samedi 7 février 2026
خارج الحدود

فشل خيار الانفصال والحاجة إلى الحكم الذاتي: دروس مستفادة من جنوب السودان وتيمور الشرقية

فشل خيار الانفصال والحاجة إلى الحكم الذاتي: دروس مستفادة من جنوب السودان وتيمور الشرقية تيمورالشرقية وجنوب السودان

شهد العالم في السنوات الأخيرة تجارب متعددة للاستفتاءات التي تهدف إلى الانفصال عن الدولة الأم، وكانت نتائجها في كثير من الحالات غير مستقرة وولدت العنف والتفرقة بين مكونات المجتمع ولعل خير مثال هو جنوب السودان، الذي حصل على استقلاله عام 2011 بعد استفتاء شعبي أفرز أغلبية ساحقة لصالح الانفصال عن السودان، لكن بعد عامين فقط اندلعت حرب أهلية بين الفصائل السياسية أدت إلى مقتل أكثر من 400 ألف شخص وتشريد الملايين داخلياً وخارجياً، وكانت النزاعات أساسا بين الفصائل التي شكلت الحكومة الأولى، وقد تركزت حول السيطرة على الموارد والمناصب السياسية.
كما تعاني جنوب السودان من تدهور واضح للمؤسسات الإدارية، ولعل خير مثال هو تعيين رجل متوفى ضمن اللجنة المكلفة بالانتخابات، مما يعكس غياب دولة المؤسسات، ناهيك عن معاناة ساكنة جنوب السودان من النقص الكبير في الخدمات الأساسية، وانهيار الأمن الغذائي وكذا معاناة هذا البلد من أزمات إنسانية واقتصادية: أكثر من نصف السكان يعتمدون على المساعدات الإنسانية، كما يعتمد الاقتصاد بشكل شبه كامل على النفط، ولا توجد بنية تحتية كافية لدعم التنمية المستدامة.
تيمور الشرقية هي الأخرى التي كانت جزء لا يتجزأ من إندونيسيا قبل أن يجري سكان تيمور استفتاء في 30 غشت 1999 تحت إشراف الأمم المتحدة لتقرير المصير، والذي كانت نتيجته تصويت 78.5% صوتوا لصالح الاستقلال، أعقب ذلك أعمال عنف واسعة النطاق بين الجماعات المؤيدة للبقاء مع إندونيسيا والجماعات الانفصالية، حيث شنت حملة عنف، أدت إلى قتل وتشريد آلاف السكان، وتدمير البنية التحتية بالكامل، مما جعل قوات حفظ السلام الدولية تتدخل لاحقاً لإعادة الأمن، لكنها لم تمنع تداعيات العنف على المجتمع.

هذه الأمثلة تؤكد أن خيار الاستفتاء لتقرير المصير غالباً ما يفشل في إنتاج استقرار دائم، بل يؤدي إلى نزاعات مسلحة، تفكك مؤسسات الدولة، وانعدام التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

في المقابل، يعتبر الحكم الذاتي في الصحراء المغربية خيارا واقعيا وعمليا للتعامل مع الطروحات الانفصالية لجبهة البوليساريو المدعومة من الجزائر. وقد تم طرح هذا المقترح من طرف المغرب منذ عام 2007،  ويحظى اليوم بدعم واسع من القوى الكبرى ومعظم بلدان إفريقيا والعالم العربي، وهو ما يعزز فرص تحقيق الاستقرار في المنطقة.

في هذا السياق، يجدر التذكير بأن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، ومنذ سنوات، لم يعد يتعامل مع خيار الاستفتاء باعتباره حلاً عملياً للنزاع حول الصحراء، بل انتقل في قراراته المتعاقبة إلى التأكيد على ضرورة تبني حل سياسي واقعي، عملي، دائم وقائم على التوافق، وهو ما أكده القرار الأممي 2797 الصادر بتاريخ 31 أكتوبر 2025 ، حيث اعتبر أن مبادرة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب تشكل أساساً جدياً وذا مصداقية للتوصل إلى حل نهائي للنزاع، وهو توصيف لم يحظَ به أي مقترح آخر. هذا التحول يعكس قناعة المجتمع الدولي بأن خيار الانفصال المغلف باستفتاء " تقرير المصير " لم يعد قابلاً للتطبيق، بالنظر إلى تعقيداته القانونية والسياسية، وما قد يترتب عنه من مخاطر عدم الاستقرار و سوء تدبير و إذكاء للنزاعات المسلحة بين الفرقاء كما هو الحال في جنوب السودان .
كما أن اعتماد الحكم الذاتي كحل نهائي من شأنه طيّ هذا النزاع الإقليمي المفتعل الذي طال أمده لعقود؛ تعزيز الاستقرار في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل؛ تمكين ساكنة الأقاليم الجنوبية من تدبير شؤونهم المحلية في إطار السيادة المغربية؛ فتح آفاق التعاون الإقليمي والتنمية المشتركة بدل استمرار منطق الصراع والانقسام.
كما أن طيّ ملف الصحراء في إطار الحكم الذاتي سيساهم في تحرير الطاقات الاقتصادية والدبلوماسية للمنطقة، وتعزيز اندماج إفريقيا جنوب الصحراء في الاقتصاد العالمي، خاصة في ظل المشاريع التنموية الكبرى التي أطلقها المغرب في أقاليمه الجنوبية، وعلى رأسها ميناء الأطلسي الذي يُرتقب أن يشكل منصة استراتيجية لربط إفريقيا بالأسواق الأمريكية والدولية.