samedi 14 février 2026
كتاب الرأي

عبدالإلاه القصير: حول دينامية الحق في الصحة في المغرب

عبدالإلاه القصير: حول دينامية الحق في الصحة في المغرب عبدالإلاه القصير

مقدمة

في عالمٍ تتزايد فيه التحديات الصحية والضغوط الاقتصادية، لم يعد الحديث عن الصحة مجرد نقاش حول الخدمات أو التمويل، بل حول الحق في الصحة باعتباره ركيزة أساسية من ركائز العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة.
فالصحة اليوم ليست منّة من الدولة، بل حقٌ دستوري وإنساني، أكّدت عليه المواثيق الدولية (المادة 12 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية)، وأعاد الدستور المغربي لسنة 2011 تأكيده في فصله 31، الذي ينصّ على “حق المواطنات والمواطنين في الحصول على العلاج والعناية الصحية”.

من هذا المنطلق، يصبح الاستثمار في الصحة ، سواء في القطاع العام أو الخاص، تجسيدًا فعليًا لالتزام الدولة بضمان هذا الحق، لا مجرد خيار سياسي أو اقتصادي.

يُعدّ قطاع الصحة في المغرب أحد الركائز الأساسية لتحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية البشرية المستدامة. وقد شهد في السنوات الأخيرة دينامية متجددة من خلال إطلاق مشاريع بنيوية ضخمة، وتدشين مؤسسات استشفائية حديثة من طرف الملك محمد السادس، في إطار رؤية متكاملة لإصلاح المنظومة الصحية وضمان الحق في الصحة كمكوّن دستوري وإنساني.
لفهم هذه الدينامية،سنستعين  في هذا المقال بتوظيف إطار تحليلي يعتمد على  نمودج  (Shiffman & Smith,2007) لتفسير كيفية بناء “قوة الأولوية السياسية” لقضايا الصحة .

لقد اهتدينا الي اعتماد هذا  النمودج  التحليلي   لانه في اعتقادنا  يمكن  من تحليل الاستثمار الصحي بعمق هيكلي وسياسي، مع رصد الفرص العملية لإدراج سياسات تحقق الحق في الصحة والعدالة المجالية، بدل الاقتصار على الجوانب المالية أو التقنية فقط. بحث يُمكّن هدا الإطار من تحليل الظروف التي يُدرج بموجبها الحق في الصحة على الأجندة السياسية ، وذلك بتحديد كيفية تأثير علاقات القوة بين الفاعلين، والتصورات الخطابية للمشكلة الصحية، والفرص السياسية المتاحة، والخصائص الموضوعية للقضايا الصحية على درجة أولوية الدولة لها. وبذلك، يُسلط الضوء على البُعد الاستراتيجي والرمزي للاعتراف بهذا الحق.

 

الإطار المفاهيمي للحق في الصحة

يُعدّ الحق في الصحة من الحقوق الأساسية للإنسان، وهو لا يقتصر على مجرد غياب المرض أو العجز، بل يشمل التمتع بأعلى مستوى من الصحة البدنية والعقلية الممكنة. ويعني هذا المفهوم الشامل توفير الخدمات الصحية، والمياه الصالحة للشرب، والتغذية الكافية، والسكن اللائق، والظروف البيئية الملائمة، إضافةً إلى إمكانية الوصول إلى الرعاية الطبية دون تمييز . بحيث أقرّت منظمة الصحة العالمية (OMS) منذ دستورها لعام 1946 بأن "التمتع بأعلى مستوى من الصحة هو أحد الحقوق الأساسية لكل إنسان"، مما جعل الصحة جزءًا لا يتجزأ من منظومة حقوق الإنسان العالمية..

 

ركائز الحق في الصحة

يستند الحق في الصحة، كما حدده العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (المادة 12) وتفسيرات اللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في التعليق العام رقم 14 (2000)، إلى أربع ركائز مترابطة :

·       توفر المرافق (Availability)

 

يقصد بها وجود عدد كافٍ من المرافق الصحية (مستشفيات، مراكز صحية، مختبرات...) والموارد البشرية (أطباء، ممرضون...) والأدوية الأساسية، في كل مناطق البلد.

تشمل هذه المرافق  أيضًا توفر البنيات الأساسية المساندة مثل الماء الصالح للشرب، الصرف الصحي، الكهرباء، والتغذية الكافية.

 

·       الولوج إلى الخدمات (Accessibiliy )

 

ويقصد به أن تكون الخدمات الصحية سهلة و ممكنة الوصول إليها فعليًا لكل شخص دون تمييز. ويشمل هدا الولوج أربع مستويات:

-        الولوج المادي: القرب الجغرافي وسهولة الوصول إلى المؤسسات الصحية.

-        الولوج الاقتصادي: القدرة على تحمّل تكاليف العلاج (أي مجانية أو كلفة منصفة).

-        الولوج غير التمييزي: المساواة في الولوج بغض النظر عن الجنس أو الطبقة الاجتماعية أو الجهة أو الوضع القانوني.

-     الولوج المعرفي و المعلوماتي: حق المواطنين في معرفة حقوقهم الصحية، والمعلومات المتعلقة بالأمراض، والعلاجات، والوقاية.

 

 القَبول أو المقبولية (Acceptability )

و تشير إلى الدرجة التي تلبي بها الخدمات الصحية توقعات المرضى وفق معاييرهم  الثقافية، وتفضيلاتهم الشخصية، بحيث تكون مقبولة ثقافيًا وأخلاقيًا وتحترم كرامة الإنسان ومعتقداته الدينية والثقافية. كما يجب أن تراعي خصوصيات الفئات المختلفة مثل النساء، الأطفال، ذوي الإعاقة، والأقليات، وتشمل أيضًا الحفاظ على السرية الطبية واحترام حرية المريض في اختيار شكل العلاج و مقدم الخدمات الصحية.

وتعد القبولية عنصرًا أساسيًا في جودة الرعاية الصحية وفعاليتها، إذ تؤثر مباشرة على استعداد المرضى لاستخدام الخدمات الصحية والالتزام بالعلاج، كما تعزز الثقة بين المرضى والطاقم الصحي، ما يسهم في تحسين استجابة النظام الصحي وفاعليته، لا سيما في المجتمعات ذات التنوع الثقافي والديني مثل المغرب.

 الجودة (Quality)

 

يقصد بها أن تكون الخدمات الصحية عالية المستوى من حيث الكفاءة والسلامة ونظافة المرافق ، وتستند إلى معايير علمية محدثة وبقدرتها على زيادة احتمالية تحقيق نتائج جيدة للمرضى، مع الحفاظ على توافقها مع أحدث المعاييرو المعارف  الطبية. وتشمل كذلك نهجًا متعدد الأبعاد يشمل فعالية الرعاية، والسلامة، والعلاقة بين المريض ومقدم الخدمات الصحية واحترام كرامة المريض، والتحسين المستمر للممارسات.

 

 الحق في الصحة في المواتق العالمية

يتجذر هذا الحق في الصحة في عدة صكوك دولية، من أبرزها:

-        الإعلان العالمي لحقوق الإنسان : (1948) ينصّ في المادة 25 على أن لكل شخص الحق في مستوى من المعيشة كافٍ للمحافظة على الصحة والرفاهية له ولأسرته، بما في ذلك المأكل والملبس والمسكن والرعاية الطبية...

-        العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (1966)يُعدّ هذا العهد المرجعية القانونية الأساسية، حيث تنص المادة 12 منه على:"اعتراف الدول الأطراف بحق كل إنسان في التمتع بأعلى مستوى من الصحة البدنية والعقلية "،  وتلزم الدول باتخاذ التدابير اللازمة مثل تحسين بيئة العمل، ومكافحة الأمراض الوبائية، وتطوير الخدمات الطبية للجميع.

-        اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (1979)أكدت المادة 12 منها على حق المرأة في الوصول إلى الخدمات الصحية، خصوصًا أثناء الحمل والولادة.

-        اتفاقية حقوق الطفل (1989) نصت المادة 24 على حق الطفل في التمتع بأعلى مستوى ممكن من الصحة، وعلى الدول اتخاذ التدابير المناسبة لضمان هذا الحق.

-        الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب (1981)نص في مادته 16 على أن:"لكل شخص الحق في التمتع بأفضل حالة ممكنة من الصحة البدنية والعقلية"، وهو ما يمنح بعدًا إقليميًا خاصًا للحق في الصحة في السياق الإفريقي.

-         

الحق في الصحة في القانون والتشريع المغربي

عرف المغرب منذ بداية الألفية الثالثة تطورًا في مقاربة الحق في الصحة، خاصة بعد دستور 2011 الذي كرّس هذا الحق ضمن الحقوق الأساسية للمواطنين.

-        الدستور المغربي لسنة 2011 نص الفصل 31 على أن:"تعمل الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية على تعبئة كل الوسائل المتاحة لتيسير أسباب استفادة المواطنات والمواطنين على قدم المساواة من الحق في العلاج والعناية الصحي.".   كما أشار الفصل 154 إلى ضرورة خضوع المرافق العمومية لمعايير الجودة والمساواة والشفافية.

-      القانون الإطار رقم 34.09 المتعلق بالمنظومة الصحية وعرض العلاجات وضع هذا القانون أسس السياسة الصحية الوطنية، مع التركيز على الإنصاف في الولوج إلى الخدمات، وتنظيم التغطية الصحية، وتوزيع الموارد البشرية والمادية بشكل عادل.

-    الاستراتيجية الوطنية للصحة 2025 .تهدف إلى تحقيق العدالة الصحية بين الجهات، وتوسيع التغطية الصحية الأساسية، وتحسين جودة الرعاية.

-    لقوانين التنظيمية للتغطية الصحية والاجتماعية مثل القانون المتعلق بالتغطية الصحية الإجبارية (AMO) ونظام المساعدة الطبية (RAMED سابقًا.

ومع الإصلاح الملكي الأخير لمشروع الحماية الاجتماعية الشاملة (2021)، تم توسيع نطاق الولوج إلى التأمين الصحي لجميع المواطنين، وهو تجسيد عملي لمفهوم الحق في الصحة.

  

المقاربة التحليلية للحق في الصحة في المغرب حسب نمودج شيفمان و سميث

يقترح  نمودج  شفمان  وسميث أربعة أبعاد أساسية من اجل تفسير كيفية بناء وتشكيل  الأولويات السياسية للاستتمار الصحي وحصول قضية صحية معينة على اهتمام سياسي وتمويلي فعّال. وقد حدد هذه الابعاد في أ) قوة الفاعلين، ب) الأفكاروالاطارات المرجعية، ج) السياق السياسي، ود) خصائص القضية . ويُبرز النموذج أن تفاعل هذه الأبعاد هو ما يحدد مدى بروزهذه القضية الصحية كاولوية على الأجندة والسياسية.

1-    قوة الفاعلين ة  (Actor Power)

تلعب القيادة الملكية في المغرب دوراً محورياً وحاسماً في توجيه المنظومة الصحية وتحديد أولويات الإصلاح. فالمؤسسة الملكية تمثل القوة العليا المحركة للسياسات الاجتماعية والصحية، من خلال إطلاق المبادرات الاستراتيجية الكبرى مثل تعميم الحماية الاجتماعية وإصلاح المنظومة الصحية الوطنية.

وتتميز القيادة الملكية بقدرتها على تعبئة مختلف الفاعلين الحكوميين والمؤسساتيين وضمان الاستمرارية في تنفيذ الإصلاحات بغضّ النظر عن التغيرات السياسية أو الحكومية. كما تشكل المرجعية الملكية عاملاً أساسياً في إضفاء الشرعية والقوة التنفيذية على القرارات الصحية، مما يجعلها عنصراً مركزياً ضمن البعد المتعلق بقوة الفاعلين في نمودج شيفمان و سميث

ان القيادة الملكية في المغرب تمثل عاملًا مركزياً في بناء الزخم السياسي حول قضية الصحة. فالتدخل المباشر للملك في تدشين المستشفيات الجامعية والأقطاب الطبية الجهوية عزز الشرعية السياسية والالتزام الحكومي تجاه القطاع.

 

إلى جانب القيادة الملكية، تضم القوة الفاعلة في القطاع الصحي المغربي مؤسسات حكومية مثل وزارة الصحة والحماية الاجتماعية التي تمثل الجهة الحكومية المركزية المسؤولة عن صياغة وتنفيذ السياسات الصحية. بحيث تتحكم في الميزانية العامة للصحة، الموارد البشرية، وسن ووضع الاستراتيجيات والبرامج الصحية الوطنية، مما يمنحها نفوذًا رسميًا قويًا. وتشارك في دلك مع جهات أخرى مثل وزارة الداخلية، والوكالات الوطنية، والبرلمان والمجالس الجهوية، إلى جانب المجتمع المدني والمنظمات الدولية كمنظمة الصحة العالمية والبنك الدولي، التي تساهم في التمويل والتوجيه التقني.

 

 كما تلعب وزارة المالية المغربية دوراً محورياً في دعم المنظومة الصحية من خلال تخصيص الموارد المالية وإعداد الميزانيات الصحية، وتحديد أولويات الإنفاق وفق السياسات الوطنية. فهي تقرر حجم التمويل المتاح للبرامج والمشاريع الصحية، بما في ذلك دعم المستشفيات، وإصلاح البنية التحتية، وتمويل المبادرات الوطنية مثل الحماية الاجتماعية وتعميم التغطية الصحية وتشجع الشراكة بين القطاعين العام والخاص من خلال تخصيص اعتمادات للمشاريع المشتركة،الشئ الدي يجعلها فاعلاً أساسياً ضمن البعد المالي في قوة الفاعلين، إذ أن نجاح السياسات الصحية يعتمد بشكل كبير على قدرتها على ضمان التمويل الكافي والمستدام.

كما  يحتل القطاع شبه العمومي في المغرب ضمن قوة الفاعلين موقعًا استراتيجيًا يتجلى في مؤسسات مثل الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي، الوكالة الوطنية للتأمين الصحي، هذه الهيئات ليست مجرد أدوات تنفيذية، بل تمثل فاعلين مؤسساتيين يملكون قدرة تنظيمية وتمويلية مؤثرة في رسم مسار الحق في الصحة. اذ أن موقعهم بين الدولة المركزية ومقدمي الخدمات (العموميين والخواص) يمنحهم قدرة على التأثير في قواعد الولوج والتمويل وضبط الجودة. إضافة إلى ذلك، يمتلك هذا القطاع معطيات إحصائية دقيقة حول المؤمنين، الإنفاق الصحي، والفئات الهشة، وهو ما يمنحه قوة معرفية مهمة في صياغة السياسات.

ويلعب القطاع الخاص دوراً متنامياً من خلال المصحات والمختبرات وشركات التأمين وصناعة الأدوية، مساهماً في توسيع العرض الصحي وتخفيف الضغط على القطاع العام. غير أن هذا الدور يطرح تحديات تتعلق بالإنصاف والتنظيم، مما يدفع الدولة إلى تعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص لتحقيق توازن بين الكفاءة الاقتصادية والعدالة الصحية.

2-    الأفكار والإطارات المرجعية  (Ideas)

يشكل البعد الفكري في نموذج شيفمان وسميث أحد المحددات الأساسية لمدى أولوية قضية ما في الأجندة السياسية، إذ لا يكفي أن تكون المشكلة قائمة، بل ينبغي أن تُصاغ داخل إطار مرجعي مقنع ومشترك بين الفاعلين. وفي السياق المغربي، يمثل الحق في الصحة إطارًا فكريًا وقيميًا متجذرًا في المرجعية الدستورية والحقوقية للدولة، حيث ينص دستور 2011 صراحة على الحق في العلاج والحماية الاجتماعية، ويؤكد على مسؤولية الدولة في تعبئة الوسائل اللازمة لتيسير أسباب استفادة المواطنات والمواطنين من هذا الحق.

ويتعزز هذا الإطار عبر الترسانة القانونية الوطنية، وعلى رأسها القانون 34.09 المتعلق بالنظام الصحي وعرض العلاجات، إضافة إلى القوانين المنظمة للتغطية الصحية الإجبارية والحماية الاجتماعية. كما ينسجم هذا التصور مع الرؤية الملكية التي تضع الإنسان في صلب النموذج التنموي، خاصة من خلال ورش تعميم الحماية الاجتماعية الذي يربط بين الرعاية الصحية والعدالة الاجتماعية والاستقرار الاقتصادي. وعلى المستوى الدولي، يتماهى هذا الإطار مع التزامات المغرب في مجال حقوق الإنسان، ولا سيما العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ومع مبادئ منظمة الصحة العالمية المتعلقة بالتوافر، وإمكانية الولوج، والقبول، والجودة.

وفق منطق شيفمان وسميث، فإن قوة هذا البعد تكمن في كيفية تأطير الحق في الصحة: فكلما تم تقديمه باعتباره حقًا دستوريًا وإنسانيًا غير قابل للتجزئة، ارتفعت شرعيته السياسية. أما إذا جرى تأطيره فقط كخدمة اجتماعية تخضع لمنطق الإمكانات المالية، فقد يفقد جزءًا من قوته التعبوية. وفي المغرب، يظهر أن الخطاب الرسمي يميل إلى الجمع بين البعد الحقوقي والبعد التنموي، مما يمنح القضية قابلية أوسع للتوافق السياسي.

ومن الناحية التحليلية، يمكن تسجيل ثلاث ملاحظات أساسية:

أولًا، يتوفر المغرب على إطار نظري وقانوني متين يتيح صياغة سياسات صحية منسجمة مع المرجعية الحقوقية، ويمنح الفاعلين — سواء مؤسساتيين أو مدنيين — أدوات قوية للترافع والمساءلة. هذا الاتساق بين الخطاب الدستوري والسياسات المعلنة يعزز شرعية القضية في الفضاء العمومي.

ثانيًا، يشهد المجال العمومي تزايدًا في الوعي المجتمعي والإعلامي بارتباط الصحة بمفهوم الكرامة الإنسانية والتنمية البشرية، وهو ما يعيد صياغة النقاش الصحي خارج المقاربة التقنية الضيقة نحو مقاربة حقوقية شاملة. هذا التحول في الإدراك الجماعي يقوي ما يسميه شيفمان وسميث "الإجماع المعرفي" حول أهمية القضية.

ثالثًا، ورغم هذا التقدم المرجعي، تبرز فجوة بين الخطاب والممارسة، تتجلى في استمرار التفاوتات المجالية، وضعف البنيات التحتية في بعض المناطق، ونقص الموارد البشرية والمادية. هذه الفجوة قد تؤثر على مصداقية الإطار الفكري إذا لم تُترجم المبادئ إلى نتائج ملموسة، لأن قوة الأفكار في نموذج شيفمان وسميث لا تُقاس فقط بوضوحها النظري، بل بقدرتها على إنتاج سياسات فعالة.

بصفة عامة يمكننا القول بان  الحق في الصحة في المغرب يتمتع بإطار فكري قوي ومتعدد المستويات : دستوري، قانوني، تنموي ، مما يمنحه قاعدة صلبة في معادلة الأولوية السياسية. غير أن استدامة هذه القوة رهينة بمدى انسجام الخطاب مع الأداء الفعلي للمنظومة الصحية، وبقدرة الفاعلين على الحفاظ على التأطير الحقوقي للقضية داخل النقاش العمومي وصنع القرار.

3-    السياق السياسي  (Political Contexts)

يشير الإطار السياسي في نمودج شيفمان و سميث، إلى البيئة التي تحدد مدى قدرة النظام على تبني قضية صحية ومنحها الأولوية. في المغرب، يرتبط هذا الإطار بعدة عناصر مترابطة:

تتمثل الركيزة الأساسية في القيادة العليا، وخصوصاً المؤسسة الملكية، التي تمنح شرعية قوية للسياسات الصحية وتطلق مبادرات استراتيجية مثل تعميم الحماية الصحية، إصلاح المستشفيات، وإحداث المجموعات الصحية الترابية، ضمن النموذج التنموي الجديد الذي يربط بين الصحة والتنمية الاجتماعية والاقتصادية.

كما سلطت جائحة كوفيد-19 الضوء على الحاجة الملحة إلى تعزيز القدرات الصحية، توسيع التغطية، وتحسين البنية التحتية والمراقبة الصحية، وأظهرت الفوارق الجهوية في الوصول إلى الخدمات، مما دفع إلى إعادة ترتيب الأولويات الصحية. ولقد جسد مشروع إحداث الهيئة العليا للصحة البعد السياسي والمؤسسي بامتياز، بحيث يهدف إلى تعزيز الحكامة الصحية، وضمان الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، من خلال مؤسسة مستقلة تُعنى بتقويم جودة الخدمات وتنظيم القطاع. هذا المشروع يعكس الإرادة السياسية في تقوية الإطار التنظيمي وتكريس ثقافة التقييم والمساءلة داخل المنظومة الصحية، بما ينسجم مع مبادئ الديمقراطية الصحية والحكامة الجيدة.

في هذا السياق، برز كدلك نهج التنمية الترابية المندمجة الذي تقوده وزارة الداخلية كتعبير عملي عن الانتقال من المقاربة القطاعية إلى مقاربة ترابية شاملة. فقد أطلقت الدولة سنة 2025 “الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة”، بميزانية تقدَّر بأكثر من 20 مليار درهم، تُنفَّذ على مستوى 75 عمالة وإقليماً، عبر مشاورات واسعة تشمل المنتخبين والسكان والمجتمع المدني. يهدف هذا النهج إلى تقليص الفوارق المجالية وتحقيق تنمية متوازنة، مع إدماج قطاعات حيوية كالصحة والتعليم والبنية التحتية في رؤية موحّدة.

ويُعد هذا التحول دليلاً على تطور في الحكامة الترابية، إذ أصبح تحديد الأولويات التنموية أكثر قرباً من الواقع المحلي، ما يعزز الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة. كما يعكس التزام الدولة بتحويل الخطاب حول الحق في الصحة إلى برامج تنفيذية ملموسة تراعي العدالة المجالية وتكامل السياسات العمومية، تحت قيادة ملكية واضحة ورؤية تنموية مندمجة.

 

إضافة إلى ذلك، لعبت الاحتجاجات الاجتماعية الأخيرة (مستشفى أكادير و حركة Z) دوراً في دفع الحكومة نحو زيادة الاستثمار في القطاع الصحي وتحسين السياسات المرتبطة بالحق في الصحة والتغطية الاجتماعية، مؤكدين أن القضايا الصحية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالديناميات السياسية والاجتماعية. وفي هذا الإطار، أعلنت الحكومة عن رفع ميزانية وزارة الصحة بشكل غير مسبوق استجابةً للاحتجاجات الاجتماعية ومطالب النقابات والمجتمع المدني، في محاولة لإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة.

كما كشف الوزير المنتدب المكلف بالميزانية عن إجراءات جديدة تتعلق بـإصلاح نظام استيراد الأدوية، تهدف إلى تقليص هوامش الربح المرتفعة، وإلغاء بعض الرسوم الجمركية لتيسير الولوج إلى الدواء كحق أساسي من حقوق الصحة (Ministère de l’Économie et des Finances, 2025).

وفي الاتجاه ذاته، تم إطلاق برنامج وطني لإعادة تأهيل 91 مستشفى ومركزًا استشفائيًا بمختلف جهات المملكة، بعد المصادقة على اعتماد المسطرة التفاوضية لتسريع الإصلاحات وتحسين البنية التحتية، في ما يعكس إرادة سياسية واضحة لتقليص الفوارق المجالية وتحسين جودة الخدمات.

4-    خصائص القضية (Issue Characteristics)

يُعدّ بُعد «خصائص القضية» في نموذج شيفمان وسميث محدِّدًا أساسيًا في تفسير كيفية تحول قضية صحية ما إلى أولوية سياسية. ويشير هذا البعد إلى الطريقة التي يُدرَك بها المشكل، ومدى قابليته للقياس، وتقدير درجة خطورته، وارتباطه بحلول عملية قابلة للتنفيذ. وعند تطبيق هذا الإطار التحليلي على حالة الحق في الصحة بالمغرب، تتضح مجموعة من العناصر التي تفسر حضوره المتنامي في الأجندة السياسية.

أولًا، تعزز قابلية قياس المشكلة من اجل حضورها في النقاش العمومي والسياسي. فالمغرب يتوفر على نظام احصائي صحي جد متطوربحيث يوفر مؤشرات كمية مهمة تتعلق بوفيات الأمهات والأطفال، ومتوسط العمر المتوقع، ونسب التغطية الصحية، وتوزيع الموارد البشرية الصحية، وحجم الإنفاق المباشر للأسر على الصحة.

وتُظهر هذه المعطيات وجود تفاوتات مجالية واضحة، خاصة بين الوسطين الحضري والقروي، إضافة إلى اختلالات في الولوج إلى الخدمات التخصصية. إن توفر هذه البيانات كيف تحوّل الحق في الصحة من مبدأ دستوري معياري إلى فجوة ملموسة وقابلة للرصد بين الالتزام القانوني والواقع الصحي، وهو ما يعزز قابليته للتموقع كقضية عمومية ذات أولوية. كما يشكل تدخل مؤسسة دستورية رقابية مثل المجلس الأعلى للحسابات عنصرًا معززًا لمشروعية النقاش العمومي حول الحق في الصحة. إذ يمنح التقرير الفاعلين الداعين إلى إصلاح أعمق سواء من داخل المؤسسات أو من المجتمع المدني أو الأوساط الأكاديمية  سندًا معرفيًا وشرعيًا قويًا، قائمًا على تقييم مؤسساتي محايد. ووفقًا لمنطق شيفمان وسميث، فإن توفر بيانات رسمية موثوقة يعزز تماسك الشبكة الداعمة للقضية ويقوي قدرتها على التأثير في صانعي القرار، لأن الحجة لم تعد قائمة فقط على خطاب حقوقي، بل على تشخيص مؤسساتي موثق.

 

ثانيًا، تتجلى خطورة المشكلة في بعدها الاجتماعي والاقتصادي، لاسيما من خلال عبء النفقات الصحية المباشرة على الأسر. فرغم الإصلاحات المنجزة، لا تزال نسبة مهمة من تكاليف العلاج يتحملها المواطنون مباشرة، مما يعرض بعض الفئات لخطر الإنفاق الصحي الكارثي. هذه الوضعية تجعل الحق في الصحة ليس فقط مسألة خدمات، بل مسألة حماية اجتماعية وأمن اقتصادي، الأمر الذي يعزز إدراكه كإشكال بنيوي يتطلب تدخلًا سياسيًا.

وفي هذا الاطاراوضح آخر تقرير للمجلس الأعلى للحسابات بالمغرب بعدًا موضوعيًا مهمًا في تحليل خصائص مشكلة الحق في الصحة بالمغرب، حيث أبرز التقرير عدة قصور هيكلية وظرفية في النظام الصحي الوطني. بحيث ابرز تباينات جهوية في الولوج إلى الخدمات وتفاوتات في الموارد البشرية المتخصصة ، مما يعكس ضعف الاستجابة للاحتياجات الصحية الأساسية لسكان مناطق متعددة، خاصة في المناطق النائية والفقيرة. وأشار التقرير كذلك إلى نقص في التغطية التأمينية الفعالة لدى جزء كبير من السكان، إذ لا تزال ملايين من هذه الفئة غير مغطاة بنظام التأمين الصحي الإجباري رغم التقدم في توسيع نطاقه، مما يبرز وجود فجوة بين الأهداف المعلنة للسياسات الصحية وواقع الاستفادة الفعلية من الخدمات. هذه المؤشرات التي قدمتها المجلس الأعلى للحسابات تجعل من الحق في الصحة مشكلة ذات معطيات كمية واضحة، وجسامة اجتماعية واقتصادية ملموسة، وتعقيد مؤسساتي واضح، وهو ما ينسجم مع العناصر التي يوليها نموذج شيفمان وسميث في تقييم خصائص المشكلة ودورها في تعزيز الأولوية السياسية لقضية الحق في الصحة.

وثالثا ، يعزز وجود حلول مؤسساتية قابلة للتطبيق، وعلى رأسها ورش تعميم الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية الإجبارية، من فرص ترسيخ القضية سياسيًا. فوجود إطار قانوني واضح ومسار إصلاحي قائم يقلل من حالة الغموض المرتبطة بالحلول الممكنة، وهو عنصر حاسم في تفسير انتقال قضية الحق في الصحة من مستوى الخطاب إلى مستوى الفعل السياسي.

و كخلاصة يمكن القول، ووفق تحليل «خصائص القضية» في نموذج شيفمان وسميث، فإن الحق في الصحة في المغرب يتوفر على مقومات قوية تجعله قابلًا للتموقع كأولوية سياسية: فهو قابل للقياس، ويُنظر إليه باعتباره ذا خطورة اجتماعية، ويحظى بشرعية دستورية.

 

خلاصة عامة

أبرزت لنا هذه المقاربة أن الحق في الصحة ضمن السياسة الصحية في المغرب لا يمكن فهمه بمعزل عن تفاعل القوى السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تؤطره. فـ«قوة القيادة السياسية» تجسدت في التوجيه الملكي، و«قوة الفاعلين الحكوميين» في قرارات التمويل والإصلاح، و«قوة السياق السياسي» في ضغط الشارع والرأي العام، بينما تمثلت «قوة الأفكار» في تبني خطاب الحق في الصحة كحق إنساني وتنموي.

وعليه، يمكن القول إن الحق في الصحة بالمغرب يُعاد تعريفه اليوم ليس فقط كحق اجتماعي، بل كخيار استراتيجي ضمن منطق الدولة الاجتماعية الجديدة التي دعى اليها ملك البلاد والتي تسعى إلى التوفيق بين متطلبات السوق والعدالة والكرامة الإنسانية.

ولقد أظهرت كذلك بان  الحق في الصحة ليس مجرد نتاج لنصوص دستورية أو برامج تقنية، بل نتيجة لتفاعل معقّد بين السلطة السياسية، المصالح الاقتصادية، والديناميات الاجتماعية. و ان  أولويات الاستثمار الصحي تتحدد عبر توازنات القوة، والشرعية، والضغط الاجتماعي. غير أن تعقيده البنيوي والقيود المالية المرتبطة به يظلان عاملين مؤثرين في وتيرة وعمق الإصلاحات. مما يجعلنا ان نستحلص بأن بناء منظومة صحية عادلة وفعالة وضامنة للحق في خدماتها  في المغرب يظل رهيناً بإرادة سياسية قوية، حكامة شفافة، توزيع منصف للموارد، ومشاركة فعلية للمجتمع المدني والجهات في التتبع والتقييم، بما يحول الحق في الصحة من مبدأ قانوني إلى واقع ملموس لجميع المواطنين.

عبدالإلاه القصير، أخصائي في تقييم البرامج الصحية والاجتماعية وتقنيات الترافع