mercredi 4 mars 2026
كتاب الرأي

يونس مجاهد: ثرثرة فوق العوامة الرقمية

cc23315e-43b7-4f18-817c-d853a11b5700.gif.

يونس مجاهد: ثرثرة فوق العوامة الرقمية يونس مجاهد

عنوان هذا المقال مستوحى من رواية نجيب محفوظ، ثرثرة فوق النيل، التي يتناول فيها إشكالية العبث، في سياق واقع يتميز بالزيف والأوهام والهرب من القضايا الحقيقية، مقابل اللامسؤولية والكلام الفارغ، لشخصيات تعيش في عوامة فوق نهر النيل. أما ثرثرة فوق العوامة الرقمية، فهي نوع جديد من الكلام الفارغ، الذي أصبح ينتشر في وسائل التواصل الاجتماعي، وفي بعض المواقع، التي تدعي أنها تمارس الصحافة. ومن بين "الأجناس" التي تم ابتداعها في إطار هذه الثرثرة، الحديث في تاريخ الأحداث السياسية والسير الشخصية، دون حد أدنى من القواعد العلمية، التي توظف في البحث التاريخي، حيث يتم استضافة أشخاص لتقديم شهادات في كل شيء، وعن كل شيء، عن الناس، وعن تاريخ المغرب، وعن كل ما يحلو لهم قوله، أحيانا بارتباك واضح وأفكار مشوشة، غير مرتبة، وتداعيات نفسية، أقرب إلى حصة تحليل نفسي.


من الطبيعي أن تتم مثل هذه الممارسة في شبكات التواصل الاجتماعي، إذ يمكن لأي شخص أن ينشر أو يبث فيها ما يريد، دون احترام قواعد الصحافة أو الصرامة العلمية، أما أن يحصل ذلك في صحف رقمية، تقدم للمتلقي شيئا تسميه، كذبا وبهتانا، صحافة، فإن الأمر يكون مدعاة للقلق، لأنه تشويه لمهنة لها قواعد مضبوطة وتقاليد مهنية، مثل المقابلة الصحافية، التي هي جنس مهني يقوم فيه الصحافي، باستجواب شخصية فاعلة، حول قضية ذات اهتمام عام، وفق قواعد منهجية وأخلاقية دقيقة، من أهمها، حسب ما يدرس لطلاب معاهد الصحافة والإعلام، تجنب الغموض والمعطيات غير الدقيقة، والابتعاد عن العموميات، والاستناد إلى وقائع موثقة عند طرح الأسئلة، وإلى الأرقام، والتواريخ، والوثائق، ومواجهة التناقضات بأسئلة ذكية، وطلب الحجج والبراهين، عند تقديم اتهامات... كل هذا ينبغي أن يتم في إطار احترام أخلاقيات المهنة، مثل تحري الصدق والدقة، وعدم التجريح والتشهير بالناس، واحترام كرامتهم... أما على المستوى القانوني، فإن المسؤولية القانونية تقع على مدير النشر، الذي لا يمكنه أن يقبل بتمرير أي كلام، قد يكون قذفا وسبا أو لا يحترم الحياة الخاصة للناس أو يمس ذمتهم وشرفهم...


و لا تعتبر صحافة، إذا كانت مجرد استضافة شخص في استوديو، ومجاراته في الكلام، حيث ينحرف الصحافي عن وظيفته الأصلية بوصفه أداة مساءلة ومراقبة، ليتحول إلى مجرد مداح يجاري الشخص الذي يستجوبه، مكتفيا بإعادة إنتاج خطابه دون مساءلة نقدية، وتزداد خطورة الأمر عندما يظهر الصحافي نوعا من الابتهاج، أو التواطؤ الضمني، مع إساءات الضيف تجاه فئات من الناس، إذ يصبح البرنامج حينها أقرب إلى تصفية حسابات شخصية أو رمزية، لا إلى نقاش عمومي مسؤول، وفي هذه الحالة، لا يعود الأمر مجرد ضعف مهني، فقط، بل يتحول، أيضا، إلى إخلال بأخلاقيات المهنة.


أما محاولة تقمص شخصية المؤرخ، من طرف الضيف، فإن الأمر يكتسي خطورة حقيقية، لأن الحديث في التاريخ يشكل مجالا معرفيا دقيقا، يتجاوز مجرد إلقاء الكلام على عواهنه، فالتاريخ يتأسس على المنهج والنقد والتوثيق، ومن الضروري التمييز بين الخطاب التاريخي العلمي والخطاب السياسي، أو الإيديولوجي، أو الدعائي. فالحديث العلمي في التاريخ ليس مجرد سرد غير مضبوط لأحداث الماضي، بل هو ممارسة عقلانية، تخضع لقواعد منهجية صارمة. أما تقديم شهادات عن أحداث من الماضي فهو بدوره يحتاج إلى ضوابط، من أهمها أن تستند إلى حقائق وبيانات يمكن التحقق منها، وليس على أحكام قيمة أو تكهنات وافتراضات، ناهيك عن الحياد والصدق والأمانة، وعدم تضارب المصالح، أو نزاع مع أي من أطراف القضية أو الموقف الذي تقدم بشأنه الشهادة.


في خضم هذا المشهد يتحول الصحافي إلى جزء لا يتجزأ من العوامة الرقمية، فهو ليس محاورا، بل مجرد ميسر جلسات، يستبدل أداة المساءلة بابتسامة الموافقة والإيماءات المتواطئة، يحاول أضفاء شرعية غير مستحقة، لخطاب غير مسؤول، فهو عمليا، خصم للمهنة، لأنه يقدم نسخة مشوهة منها للجمهور، ويخلط بين الحوار الصحافي وبين بث كشكول الذكريات الشخصية، التي تتضمن في سرديتها، تصفية حسابات قديمة، وإساءة للناس، لا يستطيعون الرد، ومعلومات غير دقيقة، لكن ما يهمه هو زيادة عدد المشاهدات، من أجل الربح المالي، لينتقل من مهنة الصحافة إلى حرفة التجارة، سلعته ليست المعلومة الموثقة، بل الثرثرة على عوامة تائهة في نهر بلا ضفاف.