في ظل عدم تجاوب وزارة العدل مع مطالب السادة العدول أثناء صياغة مشروع القانون المنظم لمهنة العدول، وعدم إدراج أي تعديلات خلال المصادقة عليه من طرف مجلس النواب، وهو الأمر المتوقع أن يتكرر أمام مجلس المستشارين، تخوض الهيأة الوطنية للعدول إضراباً وطنياً من 2 مارس 2026 إلى غاية 10 مارس 2026.
ويمكن إجمال أهم نواقص هذا المشروع في النقاط التالية:
أولاً: على مستوى التسمية، حيث تم اعتماد تسمية “القانون المنظم لمهنة التوثيق العدلي” بدل “القانون المنظم لمهنة العدول”، بما يحمله ذلك من دلالات تمس هوية المهنة وطبيعتها.
ثانياً: التنصيص على حالة التنافي بين مهنة العدل ومهنة الموثق، وهو أمر غير سليم، باعتبار أن الاختصاص الأصيل للعدول هو توثيق المعاملات بمختلف أنواعها، سواء كانت عقارية أو أسرية أو مالية أو غيرها.
ثالثاً: بخصوص آلية الإيداع، فهي شُرعت أساساً لحماية أموال المواطنين، ولا تعد اختصاصاً في حد ذاتها، بل وسيلة لضمان الاحتفاظ بثمن البيع لدى جهة مخول لها ذلك إلى حين انتقال الملكية بتقييد العقد في الرسم العقاري.
رابعاً: اعتماد المشروع على رقابة خماسية (قاضي التوثيق، الوكيل العام، لجنة المالية، لجنة وزارة العدل، الهيأة الوطنية والمجالس الجهوية)، دون تمكين العدول من الآليات الضرورية للاشتغال في ظروف مهنية متوازنة.
خامساً: عدم تحديد ضوابط واضحة للفصل بين المسؤولية التأديبية والمسؤولية الجنائية، حيث غالباً ما يتم تكييف أخطاء مهنية على أنها أفعال جنائية، وما يترتب عن ذلك من إدانة العدول لمجرد ارتكاب مخالفة تأديبية.
إن المشروع، بصيغته الحالية، يمارس نوعاً من التمييز التشريعي، ويبدو أنه صيغ بما يخدم فئة الموثقين، في حين أن العدول ليسوا أقل كفاءة ليتم إقصاؤهم من اختصاصات مسندة إليهم بحكم طبيعة اختصاصهم الأصلي، والمتمثل في توثيق المعاملات.
ويظهر هذا التوجه أيضاً في قوانين المالية السنوية وبعض القوانين الخاصة التي تحصر توثيق بعض المعاملات لدى الموثق، مع إقصاء العدول، كما هو الشأن بالنسبة للسكن الاجتماعي، والسكن المدعم من طرف الدولة، وبيع الأصل التجاري، وغيرها من المعاملات التي تستلزم إيداع ثمن البيع لدى جهة مخول لها الاحتفاظ بالودائع.
أما بخصوص الآثار السلبية لإضراب العدول، فيمكن إجمالها في:
– حرمان خزينة الدولة من واجبات التسجيل المتعلقة بالمعاملات العقارية والعقود الخاضعة للتسجيل.
– حرمانها من واجبات المحافظة على الأملاك العقارية.
– تأجيل البت في دعاوى قضائية تتطلب وسائل إثبات يختص بإنجازها السادة العدول، من بينها دعاوى التعويض عن حوادث السير، ودعاوى القسمة، والحالة المدنية، والنسب، والطلاق الاتفاقي، وملفات الزواج.
– حرمان الورثة من التصرف في التركات، لكون ذلك يستلزم إنجاز رسوم الإراثات ورسوم الإحصاء، وهو اختصاص حصري للعدول.
– عرقلة الإجراءات المرتبطة بالعمل اليومي للعدول مع إدارة الضرائب، والمحافظة على الأملاك العقارية، والمحاكم، وغيرها من الإدارات.
– عدم تقديم الاستشارات لعموم المواطنين بشأن النوازل اليومية التي تعرض عليهم.
إن وزير العدل، من خلال الدفع بمشروع القانون 16.22 بهذه الصيغة، يكرس تمييزاً تشريعياً بين مهنتي التوثيق، ويسعى إلى تمريره بشكل متسارع بما يؤدي إلى تقليص اختصاصات العدول لفائدة الموثقين.
ومن خصوصيات المنظومة الوطنية ازدواجية التوثيق: توثيق عدلي وتوثيق عصري. والمطلوب هو تحقيق المساواة في آليات الاشتغال بين المهنتين، وترك الحرية للمواطن لاختيار الجهة التي يرغب في التعامل معها لإبرام معاملاته، في إطار من التكافؤ والإنصاف.
محمد عشا، عدل باستئنافية ورزازات
.
