jeudi 19 février 2026
سياسة

محمد الطيار: محطة مدريد تعكس تحولا نوعيا من منطق الجمود السياسي إلى استكشاف الحلول الواقعية لملف الصحراء المغربية

محمد الطيار: محطة مدريد تعكس تحولا نوعيا من منطق الجمود السياسي إلى استكشاف الحلول الواقعية لملف الصحراء المغربية محمد الطيار، رئيس المرصد الوطني للدراسات الاستراتيجية

يرى‭ ‬د‭. ‬محمد‭ ‬الطيار،‭ ‬رئيس‭ ‬المرصد‭ ‬الوطني‭ ‬للدراسات‭ ‬الاستراتيجية،‭ ‬أن‭ ‬محطة‭ ‬مدريد‭ ‬تشكل‭ ‬تحولا‭ ‬نوعيا‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬تدبير‭ ‬ملف‭ ‬الصحراء‭ ‬المغربية،‭ ‬لأنها‭ ‬تعكس‭ ‬انتقالا‭ ‬من‭ ‬منطق‭ ‬تدبير‭ ‬الجمود‭ ‬السياسي‭ ‬إلى‭ ‬منطق‭ ‬استكشاف‭ ‬الحلول‭ ‬الواقعية‭. ‬مضيفا‭ ‬بأن‭ ‬المؤشرات‭ ‬المتوفرة‭ ‬بدأت‭ ‬تلامس‭ ‬الجوانب‭ ‬التقنية‭ ‬والمؤسساتية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بكيفية‭ ‬تنزيل‭ ‬مقترح‭ ‬الحكم‭ ‬الذاتي،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬يعكس‭ ‬وعيا‭ ‬دوليا‭ ‬متزايدا‭ ‬بأن‭ ‬استمرار‭ ‬الوضع‭ ‬القائم‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يخدم‭ ‬الاستقرار‭ ‬الإقليمي،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬التحولات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬التي‭ ‬تعرفها‭ ‬منطقة‭ ‬الساحل‭ ‬وشمال‭ ‬إفريقيا..

 


 كيف‭ ‬تتابع‭ ‬مسار‭ ‬انطلاق‭ ‬المفاوضات‭ ‬في‭ ‬مدريد‭ ‬حول‭ ‬الحكم‭ ‬الذاتي‭ ‬في‭ ‬الصحراء‭ ‬المغربية؟
 يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬محطة‭ ‬مدريد‭ ‬تشكل‭ ‬تحولا‭ ‬نوعيا‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬تدبير‭ ‬هذا‭ ‬النزاع‭ ‬الإقليمي،‭ ‬لأنها‭ ‬تعكس‭ ‬انتقالا‭ ‬من‭ ‬منطق‭ ‬تدبير‭ ‬الجمود‭ ‬السياسي‭ ‬إلى‭ ‬منطق‭ ‬استكشاف‭ ‬الحلول‭ ‬الواقعية‭. ‬فطبيعة‭ ‬النقاشات‭ ‬الجارية،‭ ‬بحسب‭ ‬المؤشرات‭ ‬المتوفرة،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬محصورة‭ ‬في‭ ‬تكرار‭ ‬المرجعيات‭ ‬التقليدية،‭ ‬فقد‭ ‬بدأت‭ ‬تلامس‭ ‬الجوانب‭ ‬التقنية‭ ‬والمؤسساتية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بكيفية‭ ‬تنزيل‭ ‬مقترح‭ ‬الحكم‭ ‬الذاتي‭.‬
كما‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬يعكس‭ ‬وعيا‭ ‬دوليا‭ ‬متزايدا‭ ‬بأن‭ ‬استمرار‭ ‬الوضع‭ ‬القائم‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يخدم‭ ‬الاستقرار‭ ‬الإقليمي،‭ ‬خصوصا‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬التحولات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬التي‭ ‬تعرفها‭ ‬منطقة‭ ‬الساحل‭ ‬وشمال‭ ‬إفريقيا‭. ‬ومن‭ ‬ثم،‭ ‬فإن‭ ‬مدريد‭ ‬يمكن‭ ‬اعتبارها‭ ‬مرحلة‭ ‬اختبار‭ ‬لمدى‭ ‬استعداد‭ ‬الأطراف‭ ‬للانتقال‭ ‬من‭ ‬الخطاب‭ ‬السياسي‭ ‬إلى‭ ‬التفاوض‭ ‬العملي‭ ‬حول‭ ‬تفاصيل‭ ‬الحل‭.‬
سياسيا،‭ ‬اختيار‭ ‬مدريد‭ ‬يحمل‭ ‬أيضا‭ ‬دلالة‭ ‬رمزية،‭ ‬باعتبارها‭ ‬محطة‭ ‬تاريخية‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬النزاع،‭ ‬مما‭ ‬يمنح‭ ‬هذه‭ ‬الجولة‭ ‬بعدا‭ ‬خاصا،‭ ‬ويجعلها‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬لقاء‭ ‬تقني‭ ‬عابر‭.‬

 

 كيف‭ ‬تقيم‭ ‬تفاعل‭ ‬المنتظم‭ ‬الدولي‭ ‬مع‭ ‬مضمون‭ ‬المبادرة‭ ‬المغربية؟
 المبادرة‭ ‬المغربية،‭ ‬منذ‭ ‬طرحها‭ ‬سنة‭ ‬2007،‭ ‬شهدت‭ ‬مسارا‭ ‬تصاعديا‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الدعم‭ ‬الدولي‭. ‬قرارات‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬المتعاقبة‭ ‬وصفتها‭ ‬بأنها‭ ‬"جدية‭ ‬وذات‭ ‬مصداقية‭ ‬وواقعية"،‭ ‬وهو‭ ‬توصيف‭ ‬سياسي‭ ‬له‭ ‬دلالته‭ ‬في‭ ‬لغة‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬الدولية‭. ‬هذا‭ ‬التوصيف‭ ‬يعكس‭ ‬تحولا‭ ‬تدريجيا‭ ‬في‭ ‬المقاربة‭ ‬الأممية،‭ ‬من‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬آلية‭ ‬الاستفتاء‭ ‬إلى‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬حل‭ ‬سياسي‭ ‬متوافق‭ ‬عليه‭.‬
كما‭ ‬أن‭ ‬عددا‭ ‬متزايدا‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬الفاعلة‭ ‬بات‭ ‬يعتبر‭ ‬أن‭ ‬الحكم‭ ‬الذاتي‭ ‬يمثل‭ ‬أرضية‭ ‬عملية‭ ‬لتجاوز‭ ‬حالة‭ ‬الانسداد،‭ ‬خاصة‭ ‬وأن‭ ‬التجارب‭ ‬السابقة‭ ‬أثبتت‭ ‬صعوبة‭ ‬تنزيل‭ ‬خيار‭ ‬الاستفتاء‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬القانونية‭ ‬والسياسية‭ ‬والديموغرافية‭.‬
هذا‭ ‬التفاعل‭ ‬الدولي‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬نهاية‭ ‬الخلاف،‭ ‬لكنه‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الكفة‭ ‬تميل‭ ‬نحو‭ ‬مقاربة‭ ‬واقعية‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬التوفيق‭ ‬بين‭ ‬مبدأ‭ ‬وحدة‭ ‬الدولة‭ ‬ومتطلبات‭ ‬التدبير‭ ‬الذاتي‭ ‬المحلي‭.‬
وأعتقد‭ ‬أن‭ ‬المرحلة‭ ‬المقبلة‭ ‬ستظل‭ ‬رهينة‭ ‬بمدى‭ ‬توفر‭ ‬الإرادة‭ ‬السياسية‭ ‬لدى‭ ‬الأطراف‭ ‬المعنية،‭ ‬وبقدرة‭ ‬الوساطة‭ ‬الدولية‭ ‬على‭ ‬تقريب‭ ‬وجهات‭ ‬النظر‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬المؤكد‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬النقاش‭ ‬الدولي‭ ‬بات‭ ‬يتجه‭ ‬نحو‭ ‬حلول‭ ‬واقعية‭ ‬وقابلة‭ ‬للتطبيق،‭ ‬بدل‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بالشعارات‭ ‬القانونية‭ ‬المجردة‭. ‬وإذا‭ ‬نجح‭ ‬مسار‭ ‬مدريد‭ ‬في‭ ‬ترسيخ‭ ‬مقاربة‭ ‬تقنية‭ ‬عملية،‭ ‬فقد‭ ‬نشهد‭ ‬انتقال‭ ‬الملف‭ ‬من‭ ‬حالة‭ ‬إدارة‭ ‬النزاع‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬بناء‭ ‬تسوية‭ ‬سياسية‭ ‬مستدامة‭.‬
‭ ‬
 ماذا‭ ‬عن‭ ‬التفاصيل‭ ‬الإجرائية،‭ ‬وهل‭ ‬تتوقع‭ ‬تفكيك‭ ‬بعثة‭ ‬المينورسو‭ ‬في‭ ‬الصحراء‭ ‬المغربية‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬المقبلة؟
 من‭ ‬الناحية‭ ‬الإجرائية،‭ ‬أي‭ ‬تقدم‭ ‬فعلي‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬الحكم‭ ‬الذاتي‭ ‬سيفرض‭ ‬المرور‭ ‬عبر‭ ‬مرحلة‭ ‬انتقالية‭ ‬دقيقة،‭ ‬تتطلب‭ ‬تحديد‭ ‬آليات‭ ‬نقل‭ ‬الاختصاصات،‭ ‬وضمانات‭ ‬دستورية،‭ ‬وإطارا‭ ‬قانونيا‭ ‬واضحا‭ ‬يحدد‭ ‬طبيعة‭ ‬المؤسسات‭ ‬الجهوية‭ ‬واختصاصاتها‭.‬
أما‭ ‬بخصوص‭ ‬بعثة‭ ‬المينورسو،‭ ‬فمن‭ ‬غير‭ ‬المرجح‭ ‬أن‭ ‬يتم‭ ‬تفكيكها‭ ‬بشكل‭ ‬فوري‭. ‬التجارب‭ ‬الدولية‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬بعثات‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬غالبا‭ ‬ما‭ ‬تمر‭ ‬بمرحلة‭ ‬إعادة‭ ‬تكييف‭ ‬للمهام‭ ‬بدل‭ ‬الإنهاء‭ ‬المباشر‭. ‬بمعنى‭ ‬أنها‭ ‬قد‭ ‬تتحول‭ ‬من‭ ‬آلية‭ ‬لمراقبة‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬إلى‭ ‬آلية‭ ‬مواكبة‭ ‬لتنفيذ‭ ‬الاتفاق‭ ‬السياسي،‭ ‬وتقديم‭ ‬الدعم‭ ‬التقني‭ ‬والمؤسساتي‭.‬
تفكيك‭ ‬البعثة‭ ‬سيبقى‭ ‬رهينا‭ ‬بتحقق‭ ‬تسوية‭ ‬نهائية‭ ‬مستقرة،‭ ‬وضمانات‭ ‬أمنية‭ ‬كافية‭ ‬على‭ ‬الأرض‭. ‬وبالتالي،‭ ‬نحن‭ ‬أمام‭ ‬احتمال‭ ‬إعادة‭ ‬تعريف‭ ‬الوظيفة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬إنهاء‭ ‬الوجود‭.‬

 

 ماهي‭ ‬التجارب‭ ‬المقارنة‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬الاستفادة‭ ‬منها‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق؟
 التجارب‭ ‬المقارنة‭ ‬تظهر‭ ‬أن‭ ‬الحكم‭ ‬الذاتي‭ ‬ليس‭ ‬نموذجا‭ ‬واحدا،‭ ‬بل‭ ‬صيغة‭ ‬مرنة‭ ‬تتكيف‭ ‬مع‭ ‬الخصوصيات‭ ‬التاريخية‭ ‬والسياسية‭ ‬لكل‭ ‬بلد‭. ‬في‭ ‬أوروبا،‭ ‬نجد‭ ‬نماذج‭ ‬واسعة‭ ‬الصلاحيات‭ ‬مثل‭ ‬كاتالونيا‭ ‬والباسك‭ ‬داخل‭ ‬إسبانيا،‭ ‬وجنوب‭ ‬تيرول‭ ‬في‭ ‬إيطاليا،‭ ‬وغرينلاند‭ ‬ضمن‭ ‬مملكة‭ ‬الدنمارك‭.‬
القاسم‭ ‬المشترك‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬النماذج‭ ‬هو‭ ‬منح‭ ‬الجهة‭ ‬المعنية‭ ‬صلاحيات‭ ‬تشريعية‭ ‬وتنفيذية‭ ‬واسعة‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬الثقافة،‭ ‬التعليم،‭ ‬والتنمية‭ ‬المحلية،‭ ‬مع‭ ‬احتفاظ‭ ‬الدولة‭ ‬المركزية‭ ‬باختصاصات‭ ‬السيادة‭ ‬كالجيش‭ ‬والعلاقات‭ ‬الخارجية‭ ‬والعملة‭.‬
المبادرة‭ ‬المغربية‭ ‬تنسجم‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬المنطق،‭ ‬إذ‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬توزيع‭ ‬متوازن‭ ‬للاختصاصات،‭ ‬يضمن‭ ‬تدبيرا‭ ‬ذاتيا‭ ‬فعليا،‭ ‬دون‭ ‬المساس‭ ‬بوحدة‭ ‬الدولة‭ ‬وسيادتها‭.‬
هناك‭ ‬عدة‭ ‬مستويات‭ ‬يمكن‭ ‬الاستفادة‭ ‬منها:

أولا،‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الهندسة‭ ‬الدستورية،‭ ‬يمكن‭ ‬اعتماد‭ ‬آليات‭ ‬دقيقة‭ ‬لتوزيع‭ ‬الصلاحيات،‭ ‬تمنع‭ ‬التداخل‭ ‬وتقلل‭ ‬من‭ ‬احتمالات‭ ‬النزاع‭ ‬المؤسساتي‭ ‬بين‭ ‬المركز‭ ‬والجهة‭.‬

ثانيا،‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الحكامة‭ ‬المالية،‭ ‬التجارب‭ ‬المقارنة‭ ‬تبرز‭ ‬أهمية‭ ‬تمكين‭ ‬الجهة‭ ‬من‭ ‬موارد‭ ‬مالية‭ ‬مستقلة‭ ‬وواضحة،‭ ‬مع‭ ‬آليات‭ ‬تضامن‭ ‬وطني‭ ‬تضمن‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬الجهات‭.‬

ثالثا،‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬إدارة‭ ‬التنوع‭ ‬الثقافي،‭ ‬يمكن‭ ‬تعزيز‭ ‬آليات‭ ‬حماية‭ ‬الخصوصية‭ ‬الثقافية‭ ‬واللغوية‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬وطني‭ ‬جامع،‭ ‬بما‭ ‬يعزز‭ ‬الإحساس‭ ‬بالانتماء‭ ‬ويحد‭ ‬من‭ ‬النزعات‭ ‬الراديكالية‭.‬

رابعا،‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬تدبير‭ ‬المرحلة‭ ‬الانتقالية،‭ ‬يمكن‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬نماذج‭ ‬المصالحة‭ ‬وبناء‭ ‬الثقة‭ ‬التي‭ ‬اعتمدت‭ ‬في‭ ‬تجارب‭ ‬أخرى،‭ ‬لضمان‭ ‬انخراط‭ ‬واسع‭ ‬للسكان‭ ‬المحليين‭ ‬في‭ ‬المؤسسات‭ ‬الجديدة‭.‬