سلامٌ تامّ بوجود شمسٍ نطمح أن تشرق إشراقةَ أملٍ لإنقاذ رسالةٍ اختنقت بمكرِ من أعطته بكل وفاء.
ولأنّ للمطلع دلالاتٍ خاصة تخصّ قيمة الشيء، ولأنّ اللون الأبيض لا يزال أبيضَ مهما اسودّت النوايا، فإنني في مطلع هذه الكلمات أُصفّق احترامًا لكل الأشخاص، مهما اختلفت صفاتهم وشخصياتهم، الذين أدّوا الأمانة بأمانة، ومارسوا مهامهم بإتقانٍ ورعاية، فوعدوا وأوفوا بعهدهم، متخلّصين من كل عقلية بالية، متمرّدين على كل تبعية دالية، مستحضرين روح المسؤولية الغالية، فساندونا في معركة الكرامة، وجهروا بصوتٍ مسموع بكلمة الحق دفعًا للباطل.
وبعد،
نحن السادة المحامون، فأين أنتم مما نحن فيه الآن؟
نحن من دافع قيادمتنا عن استقلالية السلطة القضائية، أفرادًا ومؤسسات، فصاحوا بأعلى صوتهم دفاعًا عن استقلالية القضاة، ورفضًا لأي تبعية، مباشرة كانت أو غير مباشرة، مناضلين من أجل رفع رواتب السادة القضاة وتحسين ظروف عيشهم، مسجّلين مواقف ظلت مكتوبةً بمدادٍ من ذهب، فأين أنتم مما نحن فيه الآن؟
نحن من كنا سبّاقين، عبر مؤسساتنا، إلى المساهمة في جميع الصناديق التي طرحتها الدولة في كل الكوارث والأوبئة التي مرّت بها بلادنا، مضحّين فرادى وجماعات بالغالي والنفيس من أجل ذلك، ضاخين أموالًا تعود في تراتبيتها لما نؤديه من انخراط واشتراك ودمغة، وما يُفترض أن نستفيد منه من فوائد، مُعلين أولوية حماية الوطن وسلامة المواطنين فوق كل اعتبار مادي أو ربحي، فأين أنتم مما نحن فيه الآن؟
نحن من ناضلنا بصوت الشعب والأمة ضد فرض جواز التلقيح من أجل التنقل والولوج إلى الإدارات العمومية ومؤسسات الدولة، نيابةً عن كل المواطنين والمواطنات، من دون أساس قانوني وحقوقي سليم، حتى كلّفنا الأمر التوقف الشامل عن العمل ومقاطعة الصناديق، والاصطدام مع المؤسسات، وما يصاحب ذلك من آثار مادية ومهنية، ومسؤوليات مدنية وتأديبية، فأين أنتم مما نحن فيه الآن؟
نحن من خرجنا تباعًا، وهرولنا جماعةً نحو الرباط، وقوفًا وجلوسًا، واعتصامًا وإضرابًا عن الطعام صباحَ مساء، من أجل التعبير عن الرفض المطلق للمقتضيات الضريبية التي مسّت بشكل مباشر جيوب المتقاضين، ورفعت من قيمة الرسوم التي سيؤديها المواطن، إيمانًا منا بأن صوت الدفاع من صوت المواطن، وأن رسالة المحاماة خُلِقَت كونيًا لهذه الغاية، فأين أنتم مما نحن فيه الآن؟
نحن من نظّمنا ندوات ولقاءات واحتجاجات، ورفضنا جملةً من القوانين المسطرية والموضوعية التي تضرب في صميم حقوق المواطنين المكفولة دستوريًا، وتمنعهم من ممارسة الإضراب واللجوء إلى القضاء بشكل مستنير، وتقيّد طعونهم مدنيًا، بل وتقيّد حرياتهم جنائيًا، مما أثّر بشكل جلي على مجموعة من النصوص، فغُيّرت بنياتها وأُعيد النقاش فيها، لتصل إلى حدٍّ من النجاعة التي ستستفيدون منها بالدرجة الأولى، فأين أنتم مما نحن فيه الآن؟
نحن من، يا طلبة الطب، حضرنا مسيراتكم وشاركنا في احتجاجاتكم، وأصدرنا بيانات للتضامن معكم، ثم آزَرنا المعتقلين منكم تقديمًا وجلساتٍ وطعونًا، فأين أنتم مما نحن فيه الآن؟
نحن يا أيها الأساتذة المتعاقدون من قمنا بالتضامن اللامشروط والمطلق مع حقوقكم المشروعة، منددين بالقمع الذي تعرضتم له، ومعارضين للاعتداءات الجسيمة التي أوقفت بها مسيراتكم السلمية، فآزرناكم تباعا في مساطركم، وتقدمنا بما يستوجبه الواجب من أجل الطعن بالالغاء في مقررات تأديبكم، فأين أنتم مما نحن في الآن؟
نحن، يا “جيل Z”، من عبّرنا بصوتٍ مسموع وبوجهٍ مكشوف عن تضامننا مع قضيتكم العادلة، ومطالبكم المشروعة، فاتخذنا موقف تتبع ملفاتكم أمام القضاء، فحضر المحامون بجانبكم في جميع الجلسات، وفي مختلف محاكم المملكة، ولا تزال المساطر رائجة إلى حدود يومه، يحضر فيها الزملاء مجانًا للمحاكمات التي تمتد لساعات طوال، من دون كلل ولا ملل، مؤمنين بأن حق الدفاع يبقى مكفولًا لكل القضايا العادلة مهما اختلفت مواضيعها، فأين أنتم مما نحن فيه الآن؟
لا يتّسع المقام لذكر المزيد، لكن الأكيد، أنّ أصحاب البدلة السوداء كانوا، ولا يزالون، وسيبقون دائمًا وأبدًا حاضرين من أجلكم، مرافعين عن قضاياكم العادلة، متشبثين بحق الدفاع الذي ينوبون فيه عليكم، تعريفًا بالمحاماة، وتفعيلًا للرسالة، وإخلاصًا في العمل، متشبثين بعبارات القسم؛ فالمحامي يولد محاميًا، على أمل أن يأتي يومٌ فتصنعكم الأيام…
فخصي معاذ، محام بهيئة الدار البيضاء، دكتور في الحقوق.