samedi 7 février 2026
كتاب الرأي

فتيحة الطالبي: «لو لم أكن ملكًا لكنت محاميًا»… حين يكرم الملوك المحاماة… و يضعفها وزير...

فتيحة الطالبي: «لو لم أكن ملكًا لكنت محاميًا»… حين يكرم الملوك المحاماة… و يضعفها وزير... فتيحة الطالبي

لم تكن عبارة «لو لم أكن ملكًا لكنت محاميًا» مجازا بروتوكوليا أو جملة عابرة قيلت للمجاملة، بل كانت موقفا ملكيا موثقا يختصر رؤية الدولة المغربية العميقة لمكانة المحاماة باعتبارها ركنا أصيلا من أركان العدالة.
ففي خطاب رسمي ألقاه الملك الراحل الحسن الثاني أمام أعضاء الأمانة العامة والمكتب الدائم لاتحاد المحامين العرب بقصر الضيافة بالرباط بتاريخ 24 ماي 1993، قال بالحرف: «إنني أقول لكم مرحبا بكم، أقولها ثلاثا: مرحبا بكم في بلدكم الثاني، ومرحبا بكم في بيتكم هذا، ومرحبا بكم عند قانوني مثلكم. إنني أعتز وأفتخر بتكويني القانوني، ولو لم أكن في المنصب الذي أنا فيه، لكنت دون شك فردا من أسرتكم النبيلة الشريفة المحترمة»... كلمات واضحة لا تحتمل التأويل، تعلن أن المحاماة ليست مهنة عادية، بل أسرة نبيلة وشريفة ومحترمة، وأن الانتماء إليها شرف ومسؤولية وطنية، لا مطلبا فئويا أو امتيازا نقابيا.
وسار الملك محمد السادس على النهج نفسه، حين خلدت له صورة تاريخية ببذلة المحاماة، تحولت إلى رمز معلق في مكاتب المحامين، لا بوصفها صورة تذكارية، بل باعتبارها شهادة سيادية على هيبة المهنة ودورها في دولة الحق والقانون. هكذا رآها الملوك: المحاماة حصن المواطن الأخير حين تضعف باقي الضمانات، وركن يوازن السلطة ولا يتبعها، وصمام أمان يحمي العدالة من الانحراف. غير أن المفارقة الصادمة اليوم أن وزير العدل عبد اللطيف وهبي -الذي ينتمي لهءه المهنة- يبدو وكأنه ينظر إلى المهنة بمنظار مغاير، بل مناقض لهذه الرؤية الملكية، وكأن المحاماة جهاز يجب ترويضه لا مؤسسة ينبغي تحصينها.

ويزداد هذا التناقض حدة حين نضعه في سياقه الوطني العام. فكيف يعقل، والمغرب يعيش لحظة مفصلية من تاريخه: سنة الحسم في ملف الصحراء، سنة الانفتاح الواسع على العالم، سنة تسويق الأوراش الملكية الكبرى، أن يعرض مشروع قانون يضعف أحد أعمدة العدالة الأساسية، فيبخس المهنة، ويهدم مكتسباتها، ويفرغها من هيبتها، ويقدم المحامي للرأي العام كعبء يجب ضبطه، لا كشريك أساسي في حماية الدولة والحقوق..
في زمن تحتاج فيه الدولة إلى دفاع قوي، مستقل، مهاب، يأتي مشروع يضعف الدفاع بدل أن يقويه، ويسوق ذلك بخطاب مغلوط يختزل إضراب المحامين في نزاع امتيازات، بينما الأمر في جوهره معركة حول حصانة الدفاع واستقلال المهنة.
والمفارقة الأشد إيلاما أن المحاماة المغربية كانت، تاريخيا، شامخة في أحلك الظروف. صمدت في زمن الجمر والرصاص، ودافعت عن الحريات رغم الكلفة، ولم تروض ولم تخضع، لا بالعصا ولا بالترهيب. فكيف يراد اليوم ترويضها في زمن الدستور والحقوق؟ وكيف تستهدف بالنصوص بدل القمع، وبالتقييد بدل المنع، حتى تتحول تدريجيا من مؤسسة دفاع إلى وظيفة تقنية؟ هذا المسار لا يمكن وصفه بالإصلاح، بل هو محاولة لتغيير طبيعة المهنة نفسها وتجريدها من روحها التاريخية.

وقد تجسدت هذه الحقيقة بوضوح في يوم جمعة الصمود، حين تحولت المهنة إلى موقف وطني جامع. آلاف الزميلات والزملاء قطعوا مئات الكيلومترات من أقصى الشرق والغرب والشمال والجنوب، في ظروف مناخية قاسية، لكن غيرتهم على المهنة هزمت الطقس والمسافة. شارع محمد الخامس اكتسى السواد، لا حدادا، بل احتجاجا. سواد بذل المحامين كان رسالة غضب ورفض لمحاولات ضرب هيبة الدفاع. هناك، في الشارع، اتضح جوهر المسألة: الدفاع ليس رفاهية ولا ديكورا مؤسساتيا، بل صمام أمان للمتقاضي، وتوازن أساسي في بنية الدولة.

ويتعمق القلق أكثر حين نصل إلى ملف المحامي الأجنبي، أحد أخطر ما يتداوله المشروع. فتح باب ممارسة المحامين الأجانب داخل المغرب دون إلزامهم بالانخراط في هيئة مهنية وطنية، والاكتفاء بعلاقة إدارية مع وزارة العدل، يطرح سؤالا سياديا صريحا: إذا وقع تجاوز أو إخلال، إلى من يلجأ؟ إلى النقيب؟ إلى الوزير؟ أم إلى الخارجية إن غادر المعني التراب الوطني؟ ولماذا لا تفرض قاعدة المعاملة بالمثل، كما يخضع لها المحامي المغربي عندما يرغب في ممارسة المهنة بالخارج؟
نحن مع الانفتاح، لكن ضد انفتاح يهين المحامي المغربي ويمنح للأجنبي وضعا أيسر وأقوى داخل وطن ليس وطنه. هذا مساس بالسيادة قبل أن يكون نقاشا مهنيا.
وجوهر كل ذلك أن استقلالية الدفاع ليست ترفا، بل حق دستوري وكوني.
المحاماة ليست مهنة تقنية محضة، بل وظيفة حقوقية جوهرها الاستقلال. المحامي لا يمكن أن يكون تابعا للسلطة التنفيذية، لأنه في لحظة النزاع قد يقف في مواجهتها دفاعا عن المتقاضي. كل مشروع يخضع المحاماة للوصاية والرقابة التنفيذية يحولها إلى وظيفة إدارية، ويلغي دورها التاريخي في الدفاع الحر والشجاع. وأخطر ما يمكن أن يصيب المواطن ليس محاميا يحتج، بل محاميا خاضعا منزوع الحصانة، لأن الحقوق لا تنتزع بدفاع ضعيف.
ومع ذلك، يسوق المشروع للرأي العام تحت شعار حماية أموال المواطنين من المحامين. والحقيقة التي لا تقال أن نظام صندوق الودائع المعمول به منذ 2009 لم يسجل شكايات ضد المحامين بخصوصه. فلماذا يستعمل هذا الملف اليوم لتخويف الناس؟ ولماذا لا يقال بوضوح إن الهدف هو سحب الصندوق من الهيئات المهنية وإلحاقه بالدولة، مع ما يرافق ذلك من اقتطاعات، من بينها الضريبة، من تعويضات المواطنين قبل تسلمها؟ هذا ليس حماية، بل إعادة تموضع للسلطة على حساب الاستقلال المهني وميزان الثقة.
وتنهار المصداقية أكثر حين نقارن هذا الخطاب بواقع السياسات العمومية. فإذا كان الوزير يرفع شعار حماية المال العام، فلماذا سحب قانون الإثراء غير المشروع؟ ولماذا حرم المغاربة من آلية «من أين لك هذا؟» لمساءلة كبار المتحكمين في المال العام؟ ولماذا لم تحل معضلة تنفيذ الأحكام القضائية ضد الدولة والجماعات الترابية، وهي ملفات بمليارات الدراهم، مات أصحابها وورثها الورثة دون تنفيذ؟ وبأي منطق يصرح وزير عدل من داخل البرلمان أن المغرب نظام رأسمالي وأن الطبقة البرجوازية تتحكم في القانون وأن التشريع في خدمة أصحاب المال؟ هل هذا خطاب مسؤول حكومي أم إقرار بانحراف وظيفة القانون؟ وكيف يحصن الفساد المالي وتمنع الجمعيات من التبليغ، مع أن المال العام هو مال الشعب؟ وإذا كان المتقاضي فعلا في قلب الإصلاح، فبأي حق تقتطع فوائد من ودائع المتقاضين في صندوق الإيداع والتدبير؟ وكيف نفهم التصريحات العلنية عن العجز أمام لوبيات عالمية تمس بثوابت المجتمع؟ هنا يسقط الادعاء بحماية المواطن، لأن الانتقائية تفضح النوايا.

ولا يمكن في هذا السياق إغفال ما صرح به الوزير نفسه يوم 21 نونبر 2025 بنادي المحامين ببوسكورة، حين قال صراحة: «إذا لم نتوافق لن أحيل القانون»، و«أنا محاميكم داخل جهاز عنيد ومعقد اسمه الدولة»، معترفا بعدالة مطالب المحامين ونبل دورهم في الدفاع عن الحرية والمحاكمة العادلة ودولة الحق والقانون، وسط تصفيق الحاضرين. فما الذي تغير بعد ذلك؟ هل عقد الاجتماع الموعود حول قانون المهنة؟ هل حسمت القضايا التي قيل إنها لا تزال معلقة؟ لماذا أُحيل المشروع على الأمانة العامة للحكومة دون توافق؟ ولماذا تحول خطاب التوافق إلى منطق تحد ومطالبة بالإثبات؟ هذه ليست تفاصيل عابرة، بل أسئلة تتعلق بالموثوقية والالتزام و المسؤولية.

وفي النهاية، يجب أن يكون الأمر واضحا: هذه ليست معركة فئوية. حصانة الدفاع حق للموكل قبل أن تكون امتيازا للمحامي. استقلالية المحاماة توازن للعدالة، وأي اختلال في هذا التوازن ينعكس مباشرة على المواطن. وتوسيع مجال عمل المحامي ضرورة واقعية، خصوصا بعد إدماج آلاف الزملاء في المهنة في سابقة تاريخية دون توفير أفق مهني كاف.
المحاماة مؤسسة من مؤسسات العدالة، ومن يصورها كمعارضة سياسية واهم، ومن يضعها في مواجهة الدولة واهم أكثر، لأن المعركة الحقيقية اليوم تدور حول معنى العدالة في بلدنا.
الملوك فهموا المحاماة وكرسوا مكانتها وهيبتها. فهل يراجع وزير العدل نظرته؟ أم أن التاريخ سيسجل أن من أضعف حصن الدفاع… كان يوما محاميا..؟
فتيحة الطالبي، محامية بهيئة طنجة