mardi 17 février 2026
كتاب الرأي

زهير حميدوش: تحكيم أم تبرير؟.. إنزياح المفهوم في خطاب الوزير

زهير حميدوش: تحكيم أم تبرير؟.. إنزياح المفهوم في خطاب الوزير زهير حميدوش

حين يصرّح وزير العدل بأن تدخل رئيس الحكومة لرأب الصدع بينه وبين هيئات المحامين يندرج ضمن اختصاصاته الدستورية باعتباره يمارس " التحكيم"، فإننا لا نكون أمام زلة لغوية عابرة أو استعارة بريئة، بل أمام انزلاق مفاهيمي مقصود، يؤدي وظيفة سياسية دفاعية أكثر مما يعكس توصيفا دستوريا دقيقا. إنه خطاب يتجاوز الوصف إلى التبرير، ويستعمل اللغة الدستورية كأداة لترميم صورة اهتزت تحت ضغط أزمة مهنية وسياسية غير محسوبة.

فالتحكيم، في النظرية الدستورية الكلاسيكية، ليس وظيفة عرضية، بل مفهوم دستوري يرتبط برأس الدولة بوصفه حكما بين السلطات وضامنا لاستمرارية المؤسسات. والدستور المغربي واضح في هذا الصدد، إذ ينيط بالملك مسؤولية السهر على احترام الدستور وضمان السير العادي للمؤسسات. أما رئيس الحكومة، فموقعه الدستوري محدد وواضح: قيادة عمل الحكومة، وتنظيم أشغالها ورئاسة مجلسها، والسهر على تنسيق وتوجيه أعمالها، وتتبع أنشطة أعضائها. سلطته سياسية داخل الحكومة، لا تحكيمية فوقها.

من هذا المنظور، فإن توصيف تدخل رئيس الحكومة في نزاع بين وزير من حكومته وهيئات مهنية مستقلة بوصفه " تحكيما" لا يعدو أن يكون ترقية خطابية لفعل إلى مستوى سيادي رمزي.  إنها عملية تزوير رمزي للواقع عبر اللغة، حيث تتحول السياسة إلى دستور، والتدبير إلى تحكيم، والأزمة إلى لحظة سيادة مصغرة. بهذا المعنى، يبدو الخطاب أقرب إلى تمرين نفسي في تنفيس إحراج سياسي ومحاولة صريحة لحفظ ماء الوجه عبر استدعاء مفاهيم ذات "هيبة" دستورية عالية.

المفارقة البنيوية هنا صارخة: كيف يكون رئيس الحكومة حكما بين وزير ضمن حكومته وهيئات مهنية مستقلة، بينما هو نفسه جزء من الحكومة التي أنتجت الأزمة؟ التحكيم يفترض مسافة مؤسساتية وحيادا بنيويا، في حين أن علاقة رئيس الحكومة بوزرائه هي علاقة "رئاسية" داخل نفس البنية. نحن أمام طرف يعلن نفسه حكما على ذاته، ويستعير لغة الحياد لتغطية موقعه، وهي إحدى أقدم تقنيات السلطة: ادعاء الحياد من داخل مركزه المؤسسي نفسه.

غير أن هذا الانزلاق ليس عرضيا، إنه جزء من تقنية سياسية في إنتاج الشرعية. حين يتعثر الفعل السياسي، تتقدم اللغة لتعويضه، وحين تتآكل الشرعية السياسية، تُستدعى المفاهيم الدستورية لترميمها. يصبح الدستور هنا ليس معيارا لضبط السلطة، بل ذخيرة بلاغية لتجميلها. ويغدو التحكيم كلمة سحرية تُستعمل لتخفيف وطأة النقد وإعادة تموضع الفاعل في موقع السيادة الرمزية.

الأدهى أن هذا التوسيع الخطابي لمفهوم التحكيم يفضي إلى تمييع الحدود بين ما هو سيادي وما هو حكومي، وبين ما هو دستوري وما هو سياسي ظرفي. فإذا صار كل تدخل تنفيذي تحكيما، فقد المفهوم قيمته التحليلية وتحول إلى ملصق لغوي لتكريس الهيمنة الخطابية للسلطة التنفيذية، بل إلى آلية دفاع ذاتي تقنع الجمهور أكثر مما تفسر الواقع.

إن الدقة المفاهيمية ليست ترفا أكاديميا، بل شرطا من شروط الدولة الدستورية. فالانزلاق في اللغة هو انزلاق في المعنى، والانزلاق في المعنى يفضي إلى انزلاق في تصور السلطة وحدودها. وعندما تُستعمل المفاهيم الدستورية كأدوات تبرير، فإن الدستور نفسه يُختزل إلى بلاغة سلطة، وتفقد اللغة وظيفتها النقدية لتصبح جهازا لإنتاج الشرعية.

بهذا المعنى، ليست مسألة "تحكيم رئيس الحكومة" مجرد تفصيل لغوي، بل مؤشر على كيفية تداول اللغة الدستورية في الخطاب السياسي المغربي: لغة تُستدعى لتزيين التدبير لا لضبطه، لتكريس الشرعية لا لمساءلتها، ولتنفيس الضغط السياسي لا لتفسيره.

وحين تصبح المفاهيم آخر ملاذ لحفظ ماء الوجه، نكون أمام سياسة بلا سياسة، وسلطة بلا مضمون، ودستور بلا وظيفة سوى البلاغة، لحظة يصبح فيها الدستور خطابا، والخطاب سياسة، والسياسة مجرد بلاغة سلطة.