صورة مركبة لزعماء اليسار المغربي: ادريس لشكر، نبيل بنعبد الله، جمال العسري وعبد السلام العزيز
مع توالي الانكسارات التي تعيشها أحزاب اليسار في المغرب، يلح السؤال عن حاجة الدولة إلى هذا اليسار كصمام توازن سياسي في لحظة وطنية وإقليمية ودولية تتسم بتقلب التحالفات وتنامي الخطابات الشعبوية، وتراجع الوسائط التقليدية للتمثيل الديمقراطي.
فهل ما زال من الممكن، والحال على ما هي عليه، الرهان على اليسار؟ هل ما زال حاملا حصريا لقيم العدالة الاجتماعية، أم أن تلك القيم انتقلت إلى المجال العمومي بوصفها تعاقدا وطنيا أوسع من الحدود الحزبية؟ وكيف يمكن الاطمئنان إلى أحزاب اليسار مع ما تعيشه من انشقاقات متوالية، ومن اختلاف جذري في الممارسة والخطاب؟ وإلى أين حد يمكنها أن تكون واق من الاصطدام مع كل ما يعرفه المغرب من إشكالات سياسية واجتماعية واقتصادية، خاصة في ظل أزمة النخبة السياسية على نحو عام، وفي ظل ضبابية العلاقة مع الفضاء الرقمي، ومع الحركات الاحتجاجية الشبابية؟ ثم ما هي حدود المسافة مع الدولة؟ وهل بالإمكان الحديث عن يسار الدولة ويسار المجتمع؟
ليس من شك أن كل نقاش حول وظيفة اليسار يكتسب راهنية خاصة، في ظل الالتباس الذي أحدثه تبني الحكومة الحالية لمفهوم الدولة الاجتماعية، بما يحمله من وعود بالحماية والتكافل وتقليص الفوارق، وبما يثيره في الوقت نفسه من أسئلة حول الجهة التي تحتكر اليوم هذا الخطاب وحدود صدقيته وعمقه الإصلاحي. فحين تتبنى السلطة مفاهيم من صميم القاموس اليساري، يصبح اليسار مطالبا بإعادة تعريف موقعه كسلطة نقدية تقيس المسافة بين الخطاب والممارسة، ذلك أن مفهوم "الدولة الاجتماعية" تحول إلى حقل اختبار سياسي، يكشف مدى جدية الاختيارات العمومية وعدالة توزيع الثروة ونجاعة السياسات الاجتماعية التي ترتكز عليها حكومة عزيز أخنوش. ذلك أن الخطر الكامن في هذا التبني يكمن في تفريغ المفهوم من مضمونه، وتحويله إلى أداة تواصلية تُستعمل لامتصاص الاحتقان، دون مساس حقيقي ببنية اللامساواة والتفاوتات الاجتماعية.
في هذا المستوى، إذن، تتحدد وظيفة اليسار اليوم، أي في استعادة دوره التأويلي والنقدي (مساءلة السياسات العمومية/ ربط الاجتماعي بالاقتصادي/ الدفاع عن الحقوق باعتبارها استحقاقات بنيوية/ تفكيك خطاب السلطة وأدواتها في التحكم)، كما أن رهانه الأساسي يكن في تقويم وبناء تصور متماسك للدولة الاجتماعية، قائم على الاستدامة والشفافية والمساءلة والتشاركية.
ومن ثم، فالسؤال لا يتعلق فقط بما إذا كانت الدولة بحاجة إلى اليسار، بقدر ما يتعلق بمدى قدرة اليسار على تجديد نفسه والتحرر من أعطابه التنظيمية وتشرذمه وانشقاقاته وخطابه التقليدي، والانخراط في معارك اجتماعية ملموسة، تعيد إليه شرعيته الرمزية والسياسية. ومن هنا نسجل الملاحظات التالية:
أولا: ينطلق سؤال "حاجة الدولة إلى اليسار" من فكرة التوازن داخل الحقل السياسي. فاليسار بالمغرب، في تجاربه التاريخية، لعب دور الوسيط الذي يربط الدولة بالمجتمع عبر لغة الحقوق الاجتماعية والعدالة الضريبية وتكافؤ الفرص، مما يمنح الدولة القدرة على قراءة التحولات الاجتماعية بلغة سياسية منظمة، ويمنح المجتمع قناة مؤطرة للتعبير عن مطالبه. كما يرتبط بأفق اليسار في ضوء التحولات الدولية، وانخراط الدولة في قضايا المناخ، الاقتصاد الرقمي، والهجرة والشراكات إفريقية وأورومتوسطية، مما يفتح مجالا لدبلوماسية برلمانية يسارية تدافع عن تعاون جنوب-جنوب قائم على التضامن.
ثانيا: وظيفة امتصاص الاحتقان الاجتماعي. فالمجتمع المغربي عرف تحولات عميقة خلال العقدين الأخيرين: (تمدد حضري/ بطالة الخريجين/ تحولات في سوق الشغل/ صعود مطالب فئوية وقطاعية/ احتجاجات شبابية.. إلخ). ومن هنا يمكن القول إن اليسار، بحكم تقاليده النقابية والجمعوية، يملك خبرة في تحويل المطالب المبعثرة إلى برامج تفاوضية، مما يمنح الاحتجاج أفقا مؤسساتيا، إذ يضع قضايا مثل الزيادة في الأجور والحماية الاجتماعية والصحة والتعليم الإنصاف والكرامة في صلب النقاش العمومي، مما يفضي إلى إدماج التوتر داخل قنوات سياسية ونقابية، ويعزز الاستقرار عبر الاعتراف بالمطالب وصياغتها في مقترحات قابلة للتنفيذ.
ثالثا: النقد المؤسستي البنّاء. ذلك أن الدولة الحديثة تتقوى عبر تعدد الأصوات داخلها. ومن ثم، فاليسار، حين يمارس نقدا مؤسسا على معطيات ودراسات، يساهم في تصحيح السياسات العمومية وفي تجويدها، مما يسمح بترسيخ ثقافة المساءلة، ويحول دون انغلاق القرار داخل دوائر ضيقة. وهذا ما تظهره التجربة المغربية منذ الاستقلال، التي تؤكد أن لحظات الانفتاح السياسي ترافقت مع حضور قوي لقوى يسارية في البرلمان والمجالس المحلية، حيث لعبت دورا في صياغة تعديلات تشريعية، وفي طرح أسئلة ترتبط بالحكامة والشفافية.
رابعا: مخاطر غياب يسار فعّال. ذلك أن الفراغ داخل خانة العدالة الاجتماعية يفتح المجال أمام خطابات شعبوية أو راديكالية (الحركات غير المنظمة، التيار الديني المتشدد، اليسار العدمي.. إلخ)، وكلها تستثمر في الإحباط من أجل تحقيق "الثورة" أو "القومة". ومن ثم، فإن غياب اليسار المنظم والقادر على تحقيق التراكم يضعف التوازن داخل المشهد الحزبي، ويجعل النقاش العمومي أقل تنوعا.
خامسا: التنزيل الحقيقي لمفهوم الدولة. فإذا كان هذا المفهوم، كما تجسد في ورش تعميم الحماية الاجتماعية، يستند إلى مرجعية دستورية تعترف بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، فإنه نشأ تاريخيا، كفكرة، في رحم الحركات العمالية والاشتراكية. ومن ثم، فإن انتقالها إلى خطاب الحكومة الحالية يتطلب أن يلعب اليسار دوره التأويلي والرقابي، بالسعي، على مستوى الخطاب السياسي والمساءلة القانونية والحقوقية، إلى تعميق مضمون الدولة الاجتماعية وربطه بإصلاح ضريبي عادل وبسياسات عمومية تقلص الفوارق المجالية.
سادسا: أزمة التنظيم والتمثيلية داخل اليسار. فما من شك أن اليسار المغربي يعاني من مجموعة من الأعطاب، من قبيل (تراجع الامتداد الجماهيري/ شيخوخة النخب/ ضعف التأطير السياسي للشباب/ أزمة الديمقراطية الداخلية)، وهي عناصر تؤثر في قدرته على تجديد خطابه. غير أن الأزمات تحمل في طياتها إمكانات المراجعة، وهذا يقتضي إعادة بناء الثقة تمر عبر فتح المجال أمام قيادات شابة (بدل واقع احتكار المواقع الذي كرسته القيادات الحالية في كل الهيآت السياسية)، واعتماد آليات تشاركية داخل الحزب، وتطوير أدوات تواصل حديثة.
سابعا: مستوى العلاقات مع الحكومات الاشتراكية في العالم. ذلك أن اليسار، الذي يحمل إرثا مناصرا لقضايا التحرر وحقوق الشعوب، أسس، منذ الاستقلال (المهدي بنبركة، عبد الرحيم بوعبيد، عبد الرحمان اليوسفي، علي يعتة، بنسعيد أيت أيدر.. إلخ)، لمقاربة تقوم على الدبلوماسية متعددة الأطراف، والانخراط في شبكات التضامن الأممي، والدفاع عن السلم بوصفه شرطا للتنمية. ولذلك، فإن الحضور بإمكانه أن يمنح الدولة موقعا مريحا في النظام الدولي، ورأسمالا رمزيا يرتبط بقيم العدالة والإنصاف وحقوق الإنسان.
ثامنا: علاقة اليسار بالفضاء الرقمي. فإذا كان الجيل الجديد يتفاعل عبر منصات التواصل الاجتماعي، ويصوغ مطالبه بلغة بصرية سريعة الإيقاع، فإن حضور اليسار في هذا الفضاء يظل محدودا مقارنة بحركات شبابية مستقلة، مما يطرح عليه، إذا أراد أن يبقى على قيد الممارسة السياسية المؤثرة، الانخراط في زمن الرقمنة والتنظيم الأفقي، بما يتيح له بناء شبكات للحوار والترافع، لتوسيع دائرة المتعاطفين الشباب، من خلال الإصغاء إلى مطالبها واحتضانها داخل مشروع سياسي أوسع.
تاسعا: شرخ التشرذم والانقسام. فمن الواضح أن تعدد الأحزاب اليسارية أضعف صوتها الموحد، وأثر في قدرتها على رسم حدود واضحة مع الدولة. غير أن هذا التعدد يمكنه أن يتحول إلى غنى إذا تأسس على تنسيق استراتيجي حول قضايا كبرى: (العدالة الجبائية/ إصلاح التعليم/ تعميم التغطية الصحية/ حماية الحريات/ العدالة المجالية، تجفيف منابع الفساد). ذلك أن رسم المسافة مع الدولة يتطلب الخروج من منطقة الالتباس والوضوح في المواقف، والمراهنة على الاشتغال البرلماني والجمعوي، بوصف اليسار قوة اقتراحية مستمرة.
عاشرا: التمييز بين يسار الدولة ويسار المجتمع، ومد جسور التعاون بينهما على أساس نقدي تعاقدي. فإذا كان يسار الدولة يشتغل من داخل المؤسسات (الأحزاب السياسية)، يشارك في الحكومات، ويسعى إلى تنزيل جزء من برنامجه عبر السياسات العمومية، فإن يسار المجتمع يتحرك في النقابات والجمعيات المدنية والحركات الاجتماعية، ويضغط من الخارج لتوسيع هامش الإصلاح. ومن ثم، فالعلاقة بينهما ينبغي أن تكون علاقة تكامل حين تتأسس على رؤية مشتركة للعدالة والحرية والكرامة. ولعل هذا التمييز بين اليسارين يعكس تعددية في أساليب العمل، ويعزز حضور القيم اليسارية في مستويات مختلفة من الفعل العمومي.
في ضوء هذه النقاط العشر، يتضح أن الحاجة إلى اليسار بالمغرب تتجاوز حدود التنافس الحزبي أو الانتخابي، ما دام يمثل هذا اليسار طاقة إصلاح تعيد طرح سؤال العدالة داخل مسار التنمية. كما أن الدولة الاجتماعية بوصفها أفقا سياسيا تزداد رسوخا عبر تعدد الفاعلين الذين يسهمون في تأويلها وتجويدها من داخل أفقهم السياسي والإيديولوجي، ذلك أن اليسار بالمغرب لا يحتاج إلى شهادة من أحد بأنه مكون ثقيل من مكونات التوازن في النظام السياسي، وعنصرا حاسما في إثراء النقاش العمومي، وحامل لذاكرة نضالية شكلت جزءا من مسار بناء الدولة الحديثة. كما أن حضوره الفعّال يعزز الاستقرار عبر النقد والمساءلة، ويمنح العدالة الاجتماعية عمقا فكريا ومؤسساتيا. وهذا يتطلب منه بكل تأكيد أن يجدد نفسه ويستعيد صلته بالمجتمع، أي الخروج من أزمته التنظيمية الكبرى التي تمثل تحديا يستدعي تجديدا عميقا في البنية والخطاب، وفي إدارة التوافقات.
تفاصيل أوفى تجدونها في العدد الجديد من أسبوعية" الوطن الآن"
رابط العدد هنا
https://anfaspress.ma/alwatan/voir/428-2026-03-03-03-52-20