في زمنٍ تتكاثر فيه المنابر وتعلو فيه الأصوات، يبقى السؤال الأعمق: ما قيمة الخطاب الديني إذا غاب عنه العدل، وما جدوى الوعظ إذا لم يحمل همّ الإنسان حيثما كان؟ فالمنبر ليس منصةً للحياد البارد، ولا مكانًا لانتقاء المظالم وفق الجغرافيا أو المزاج. المنبر أمانة، وشهادة، ومسؤولية لا يكتمل معناها إلا حين تُختبر في المواقف الصعبة.
وما وقع على الحدود المغربية–الجزائرية لم يكن سوى اختبار جديد من سلسلة اختبارات اعتادها المغاربة منذ عقود. اختبارات بدأت بمحاولات فصل المغرب عن صحرائه، وتواصلت عبر أشكال متعددة من الاستفزاز، شاركت فيها أطراف إقليمية معروفة، وأخرى يصعب حصرها في هذا المقام. ومع تكرار هذه الأحداث، صار البعض يتعامل معها كأنها “روتين سياسي”، بينما هي في حقيقتها مساسٌ مباشر باستقرار وطن، وبحقّ شعبٍ في أرضه وتاريخه.
في هذا السياق، كان المشهد الأخير واضحًا: فلاحون بسطاء تروّعت أسرهم، وحركة عدائية استهدفت مدنيين لا يملكون إلا أدوات الحرث، في لحظة ظنّ فيها البعض أن انشغال المغرب بالفيضانات سيترك حدوده مكشوفة. لكن التدخل السريع أعاد الأمور إلى نصابها. ورغم وضوح ما جرى، مرّ الحدث في صمتٍ كامل على منابر الجاليات المسلمة في أوروبا. منابر ترفع شعار «قول الحق ولو على النفس»، لكنها لم تجد كلمة واحدة حين تعلّق الأمر بمغاربة تروّعت أسرهم. لم يكن ذلك حيادًا، بل انتقائية مكشوفة: جرأة حين يكون الكلام بلا ثمن، وصمت حين تكون للحق كلفة.
والأعجب من الصمت هو ما يحدث خارج المنبر: تلتقي ببعض من يعتلون تلك المنابر، فيغدقون عليك العناق، وينعتونك بـ يا أخي، ويُسمعونك كلامًا معسولًا فيه من الشجون ما يكفي ليُشعرك بأنك أقرب الناس إليهم. لكن ما إن يتعلّق الأمر باستقرار بلدك، أو بحقّك في وحدة تراب وطنك، حتى يتبخر كل ذلك الدفء، ويُطوى ذلك “الإخاء” كأنه لم يكن. يمارس بعضهم عليك التقية الخطابية: يُظهر ما يضمن له البقاء على المنبر، ويُخفي ما يؤمن به، ويقيس كلماته بميزان المصلحة لا بميزان الحق.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: أي عقيدة تجمعني بمن ينكر حقي في وحدة تراب وطني؟ وأي أخوّة تُبنى مع من يصمت عن ظلمٍ يطال أبناء بلدي؟ وأي مبادئ تبقى حين يصبح العدل انتقائيًا، والحق خاضعًا لحسابات المكان والظرف؟ الأخوّة التي تنهار عند أول اختبار لا يُعوَّل عليها، والمبادئ التي تتبدّل بتبدّل الجغرافيا لا تستحق اسمها، ومن خذلك في حقك الأوضح، لن يقف معك في ما هو دونه.
ولعلّ مغاربة أوروبا اليوم بحاجة إلى لحظة تأمّل هادئة… لحظة يسأل فيها كل واحد منهم: أين أقف؟ ومع من أقف؟ وماذا يبقى من الخطاب حين يُختبر فعلاً لا قولًا؟
خاتمة الموقف: هوية لا تُباع وحقّ لا يُنتقى
وأنا أختتم هذا الكلام، لا أفعل ذلك من باب الانفعال، ولا من باب رفع الشعارات، بل من باب الوضوح الذي لا يترك مجالًا للالتباس. أنا مغربي، مسلم، عربي، أمازيغي. هويةٌ كاملة، لا تُجزّأ ولا تُنتقى منها الأجزاء التي تُناسب المزاج أو الحسابات. ومن لا يعترف بالظلم الذي تعرّضت له بلادي طوال خمسين سنة، ومن لا يجد في نفسه شجاعة كلمةٍ واحدة تُنصف حقّ المغرب في أرضه، ومن لا يستطيع ـ ولو بلسانه، وذلك أضعف الإيمان ـ أن يقول إن الاعتداء على وطنٍ ظلمٌ لا يُقبل… فلا داعي أن يدّعي أنه يتقاسم معي عقيدة، أو يجمعني به ميثاق أخوّة.
ولأصحاب المنابر، أولئك الذين يرفعون شعار قول الحق صباحًا، ثم ينتقونه مساءً، أقول بوضوح: كفاكم تبجّحًا بقول الحق وأنتم تنتقونه، وكفاكم حديثًا عن العدل وأنتم تُنزّلونه على من تشاؤون، وكفاكم ادّعاءً للأخوّة وأنتم تعجزون عن كلمة تُنصف وطنًا لم يظلمكم يومًا. فالمنبر الذي لا يقف مع الحق حين يكون مكلفًا، لا يحقّ له أن يعلّم الناس الشجاعة. والخطيب الذي يصمت عن ظلمٍ بيّن، لا يحقّ له أن يحدّث الناس عن التقوى.
هذه لحظة صدق، ولحظة فرز، ولحظة وعي يعرف فيها كل واحد منا أين يقف… ومع من يقف… حين يُختبر الموقف حقًا.