mercredi 18 février 2026
كتاب الرأي

طالع السعود الأطلسي: مجلس الأمن "يوصل" الجزائر.. الصحراء المغربية

طالع السعود الأطلسي: مجلس الأمن "يوصل" الجزائر.. الصحراء المغربية طالع السعود الأطلسي

الاجتماع في السفارة الأمريكية بمدريد، حول نزاع الصحراء المغربية، رغم أنه كان "مكتوم الصوت"، وَوُصف بأنه سِرِّي، أعلن عن انطلاق المسار العملي لدفع قرار مجلس الأمن 2797 نحو التناول الاجرائي لمقتضياته... ولتلك الأهمية، صاحبَ الاجتماع ترقبٌ إعلامي وديبلوماسي كثيف وواسع، ولتغذيته أطلقت تسريبات، تواترَت حتى أضحت شبه مؤكدة.

 

اجتماع، وليس مجرَّد لقاء، ثبَّت الاشراف الفعلي للإدارة الأمريكية على المسار العملي نحو حل النزاع... الاشراف التدبيري بحمولته السياسية، امتدادٌ للتأهب الأمريكي لحل النزاع... كما بدا واضحا في الاعتراف بمغربية الصحراء وتحمُّل مسؤولية القلم في صياغة القرار الأممي...

 

حسم الاجتماع في العضوية الرُّبَاعية لأطراف مائدة مُحادثات الحلّ، والمحددة في المغرب، الجزائر، موريتانيا، دولا ممثلة بوزراء خارجيتها، وممثل عن البوليساريو... تمَّ القطع مع محاولات اختزال العضوية في طرفيْن، والتملُّصُ من المسؤولية المباشرة في النزاع، في حالة الجزائر...

 

الجزائر تتحمَّل مسؤوليتها، تجلس في موقع الطرف حول مائدة تدبير الذّهاب إلى حل النزاع، في اتجاه إنزال الحكم الذاتي للأقاليم الصحراوية المغربية، كما نص على ذلك قرار مجلس الأمن ليوم 31 أكتوبر الماضي... والأهمّ، أنها، بتلك المشاركة، ستكون شريكا في حلٍّ بطعم الفاعل.

 

موقع إعلامي جزائري، نقلا عن مصدرٍ "رسمي"، أوضح بأن الجزائر شاركت في اللقاء بصفة مُراقب وليْس كطرف... توضيحٌ لا يوَضِّح شيئا... لأن الاجتماع تم حول مائدة مُستديرة، وفي المستوى الراهن، المتحلقون حولها كلُّهم أطراف... بينما، المراقبُ يتابع المفاوضات من خارجها ولا يتدخل برأيه في جريانها... والجزائر شاركت في الاجتماع وكان لها تدخُّلٌ فيه...

 

الجزائر، سبق لها وأن أعلنت رفْضَها لقرار مجلس الأمن، وقالت بأنها لن تُشارك في المفاوضات التي يفرضها... يُحسب لقيادة الجزائر أنها أعادَت النظر في رفضها... وقرّرت أن تكون إيجابية، وأن تعيد قراءة قرار مجلس الأمن من شبكة مفاهيم مغايرة لما دأبت عليه...

 

الانتقال من موقع الرافض للقرار الأممي وللتوجه الدولي نحو التسوية، إلى موقع المتفاعل مع القرار والمشارك في محادثات تنزيله، ليس أمرًا هيِّنًا نفسيا وبالأحرى سياسيا... وفي مثل هذا الموقف، تُمتحن قدرات القيادة على تهوين الصعاب وعلى الإقدام، بالخروج من منطلقات سيَّجت بها سياساتها لنصف قرن... ويُسجَّل للرئيس عبد المجيد تبون أنّه فعل ذلك مُعليا مصلحة الجزائر...

 

لا يضرُّ أن تُسمِّيَ الجزائر مشاركتها في "محادثات مدريد" بما يهوِّن عليها وضعها... لأن المشاركة تلك ليست مجرد مشاركة... إنها مقدمة لتحوُّلٍ جذري في مُقاربات الجزائر لعلاقتها مع المغرب، لعقيدة سياسية بَنت عليها نظامَها، والطرح الانفصالي هو مُجرد أداة فيها وأحد إفرازاتها، ومؤداها تأمين "زعامتها" في شمال إفريقيا، عبر التضييق على المغرب وتقزيمه وإزعاجه، بكل الوسائل، من بينها إنْبات دوَيْلَة انْفصالية في جنوبه، تحدُّ من امتداده الجغرافي مع إفريقيا...

 

المشاركة في مُحادثات لطمر المشروع الانْفصالي، ولتمكين الأقاليم الصحراوية، موضوع النزاع، من حكم ذاتي تحت السيادة المغربية، تحوُّل نوعي واستراتيجي في السياسة الجزائرية، يحتاج إلى مُسَهِّلات لهضمه داخليا، وإلى تدرُّج في ممارسته، وإلى تفهُّم دولي لما قد يبدو فيه من تردُّد أو من "تلعثُّم" في التصريح به... والمغرب، المعني الأول بكسب الجزائر إلى مستقبل علاقات مَعها، مُثمر ومُفيد للبلديْن وللشعبيْن... هو أول المتفَهِّمين وأول غير المستعجلين في أن يرى الجزائرَ حيث يجدر بها أن تكون، فاعلة مغاربيا وإفريقيا في اتجاه تأمين السلم، وتوطيد التعاون، وتعزيز التنافع بين دول المنطقة...

 

تصرَّفَ المغرب بحكمة تليق بفخامة دولة... الملك محمد السادس لم يتْعَب ولم يتوقف، من توجيه نداءات التفاعل الأخوي للجزائر ودعوتها إلى الحوار المفتوح وحول ما تراه هي... وتلك سياسة ملكية راسخة وصادقة، تمزِج بين الحاجة الموضوعية لذلك التعاون (للمواجهة المشتركة للتحديات التنموية) وبين استحضار قيم تاريخ كفاح وطني مشترك، يوصي بالوفاء له، احتراما للأخوة وصوْنا لأواصر الجوار...

 

تلك السياسة نجد تقيدا بها صارما، في مُجمل التصريحات الحكومية بخصوص الجزائر... في كل ما يتصل بالسياسة الخارجية وفي المحافل الدولية، لا إثارة لنزاع الجزائر مع المغرب، ولا ردّ على الحملة الإعلامية الكثيفة ضد المغرب، وملك المغرب خاصة، في الإعلام الجزائري الرسمي، من القناة التلفزية الأولى إلى الجرائد والمواقع، باختلاقات مكشوفة وبشحنة تهويل وتحريض عجائبية... كل ذلك يتجاهله الإعلام المغربي العمومي، ومعه الصحف والمواقع المصنّفة... كأن المغرب يقول، الموضوع اليوم هو قرار مجلس الأمن ولا موضوع غيره، وممنوع الانسياق مع توجيه النظر نحو ملاسنات أو مشاحنات ترمي إلى حرف التركيز على المطلوب حاليا ودوليا...

 

حل النزاع وعبر مقترح الحكم الذاتي، هو اليوم قرار دولي وحازم، وجاوز كونه مطلبا مغربيا... واليوم، الجزائر هي أمام ذلك القرار الدولي... والمغرب لا ينجرُّ إلى ما يشوش على الانكباب الدولي لتزيل القرار الأممي...

 

المغرب اعتمد سياسة "تشحيم" مَسار الحل، المطلوب دوليا، بالتعبير عن استعداده لفك العقدة الأساس في النزاع، وهي الانسداد الساخن للعلاقات الجزائرية المغربية... ومن ذلك الاستعداد، ما صدر عن الملك محمد السادس من نداءات لتفعيل الأخوّة بين البلدين، ومن حرصه الدائم على أن يحل النزاع عبر بوابة "لا غالب ولا مغلوب"، وأن المغرب لا يسعى إلى هزيمة الجزائر... يسعى إلى أن تكون شريكا فاعلا في الحل وفاعلا في بناء مستقبل مثمر مع المغرب، وتكون فيه المنتصر على تحدياتها التنموية بقوة التفاعل والتعاون الجزائري المغربي...

 

كل القضايا موضوع اتفاقات في سبعينيات القرن الماضي، بين المغرب والجزائر، لا يثيرها المغرب، من نوع استغلال حديد غار جبيلات، يتجاهلها المغرب، ويمنع نفسه من فتح ملفاتها، ملتزما بتركها إلى مستقبل التفاهم والتعاون بين البلدين... كما هو مرجو...

 

المحصلة اليوم أن الجزائر، قررت الخطوة الأولى، والأهم، في طريق حل النزاع حول الصحراء المغربية، وهي الخطوة نفسها التي قد تؤدي إلى فتح مسلك نوعي، سلمي وأخوي، بينها وبين المغرب... لقد اقتنعت بأن لا سبيل أمامها غير ذلك... تراكبَ في ذلك "الاقتناع" أوضاع الجزائر الداخلية (ما تفرضه من مراجعات للسياسات المتبعة)، اعتبار مصلحتها في الحفاظ على علاقاتها مع الإدارة الأمريكية، الزخم الديبلوماسي العالمي (والأوروبي خاصة) المنحاز للمسعى السلمي المغربي... هذه وغيرها... والمهم أنها تحاول الخروج من الموقع الذي أرست عليه نظامها... ومتفهَّم أنها تغالب نفسها في ذلك الخروج... وتحتاج إلى تفهم لما يبدو ترددا لها، ومن تلفيف سياسي وإعلامي للتحول النوعي الذي بدأته... إنها، يا سادة، ستقتحم مجالا جغرافيا وسياسيا عادته لنصف قرن، وهو الصحراء المغربية...

 

اجتماع مدريد، وقد تم بالعضوية الكاملة فيه، واطَّلع في قراءة رسمية، على الوثيقة المفصلة لمقترح الحكم الذاتي، التي تقدم بها المغرب، وكانت الوحيدة، ما جعلها المرجع الوحيد موضوع المفاوضات وبها لن تكون الحلقات المقبلة من هذه المفاوضات إلا تدقيقا فيها، واجتهادات في إقراراها... يكون اجتماع مدريد إذن، قد أنجز الأهم من المتوقع منه أو المرجو فيه، إن في عزم الأمريكي أو في أمل الأمم المتحدة، أو في التجاوب الدولي مع المسعى المغربي صاحب المنطلق الإيجابي، العادل، الدائم والسلمي لنزاع طال، وبات مزعجا إلى حد أن الإرادة الدولية انتفضت لفَقْع الدُّمَل من أجل اجتثاث جذوره، بوصفة "الحكم الذاتي" الواقعية والتاريخية...

 

مسار حل النزاع من محطة "مدريد"، شحن محركه بطاقة الحركة وبقوة "سرعة الانطلاق"، نحو موعد أبريل المقبل في نيويورك لتقويم محصلة الاعدادات للامتثال للقرار 2797 الأممي... الإدارة الأمريكية مصممة على التقيد بخطاطة المضي إلى الحل، كما سبق وأعلنتها، في الخريف الماضي.

 

الحماس الأمريكي والأوروبي لتحريك أجندة تنزيل قرار مجلس الأمن، يُضيِّق على المناورات المحتملة لقضم القرار الدولي أو تمييع مفاوضات تنزيله أو الالتفاف عليه بخلق انزياحات للنزاع أو تصعيد فيه.

 

الإرادة الدولية حازمة، وتعلن أنها حاسمة في الوصول بالنزاع حول الصحراء المغربية نحو الحل الواقعي والتاريخي.