mardi 17 février 2026
كتاب الرأي

عبد الرفيع حمضي: "الباركينغ".. حل فردي لخلل جماعي

عبد الرفيع حمضي: "الباركينغ".. حل فردي لخلل جماعي عبد الرفيع حمضي

قبل ايام، حكى لي صديق، اطار باحدى المؤسسات العمومية بالرباط، عن “وقفة احتجاجية” شارك فيها مع عشرات من زميلاته وزملائه. وحين سمعت كلمة “وقفة”، اشتغل في ذهني قاموس الوظيفة العمومية تلقائيا: الترقية، التعيينات، الاقتطاعات، التعويضات، المناخ الاجتماعي، وتجبر بعض المدراء. قلت في نفسي: ملف مطلبي جديد، والاسباب معروفة.
لكن الرجل ابتسم وكأنه يختبر قدرتي على التصديق، وقال: “لا. نحن نحتج لاننا لم نعد نجد اين نركن سياراتنا. لا مكان. ولا حل. وعلى الادارة ان تتحمل مسؤوليتها”.
توقفت لحظة. ليس لان المطلب يبدو بسيطا ،بل لان رمزيته ثقيلة. فان تصل الاحتجاجات الى “الباركينغ”، فذلك يعني ان المدينة بدأت تتكلم لغة اخرى .لغة التفاصيل التي كانت تبدو صغيرة، قبل ان تتحول الى اختناق يومي. فنحن لا نتحدث عن مساحة اسفلت، بل عن معنى المدينة، وعن علاقة الفرد بالمؤسسات، وعن ثمن الزمن المهدور، وعن انتقال الاحتقان من السياسة الكبرى الى تفاصيل العيش اليومي.
ساعتها مر بخاطري سؤال عبثي .
هل كانت منظمة العمل الدولية، وهي تؤسس سنة 1919 لمنطق العدالة الاجتماعية في العمل، تتخيل ان يأتي يوم يصبح فيه موقف السيارة احد عناوين الاحتجاج؟
للتأكيد فالأمر  يحدث في الرباط تحديدا… مدينة الانوار التي تعرف منذ سنوات تحولا عمرانيا رفيع المستوى ،ترامواي، تهيئة، اوراش، حافلات ،واجهات جديدة، وشبكة مواقف منظمة مقارنة بمدن اخرى. ومع ذلك، بدأت الرباط، مثل كل مدينة تتجه نحو شكل العاصمة الكبرى، تعيش مشاكل باريس ولندن وامستردام .من اختناق المرور، إلى صعوبة الركن، فالوصول الى وسط المدينة يحتاج الى معركة يومية. وهنا بالضبط نفهم ان التمدن لا يعني الجمال فقط، بل يعني ايضا ضغطا متزايدا على البنيات التحتية، وعلى قدرة المدينة على تنظيم نفسها.
ومع ذلك لا يمكن فهم هذه الوقفة دون التوقف عند حقيقة بسيطة.فعدد السيارات في المغرب يتزايد بشكل لافت. ووفقا لمعطيات المنظمة الدولية لمصنعي السيارات (OICA)،  فالمغرب جاء  في المرتبة الرابعة افريقيا بمعدل 112 سيارة لكل 1000 شخص. تسبقه ليبيا التي تتصدر القارة بمعدل 490 سيارة ثم جنوب افريقيا بـ 176 سيارة، والجزائر بـ 144 سيارة. كما ان عدد المركبات بالمغرب تجاوز 4.5 مليون سيارة سنة 2024.
هذه الارقام ليست مجرد احصائيات تقنية. انها مؤشرات على تحول اجتماعي . فالسيارة لم تعد امتيازا فئويا  محدودا، بل اصبحت جزءا من نمط عيش يتوسع بسرعة. وهنا يطرح السؤال نفسه بقوة: لماذا اصبحت السيارة اولوية عندنا قبل السكن حتى؟
جزء من الجواب مرتبط بالواقع .صعوبة التنقل، ضغط الزمن، ضعف الراحة داخل النقل العمومي في بعض المسارات، وتراجع الاحساس بالكرامة في التجربة اليومية. السيارة هنا ليست رفاهية، بل حل فردي لمشكلة عمومية. لكن هناك ايضا بعدا اخر اكثر حساسية لكون السيارة تحولت الى رسالة اجتماعية. ومن هنا نفهم لماذا تشتد الرغبة فيها حتى عندما تكون غير عقلانية اقتصاديا، لان المجتمع لا يحاسب الناس دائما على توازنهم المالي، بل يحاسبهم على صورتهم.
ثم هناك بعد ثالث يفسر إقبال النساء على السيارات الخاصة . فالمسالة لا تتعلق فقط بالراحة، بل بالامن. المرأة في المدينة لا تبحث عن وسيلة نقل فحسب، بل عن مساحة تحميها من الانتظار الطويل، ومن الاكتظاظ، ومن هشاشة الفضاء العام. فالسيارة تصبح منطقة امان متنقلة، ولو بثمن مرتفع.
وليس هذا المشهد جديدا تماما على المدن المغربية، حتى وان تغيرت واجهته. فمن يتذكر السنوات الاخيرة يعرف ان “معركة الباركينغ” كانت حاضرة بقوة في الحياة اليومية، ولكن بشكل اخر: حراس السيارات، او ما سماه البعض “اصحاب الجيلي الاصفر”. هؤلاء لم يكونوا مجرد افراد يبحثون عن رزق، بل تحول بعضهم في عدد من الاحياء الى سلطة غير مكتوبة، تفرض قانونها الخاص على الشارع، وتعيد تعريف الفضاء العام بمنطق “الاتاوة” بدل الخدمة.
اليوم، تعود المعركة بصيغة اخرى: موظفون يحتجون. ومؤسسات تتفرج. ومدينة تتوسع. وسيارات تتكاثر. ووسط حضري يصبح الدخول اليه اختبارا يوميا للصبر والاعصاب.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي اكبر من “اين سنركن سياراتنا؟”. انه سؤال المدينة نفسها: اي مدينة نريد؟ ولمن؟ وباي منطق: منطق السيارة ام منطق الانسان؟
لان المدينة التي لا تشرك سكانها في حل مشاكلها، ستجد نفسها دائما امام احتجاجات تبدو صغيرة… لكنها تكشف ازمة اكبر.