محمد الطيار، رئيس المرصد الوطني للدراسات الاستراتيجية
يرى د. محمد الطيار، رئيس المرصد الوطني للدراسات الاستراتيجية، أن محطة مدريد تشكل تحولا نوعيا في مسار تدبير ملف الصحراء المغربية، لأنها تعكس انتقالا من منطق تدبير الجمود السياسي إلى منطق استكشاف الحلول الواقعية. مضيفا بأن المؤشرات المتوفرة بدأت تلامس الجوانب التقنية والمؤسساتية المرتبطة بكيفية تنزيل مقترح الحكم الذاتي، كما أن هذا المسار يعكس وعيا دوليا متزايدا بأن استمرار الوضع القائم لم يعد يخدم الاستقرار الإقليمي، في ظل التحولات الجيوسياسية التي تعرفها منطقة الساحل وشمال إفريقيا..
كيف تتابع مسار انطلاق المفاوضات في مدريد حول الحكم الذاتي في الصحراء المغربية؟
يمكن القول إن محطة مدريد تشكل تحولا نوعيا في مسار تدبير هذا النزاع الإقليمي، لأنها تعكس انتقالا من منطق تدبير الجمود السياسي إلى منطق استكشاف الحلول الواقعية. فطبيعة النقاشات الجارية، بحسب المؤشرات المتوفرة، لم تعد محصورة في تكرار المرجعيات التقليدية، فقد بدأت تلامس الجوانب التقنية والمؤسساتية المرتبطة بكيفية تنزيل مقترح الحكم الذاتي.
كما أن هذا المسار يعكس وعيا دوليا متزايدا بأن استمرار الوضع القائم لم يعد يخدم الاستقرار الإقليمي، خصوصا في ظل التحولات الجيوسياسية التي تعرفها منطقة الساحل وشمال إفريقيا. ومن ثم، فإن مدريد يمكن اعتبارها مرحلة اختبار لمدى استعداد الأطراف للانتقال من الخطاب السياسي إلى التفاوض العملي حول تفاصيل الحل.
سياسيا، اختيار مدريد يحمل أيضا دلالة رمزية، باعتبارها محطة تاريخية في سياق النزاع، مما يمنح هذه الجولة بعدا خاصا، ويجعلها أكثر من مجرد لقاء تقني عابر.
كيف تقيم تفاعل المنتظم الدولي مع مضمون المبادرة المغربية؟
المبادرة المغربية، منذ طرحها سنة 2007، شهدت مسارا تصاعديا من حيث الدعم الدولي. قرارات مجلس الأمن المتعاقبة وصفتها بأنها "جدية وذات مصداقية وواقعية"، وهو توصيف سياسي له دلالته في لغة الدبلوماسية الدولية. هذا التوصيف يعكس تحولا تدريجيا في المقاربة الأممية، من التركيز على آلية الاستفتاء إلى البحث عن حل سياسي متوافق عليه.
كما أن عددا متزايدا من الدول الفاعلة بات يعتبر أن الحكم الذاتي يمثل أرضية عملية لتجاوز حالة الانسداد، خاصة وأن التجارب السابقة أثبتت صعوبة تنزيل خيار الاستفتاء من الناحية القانونية والسياسية والديموغرافية.
هذا التفاعل الدولي لا يعني نهاية الخلاف، لكنه يشير إلى أن الكفة تميل نحو مقاربة واقعية تقوم على التوفيق بين مبدأ وحدة الدولة ومتطلبات التدبير الذاتي المحلي.
وأعتقد أن المرحلة المقبلة ستظل رهينة بمدى توفر الإرادة السياسية لدى الأطراف المعنية، وبقدرة الوساطة الدولية على تقريب وجهات النظر. غير أن المؤكد هو أن النقاش الدولي بات يتجه نحو حلول واقعية وقابلة للتطبيق، بدل الاكتفاء بالشعارات القانونية المجردة. وإذا نجح مسار مدريد في ترسيخ مقاربة تقنية عملية، فقد نشهد انتقال الملف من حالة إدارة النزاع إلى مرحلة بناء تسوية سياسية مستدامة.
ماذا عن التفاصيل الإجرائية، وهل تتوقع تفكيك بعثة المينورسو في الصحراء المغربية في المرحلة المقبلة؟
من الناحية الإجرائية، أي تقدم فعلي في مسار الحكم الذاتي سيفرض المرور عبر مرحلة انتقالية دقيقة، تتطلب تحديد آليات نقل الاختصاصات، وضمانات دستورية، وإطارا قانونيا واضحا يحدد طبيعة المؤسسات الجهوية واختصاصاتها.
أما بخصوص بعثة المينورسو، فمن غير المرجح أن يتم تفكيكها بشكل فوري. التجارب الدولية تشير إلى أن بعثات الأمم المتحدة غالبا ما تمر بمرحلة إعادة تكييف للمهام بدل الإنهاء المباشر. بمعنى أنها قد تتحول من آلية لمراقبة وقف إطلاق النار إلى آلية مواكبة لتنفيذ الاتفاق السياسي، وتقديم الدعم التقني والمؤسساتي.
تفكيك البعثة سيبقى رهينا بتحقق تسوية نهائية مستقرة، وضمانات أمنية كافية على الأرض. وبالتالي، نحن أمام احتمال إعادة تعريف الوظيفة أكثر من إنهاء الوجود.
ماهي التجارب المقارنة التي يمكن الاستفادة منها في هذا السياق؟
التجارب المقارنة تظهر أن الحكم الذاتي ليس نموذجا واحدا، بل صيغة مرنة تتكيف مع الخصوصيات التاريخية والسياسية لكل بلد. في أوروبا، نجد نماذج واسعة الصلاحيات مثل كاتالونيا والباسك داخل إسبانيا، وجنوب تيرول في إيطاليا، وغرينلاند ضمن مملكة الدنمارك.
القاسم المشترك بين هذه النماذج هو منح الجهة المعنية صلاحيات تشريعية وتنفيذية واسعة في مجالات الاقتصاد، الثقافة، التعليم، والتنمية المحلية، مع احتفاظ الدولة المركزية باختصاصات السيادة كالجيش والعلاقات الخارجية والعملة.
المبادرة المغربية تنسجم مع هذا المنطق، إذ تقوم على توزيع متوازن للاختصاصات، يضمن تدبيرا ذاتيا فعليا، دون المساس بوحدة الدولة وسيادتها.
هناك عدة مستويات يمكن الاستفادة منها:
أولا، من حيث الهندسة الدستورية، يمكن اعتماد آليات دقيقة لتوزيع الصلاحيات، تمنع التداخل وتقلل من احتمالات النزاع المؤسساتي بين المركز والجهة.
ثانيا، من حيث الحكامة المالية، التجارب المقارنة تبرز أهمية تمكين الجهة من موارد مالية مستقلة وواضحة، مع آليات تضامن وطني تضمن التوازن بين الجهات.
ثالثا، من حيث إدارة التنوع الثقافي، يمكن تعزيز آليات حماية الخصوصية الثقافية واللغوية في إطار وطني جامع، بما يعزز الإحساس بالانتماء ويحد من النزعات الراديكالية.
رابعا، من حيث تدبير المرحلة الانتقالية، يمكن الاستفادة من نماذج المصالحة وبناء الثقة التي اعتمدت في تجارب أخرى، لضمان انخراط واسع للسكان المحليين في المؤسسات الجديدة.