jeudi 19 février 2026
كتاب الرأي

منير لكماني: تيريرا تيريرا

منير لكماني: تيريرا تيريرا منير لكماني

تسبق رائحة الحريرة موعدها كأنها رسالة خفيفة تصل قبل صاحبها. ما إن تنتشر حتى يهدأ البيت ويستقيم مزاجه، فتتغير حركة اليوم من غير اتفاق. عندها يكبر شأن المطبخ، فلا يبقى ركنا لإعداد الطعام فقط، بل يصير مكانا يلتقي فيه الحديث بالصمت، ويختلط فيه الإنتظار بالضحك. وتأتي طمأنينة واضحة حين يدرك المرء أن الوجوه ستجتمع بعد قليل حول برمة واحدة.

 

كف التحضير

يبدأ التحضير على مهل. قزبور يقطع، ومعدنوس يفرم، وكرافس ينظف ويجهز، وكل شيء يوضع في صحنه كأنه مرتب لأجل ضيف. يحرر الحمص من قشرته بالحك، حتى تخف خشونته وتصفو حباته، ثم يغسل جيدا. تبدو هذه التفاصيل صغيرة لمن يراها من بعيد، لكنها في الحريرة أساس الطعم. من عاشها يعرف أن العجلة تظهر في النتيجة، لذلك يفضل التمهل ولو كان الوقت ضيقا.

 

أساس المرق

الحريرة تشتهى قبل أن تذاق حين يكون المرق مبنيا على صبر لا على استعجال. نار رفيقة، وغليان هادئ، ويد تعرف متى تترك البرمة تستوي وحدها. وسط هذا التدبير تدخل عظام العجل مبكرا، فتمنح البرمة ما لا تعطيه القطع الطرية وحدها: عمقا يثبت في اللون، وامتلاء يرسخ في الطعم. ومع الوقت يلين المرق ويغتني، وتستقر رائحته، وتظهر لمعة سمن خفيفة لا تزاحم النكهة بل تكملها. وحين توشك البرمة أن تفرغ، لا تكون النهاية عادية: تبقى نقطة معلقة على جدارها، أثخن وأغنى، كأنها خلاصة ما دار فيها. عند تلك النقطة يسكت الكلام، ويتسابقون على لحسها، لأنها ليست بقايا، بل الجائزة التي لا تظهر إلا عندما تبلغ الحريرة تمامها.

 

توقيع التوابل

ثم تأتي التوابل، وهي لحظة لا يتهاون فيها من يريد طعما مضبوطا. رأس الحانوت والإبزار حين يطحنان طريا تختلف رائحتهما عن الجاهز. يشتغل الهاون أو الطاحونة، والصوت مألوف، واليد تعرف ماذا تفعل. لا ميزان دقيق هنا، لكن توجد خبرة بيتية: رشة تدفئ، ورشة توازن. التوابل ليست زينة، بل هي التي تعطي الحريرة شخصيتها. قد يستعمل بيتان المكونات نفسها، ومع ذلك يختلف الطعم بسبب هذه اللحظة بالذات.

 

رفق النار

يذوب السمن في قاع القدر، ثم تضاف البصلة، ثم اللحم، ثم العظام. النار تبقى هادئة، لأن الحريرة لا تحب الإرتباك. تقليب ببطء، وانتظار حتى تتغير الرائحة وتستقر. بعدها تأتي باقي الإضافات: طماطم، حمص، عدس، كرافس، قزبور، معدنوس. كل شيء يدخل في وقته، لأن الترتيب يحدث فرقا، حتى لو لم يفسره أحد بالكلام.

 

دوران القوام

ثم تأتي لحظة التدوير. يذاب الطحين في الماء حتى يصير سائلا ناعما، ثم يضاف إلى القدر تدريجيا. هنا تتجه الأنظار إلى اليد التي تدور. الحركة مستمرة من غير توقف مفاجئ، لأن أي تسرع يترك كويرات صغيرة لا يحبها أحد. ومع التدوير يتغير القوام: يصبح أثقل، ويصير للحريرة شكلها المعروف. عندها يفهم البيت أن الموعد اقترب فعلا.

 

هتاف الصغار

في الخارج لا ينتظر الأطفال بصمت. يركضون في الدروب، ويرفعون أصواتهم بفرح واضح: تيريرا تيريرا هذا شهر لحريرة. يضحكون ويكررونها كأنها لعبة، وكأنها إعلان لا يحتاج إعلانا آخر. من داخل البيوت يسمعهم ويبتسم، حتى لو كان متعبا. تلك الأصوات جزء من الذاكرة، وجزء من شعور الناس أن هذا الشهر له طعم وله صوت أيضا.

 

يد الأم

عندما يحين الموعد، تسبق الأم الجميع إلى السفرة. تفرشها بهدوء يعرفه البيت، وتضع الزلايف في أماكنها، ثم ترتب ما يلازم الحريرة: شباكية، تمر، بيض مصلوق، خبز ساخن، وطبق صغير للملح والكمون لمن يريد. الماء حاضر، وكل شيء مضبوط كما لو أن اليد تحفظ هذا الترتيب عن ظهر قلب. بعدها تقرب البرمة، وتوزع الحريرة زلافة بعد أخرى، بميزان لا يحتاج ميزانا: عين تعرف مقدار كل واحد، وقلب يعرف أن العدل هنا طمأنينة.

 

يدخل الجميع. لحظة قصيرة يتراجع فيها الكلام، ثم ترتفع أصوات الملاعق وتختلط بأنفاس مرتاحة. يجلس الكبار كما اعتادوا، ويتحرك الصغار حول السفرة بين الخبز والتمر، يلتقطون ما يصل إليهم بفرح واضح. لا خطب ولا تعليمات، يكفي أن يجتمعوا. وكلما امتدت الأيدي نحو الزلايف، شعر البيت أن المساء صار أخف، وأن اللمة اكتملت كما ينبغي.

 

مقعد الغائب

ومع ذلك، لا تكون اللمة كاملة دائما. هناك من رحل، ويظهر غيابه في تفاصيل صغيرة: كرسي لا يجلس عليه أحد، صحن لا يطلبه صاحبه، إسم يمر في الخاطر ثم يسكت اللسان. لا أحد يريد أن يفسد اللحظة، لكن لا أحد يستطيع أن يمنع الذكرى. ومع أول ملعقة يعود وجه قديم، وضحكة كانت تملأ المكان، وصوت كان يسبق الجميع إلى المائدة.

 

بقايا الدفء

لماذا تجمعنا الحريرة بسهولة بينما يصعب علينا الجمع في أيام أخرى؟ هل نحتاج كل هذا الإستعداد كي نشعر بقيمة اللمة، أم نحتاج فقط أن نتذكر أن الوقت يمكن أن يكون مشتركا؟ وكيف يمكن لقدر واحد أن يحمل الفرح وذكرى الغائبين في الوقت نفسه؟ ثم سؤال بسيط وصعب: عندما يصرخ الأطفال تيريرا تيريرا هذا شهر لحريرة، هل نسمع فرحهم فقط، أم نسمع أيضا ما فقدناه ونحن نكبر؟