samedi 7 février 2026
كتاب الرأي

عبد الرفيع حمضي: سيف الإسلام.. إجهاض النضج المتأخر

عبد الرفيع حمضي: سيف الإسلام.. إجهاض النضج المتأخر عبد الرفيع حمضي

اغتيال سيف الإسلام القذافي حدث سياسي ثقيل، يتجاوز منطق الجريمة الجنائية الى منطق إعادة ترتيب التوازنات داخل ليبيا. فالرجل لم يكن مجرد ابن القائد السابق، بل كان يمثل ورقة حساسة في المشهد الليبي: رمز مرحلة النضج المتأخر في سنوات حكم القذافي من جهة،واحتمالا قائما لعودة قطب ثالث قادر على إرباك التسويات الهشة بين الشرق والغرب من جهة ثانية.لذلك فان السؤال الأهم لا يتعلق فقط بمن نفذ، بل بمن استفاد، ولماذا وقع ذلك في هذه اللحظة بالذات.
ليس من السهل الاتفاق حول سيف الاسلام: البعض يراه ابن نظام استبدادي، والبعض يراه “فرصة اخيرة” لاعادة الحد الادنى من الدولة. لكن حتى المختلفون حوله كانوا يتفقون على شيء واحد: الرجل كان يحمل رمزية خاصة داخل التجربة القذافية، بل كان يمثل، في سنواتها الاخيرة، ما يمكن تسميته بمرحلة النضج المتاخر داخل نظام عرف طويلا بالمغامرة والتوتر.
القذافي الاب عاش مرحلتين: مرحلة طويلة من التهور الخارجي والاندفاع الايديولوجي، ثم مرحلة اخيرة حاول فيها النظام ان يخفف من العزلة وان يعيد ترميم صورته. في تلك السنوات الاخيرة ظهر سيف الاسلام بوصفه واجهة مختلفة: اكثر هدوءا، واكثر قدرة على التفاوض، واقرب الى لغة العالم. في ملفات ثقيلة مثل لوكربي، وقضية الممرضات البلغاريات، وغيرها من الاشكالات التي اعادت الجماهيرية العربية الليبية العضمى تدريجيا الى الخارطة الدولية، لعب سيف الاسلام دورا واضحا. لم يكن ذلك انتقالا ديمقراطيا ولا اصلاحا مؤسساتيا حقيقيا، لكنه كان محاولة لحقن شيء من العقل في تجربة كانت تدار بمنطق “الثورة” اكثر مما تدار بمنطق الدولة.
كما ان الرجل لم يكن مجرد “ابن الزعيم”، بل كان يحمل صورة  الشاب الحداثي والمتعلم  دكتور في الاقتصاد، من لندن ،قدم  في مرحلة ما رؤية اصلاحية بعنوان "ليبيا في القرن الواحد والعشرين”، تقوم على الانفتاح  واعادة ترتيب العلاقة مع المجتمع والعالم. والى جانب ذلك، لم يعرف عنه، مقارنة ببعض اخوته، التهور الذي يصنع الازمات الدبلوماسية، ولا الفضائح التي تجر الدولة الى حرج مجاني.
واذا كان سيف الاسلام قد اكتسب حضورا سياسيا في الخارج من خلال الملفات الكبرى، فان جزءا مهما من حضوره الان في الداخل لم يكن مرتبطا بالسياسة وحدها، بل بالذاكرة الاجتماعية التي تركها النظام نفسه. ففي ليبيا الان ،لا يمكن فصل الصراع على الشرعية عن سؤال بسيط: ماذا بقي للناس من معنى الدولة قبل 2011، وماذا خسروا بعده؟
ومن زاوية اجتماعية محضة، هناك حقيقة لا يمكن انكارها لمن عاش بالجماهيرية في تلك السنوات: المواطن الليبي والعربي والأفريقي كان يتوفر على معظم الحاجيات الاساسية بشكل لا يصدق في محيط عربي وافريقي يعاني. ماء وكهرباء شبه مجانيين، دعم قوي للمواد، مدارس وجامعات مجانيّة مستشفيات مفتوحة، دواء يقتنى بسهولة، وامن مستقر. 
اكثر من سنتين، قضيتها هناك في بداية التسعينات وكان حينها الحصار في أوجه ،ورايت ذلك بعيني. وهنا بالذات يظهر السؤال الاخلاقي الصعب: هل يكفي هذا في بلد نفطي؟ وهل يمكن للانسان ان يعيش على الخبز والخدمات فقط، دون حرية، ودون مؤسسات، ودون دولة بالمعنى الحديث؟ هذا كلام اخر، لكنه ضروري لفهم لماذا ظل جزء من الليبيين بعد 2011 ينظر الى الماضي ليس بوصفه “جنة”، بل بوصفه “اقل قسوة” من الفوضى.
وفي طرابلس، وانا اتجول في محل كبير للمستلزمات الرياضية، كنت اتبادل الحديث مع البائع بلهجة مغربية ونضحك كاننا في سوق شعبي. في لحظة  ارتبك مخاطبي عندما دخل مجموعة من الشباب. لم يكن في المشهد اي اثر لهيبة السلطة . اقترب  احدهم وسالني: الاخ مغربي؟ قلت نعم. فرد بلطف "اهلا بيك ومرحبا بيك ". وقبل ان يغادر قال لصاحب المحل    "خد بالك من ضيفنا  "، بعد ذلك فقط قال لي البائع: هذا سيف ابن العقيد . قد تبدو الحكاية بسيطة، لكنها تلخص شيء بسيط فالشاب كان يمتلك قربا من الناس وخفة حضور.
لكن ليبيا ليست دولة عادية. انها مجتمع قبلي شديد الحساسية للتوازنات. والشرعية فيها ليست مؤسسات وحدها، بل اسماء وتحالفات وقدرة على جمع المتفرق. وهنا تقع احدى اخطر مفارقات القذافي الاب: لقد حكم ليبيا طويلا، لكنه لم يرسخ منطق الدولة ولا منطق الادارة ولا منطق المؤسسات. لهذا، حين سقط النظام سنة 2011، لم تسقط دولة قوية، بل سقط “سقف”، فبانت الفوضى تحته: سلطتان، ميليشيات، اقتصاد حرب، حدود رخوة، وسلاح يعلو على السياسة. داخل هذا الفراغ، كان سيف الاسلام يمثل عند فئة من الليبيين “عنوانا” يمكن ان يجمع، لا حبا في الماضي بالضرورة، بل كرها للفوضى.
ثم ان ليبيا ليست ساحة داخلية فقط. هي عقدة دولية بامتياز: نفط، شاطئ طويل على المتوسط، وبوابة الهجرة نحو اوروبا. لذلك تحولت الى ساحة توازنات: روسيا وتركيا، فرنسا وايطاليا، مصر والامارات، مع مراقبة امريكية حذرة. وفي هذا المشهد، لا احد يريد ليبيا قوية بقدر ما يريد ليبيا “قابلة للادارة”: نفط بلا صدمة، حدود بلا انفجار، وهجرة تحت السيطرة.
وبالتالي لا يمكن قراءة سيف الاسلام خارج هذا السياق كله خاصة وان الاغتيالات السياسية لا تقع عادة في زمن عبثي، بل في زمن مفصلي. فليبيا كانت تتجه الى محطة سياسية جديدة، سواء عبر اعادة تحريك ملف الانتخابات، او عبر تسوية دولية جديدة، او عبر اعادة توزيع النفوذ. وفي مثل هذه اللحظات تصفى الاسماء المربكة. وسيف الاسلام كان اسما مربكا لانه قادر على جذب كتلة صامتة واسعة تبحث عن الاستقرار باي ثمن، وقادر على نسف التسويات الهشة التي يعيش عليها الوضع الليبي الحالي.
اغتياله اذن لا يبدو مجرد نهاية رجل، بل نهاية احتمال. احتمال ان تنتقل ليبيا من منطق الفوضى الى منطق السياسة، ولو ببطء. وفي بلد منهك، قد تكون خسارة “الاحتمال” اقسى من خسارة الشخص. والاخطر من ذلك كله ان هذا الاغتيال يكرس مرة اخرى قاعدة مدمرة لانه في ليبيا، السياسة لا تحسم بصندوق ولا بدستور، بل تحسم بالرصاص .