المتتبع للعملية التشريعية بالمغرب سوف يتضح له أن النسق القانوني المغربي في مجال الإجراءات المدنية والجنائية وقوانين الموضوع قد تأثر بشكل كبير بالتشريع الغربي على النمط الفرنسي الذي تعتبر مدونة نابليون المصدر التاريخي له وما ارتبط بهذا التشريع من تكريس قواعد القانون الإداري المستمد من القضاء الإداري الفرنسي الذي وضع قواعد مؤسسة لخلق التوازن بين النظام العام في أبعاده الثلاثة الأمن العام، والصحة العامة والسكينة العامة والحقوق والحريات وخضوع الإدارة وسلط الدولة للقانون.
وقد اعتبر قانون المحاماة الفرنسي من القوانين التي تأثرت بهذا الاجتهاد للقضاء الإداري ومبادئ حقوق الإنسان والحريات التي تعتبر محدد لقواعد قانون المحاماة. لهذا راكمت التجربة المغربية بدورها في مجال قانون المحاماة العديد من القواعد المكرسة لمبادئ المهنة المرتبطة بالتضامن المهني والاستقلالية والحصانة وغيرها من المبادئ التي تقوم عليها المحاماة في الدولة الحديثة.
لهذا أثار انتباهي بشكل كبير ما دون بمشروع قانون المحاماة المغربي من طرف القطاع الحكومي المكلف بالعدل والذي أثار ضجة كبيرة في الوسط الحقوقي بالنظر لتراجع أغلب قواعده المعدلة عن المبادئ الحقوقية والتي راكمتها التجربة المغربية الشيء الذي يدفعنا إلى التساؤل عن مصدر القواعد الجديدة التي وضعت في المشروع.
وبالرجوع إلى القانون المقارن وخاصة بالدول العربية نجد أن قانون المحاماة الإماراتية هو الأقرب إلى القواعد التي تم وضعها بالمشروع على اعتبار أنه يتضمن قواعد تتعامل مع المحاماة كمهنة تقنية أكثر من تعاملها مع المحاماة كرسالة ومؤسسة من مؤسسات العدالة. لذلك فإن من يقرأ القانون الاتحادي رقم 23 لسنة 1991 بشان تنظيم مهنة المحاماة والمعدل بمقتضى مرسوم بقانون بتاريخ 3 أكتوبر 2022 سوف يلاحظ أن تنظيم المهنة بالإمارات تتحكم فيه بشكل كلي وزارة العدل والشؤون الإسلامية الإماراتية سواء فيما يخص التسجيل بالمهنة وكل ما يتعلق بالتكوين والتدريب وفتح المكتب وإنشاء الشركات سواء الوطنية أو الأجنبية وسواء تعلق الأمر بالمحامي الوطني أو الأجنبي.
والمحكمة هي من تتكلف بالتعيين في المساعدة القضائية والمساعدة القانونية وهي من تتكفل بالبت في الأتعاب والتأديب..... إلخ. أما بخصوص التأديب والجلسات فإن المادة 46 ذهبت إلى أنه إذا وقع من المحامي أثناء وجوده بالجلسة لإداء واجبه أو بسببه إخلال بالنظام أو أي أمر يستدعي مؤاخذته تأديبياً أو جنائياً يأمر رئيس الجلسة بتحرير محضر بما حدث ويحيله إلى النيابة العامة. وللنيابة العامة أن تتخذ الإجراءات الجنائية إذا كان ما وقع من المحامي جريمة معاقب عليها في القانون أو أن تحيله إلى المحاكمة التأديبية إذا كان ما وقع منه مجرد إخلال بواجباته، وعلى النيابة العامة إخطار لجنة قبول المحامي بما تنتهي إليه الإجراءات.
والملاحظ أن لجنة قبول المحامين والتي تحل محل المؤسسات المهنية فإنها تشكل في وزارة العدل والشؤون الإسلامية والأوقاف بقرار من وزير العدل وتضم:
وكيل وزارة العدل والشؤون الإسلامية والأوقاف قطاع العدل رئيساً.
وكيل وزارة العدل والشؤون الإسلامية والأوقاف المساعد للشؤون الفنية عضواً.
أحد قضاة المحكمة الاتحادية العليا عضواً.
أحد قضاة محكمة الاستئناف عضواً.
أحد أعضاء النيابة العامة بدرجة رئيس نيابة على الأقل عضواً.
مدير إدارة شؤون المحامين والخبراء والمترجمين عضواً ومقرراً.
أحد المحامين المشتغلين بناء على ترشيح الجهة التي ينتسب إليها عضواً- مع العلم أنه تم إضافة ثلاثة محامين في التعديل الجديد-.
أحد ذوي الخبرة القانونية يختاره وزير العدل عضواً.
وبناءً على هذه المعطيات فهل يمكن القول أن المحاماة في المغرب وبناءً على ما جاء في مشروع قانون المحاماة موضوع الأزمة هي في طريقها للاستفادة من التجربة الإماراتية في هذا الميدان؟
محمد أمغار
محام بهيئة الدار البيضاء