب دعاة تعصب لأنفسهم، ولا مؤسسين لطوائف مغلقة، بل كانوا علماء مجتهدين، أفنوا أعمارهم في طلب العلم، وجمع الحديث، وفهم القرآن، وضبط اللغة، ومعرفة مقاصد الشريعة، وأصول الاستنباط. فمن مدرسة أبو حنيفة النعمان، إلى مدرسة مالك بن أنس، إلى مدرسة محمد بن إدريس الشافعي، إلى مدرسة أحمد بن حنبل، نرى مشروعًا علميًا متكاملاً، لا يقوم على الرأي المجرد، ولا على الهوى، بل على فهم النص في ضوء قواعد منضبطة.
هؤلاء الأئمة لم يقولوا يومًا للناس: “اتبعونا بلا دليل”، بل كانوا أكثر الناس تعظيمًا للدليل. بل رُوي عنهم من الكلمات ما يدل على تواضعهم العلمي، وتحذيرهم من الجمود على آرائهم إذا ظهر الدليل بخلافها. غير أن الفرق الجوهري بينهم وبين كثير ممن يرفع اليوم شعار “الدليل”، أنهم كانوا يملكون أدوات فهم الدليل، ويعرفون شروط العمل به، ومراتب النصوص، وطرق الجمع بينها، ومواقع الترجيح.
إن من أكبر الإشكالات في الخطاب الرافض للمذاهب أنه يتعامل مع “الدليل” وكأنه شيء بسيط، واضح لكل أحد، يكفي أن يفتح الإنسان كتاب حديث أو تطبيقًا إلكترونيًا، فيقرأ نصًا، ثم يستخرج منه الحكم مباشرة. وهذا تصور ساذج لطبيعة العلم الشرعي. فالدليل ليس مجرد آية أو حديث، بل هو منظومة متكاملة من النصوص، والقواعد، والسياقات، والمقاصد، والفهوم المتراكمة.
فالحديث الواحد، على سبيل المثال، قد يكون له أكثر من رواية، وأكثر من سياق، وقد يعارضه حديث آخر في الظاهر، وقد يكون عامًا أو خاصًا، مطلقًا أو مقيدًا، منسوخًا أو مقيِّدًا لغيره، وقد يكون العمل به متوقفًا على معرفة حال الراوي، أو سبب الورود، أو عمل الصحابة به. وكل هذا لا يُدرك بمجرد الاطلاع السريع، بل يحتاج إلى عمرٍ في التعلم.
ومن هنا نفهم أن كثيرًا مما يُظن أنه “رأي بلا دليل” في المذاهب، هو في الحقيقة مبني على أدلة، لكنها ليست ظاهرة للمبتدئ، ولا للمتوسط، بل مبسوطة في كتب الاستدلال، والأصول، والخلاف العالي. المشكلة إذن ليست في غياب الدليل، بل في غياب الاطلاع عليه.
ثم إن من يقول: “أنا لا أتبع أحدًا، بل أتبع الدليل”، لا يعيش في الواقع بلا وسائط. فهو في الحقيقة يتبع تصحيح عالم معين للأحاديث، وترجيح عالم معين في الفهم، واختيار مدرسة معينة في الأصول، ولو لم يسمِّها مذهبًا. فهو لم يتحرر من التقليد، بل انتقل من تقليد جماعي متراكم منضبط إلى تقليد فردي محدود.
فالشاب الذي يعتمد على كتب أو مقاطع لشخص أو اثنين، ويأخذ عنهم فقهه كله، يكون قد حصر نفسه في دائرة ضيقة جدًا، مقارنة بمن ينتمي إلى مدرسة شارك في بنائها آلاف العلماء عبر قرون. والفرق بين الأمرين كالفرق بين من يقرأ خلاصة تجربة أمة، ومن يكتفي بتجربة فرد، مهما بلغ علمه.
ومن المفارقات العجيبة أن الدعوة إلى “ترك المذاهب لتوحيد الأمة” لم تؤدِّ عمليًا إلى الوحدة، بل إلى مزيد من التشتت. فالمذاهب الأربعة، رغم اختلافها، كانت تضبط الخلاف، وتؤطره، وتجعله مفهومًا داخل سياق علمي. أما بعد انتشار الخطاب اللامذهبي، فقد ظهرت عشرات الاتجاهات، والاختيارات، والمدارس غير المنضبطة، وصار كل داعية يكوّن حوله “مدرسة” خاصة، لها مصطلحاتها وترجيحاتها.
وبدل أن يكون الخلاف محصورًا في أطر معروفة، صار مفتوحًا بلا ضوابط، يتنقل فيه الناس من رأي إلى رأي، ومن فتوى إلى أخرى، حسب ما يوافق مزاجهم أو ما يشاهدونه في آخر مقطع.
وهنا يظهر خطر هذا المنهج على الدين نفسه، لا من جهة النصوص، بل من جهة الفهم والتدين العملي. فالدين لا يُحفظ فقط بالمصحف والحديث، بل يُحفظ أيضًا بالمنهج الذي يضبط التعامل معهما. وإذا ضاع المنهج، صار النص أداة في يد كل من شاء، يفسره كما يريد، ويستدل به لما يحب.
ومن أخطر آثار هذا المسلك أنه يزرع في النفوس نوعًا من الغرور العلمي. فالشاب الذي لم يدرس أصول الفقه، ولا مصطلح الحديث، ولا اللغة، ولا الخلاف العالي، قد يتجرأ على تخطئة علماء كبار، ويصف أقوالهم بأنها “بلا دليل”، وهو في الحقيقة لم يبلغ بعد مرحلة فهم الدليل نفسه. وهذا يفسد أخلاق طالب العلم، قبل أن يفسد علمه.
كما أن هذا المنهج يُربك عامة الناس، ويحمّلهم ما لا طاقة لهم به. فليس مطلوبًا من المسلم العادي أن يكون محدثًا، ولا أصوليًا، ولا مجتهدًا. بل المطلوب منه أن يعبد الله على بصيرة، من خلال الثقة بأهل العلم. كما يثق بالمختص في الطب أو الهندسة. وهذا ليس تعطيلًا للعقل، بل هو عين العقل.
فالعقل السليم يميّز بين من يملك الأدوات ومن لا يملكها، ويعرف متى يسأل ومتى يعتمد. والمشكلة ليست في السؤال عن الدليل، بل في تحويله إلى شعار يُستعمل للطعن والتشكيك، دون فهم حقيقته.
ومن التجارب الواقعية المؤلمة أن الدول الإسلامية أو  المؤسسات الدينية التي لا تعتمد مرجعية واضحة، تبقى معلقة بأشخاص. فإذا جاء إمام أو داعية بفهم معين، تغيّر الاتجاه. وإذا جاء غيره، تغيّر مرة أخرى. ويبقى الناس في حيرة دائمة. أما وجود إطار فقهي معتمد، مكتوب، معلن، فإنه يوفّر الاستقرار، ويمنع الفوضى، دون أن يمنع الحوار والاجتهاد.
والتمذهب الصحيح لا يعني التعصب، ولا إغلاق باب الاجتهاد، ولا رفض الدليل. بل يعني الانتماء إلى مدرسة علمية، لها أصولها، ومناهجها، وتاريخها، مع احترام غيرها، والاستفادة من الجميع. هو اختيار إطار منظم للفهم، لا قيدًا على العقل.
ولهذا كان كبار العلماء عبر التاريخ يجمعون بين الانتماء المذهبي، وسعة الأفق، وقبول الخلاف، والاطلاع على أقوال غيرهم. فلم يكونوا أسرى لمذهبهم، ولا خارجين عليه بلا علم، بل كانوا يتعاملون معه بوصفه وعاءً تربويًا ومنهجيًا.
وفي واقع الأقليات المسلمة، وفي البيئات التي يضعف فيها التكوين العلمي، تزداد أهمية هذا المنهج المتوازن. لأن الشاب الذي يتلقى دينه من الإنترنت فقط، دون إطار واضح، يكون أكثر عرضة للتشويش، والتطرف الفكري، والاضطراب في العبادة والمعاملة.
إن الإسلام أوسع من أن يُختزل في رأي واحد، وأرحم من أن يُحبس في اجتهاد واحد، لكنه في الوقت نفسه أعمق من أن يُؤخذ بلا منهج. والتدين الحقيقي ليس في كثرة الجدل حول “الدليل”، بل في الصدق مع الله، والتواضع أمام العلم، واحترام جهود العلماء.
والتجربة الطويلة في الدعوة والتعليم تُعلّم الإنسان أن الحماسة وحدها لا تكفي، وأن الإخلاص إذا لم يُضبط بالعلم، قد ينقلب إلى ضرر. كما تُعلّمه أن المذاهب ليست عائقًا أمام السنة، بل جسورًا لفهمها، وأن التراث ليس عبئًا، بل ذخيرة.
وفي الختام، فإن أخطر ما في الخطاب الرافض للمذاهب ليس مجرد مخالفة علمية، بل كونه يزرع وهم الاكتفاء الذاتي، ويُضعف روح التلقي، ويُربك البناء الديني للأفراد والمجتمعات. أما المنهج المتوازن، الذي يجمع بين احترام المذاهب، وتعظيم الدليل، وسعة الأفق، والتواضع العلمي، فهو الذي يحفظ للدين عمقه، وللأمة وحدتها، وللشباب استقرارهم.

الصادق العثماني - أمين عام رابطة علماء المسلمين بأمريكا اللاتينية