vendredi 6 février 2026
كتاب الرأي

إدريس الأندلسي: أمطار خير وجيل أخضر وتفاقم الميزان التجاري الغذائي.. في ظل مستفيدين قلة ينكرون نعمة المال العام

إدريس الأندلسي: أمطار خير وجيل أخضر وتفاقم الميزان التجاري الغذائي.. في ظل مستفيدين قلة ينكرون نعمة المال العام إدريس الأندلسي

تفاءل المغاربة قبل حوالي 18 سنة حين انطلق مشروع المغرب الأخضر. كانت الأهداف كبيرة، وأهمها تحويل الفلاحة في المغرب لكي يزيد الإنتاج والتشغيل، وتتراجع الفوارق بين الفلاح الكبير والفلاح الذي يعيش على الكفاف. ارتفعت الأرقام في مجال الاستثمار، وخصوصًا العمومي، لتتجاوز 100 مليار درهم. وارتفع دعم الدولة لكبار الفلاحين بشكل كبير، بالإضافة إلى كرم ضريبي غير مسبوق. زاد دعم التصدير عبر تمويلات سلاسل الإنتاج النباتي والحيواني، ولم تصل خيرات هذا الأخضر الذي كان “مغربًا” فأصبح “جيلًا” لكي تصل إلى الفلاحة التي تُسمى تقليدية، خُصص لها برنامج رفع شعار “الفلاحة التضامنية”.
 

ارتفعت أرقام الصادرات، وارتفعت أيضًا وارداتنا من المواد الغذائية لتتجاوزها، ونتج عن هذه الارتفاعات عجز تجاوز 8 مليارات درهم في 2025. تم خلق مناصب شغل لم تصل إلى خلق 1,5 مليون منصب شغل في القطاع الفلاحي. وظلت الفوارق الاجتماعية والمجالية تعكس ضعف دعم الفلاحة التضامنية، وتكتب عنوان المغرب الذي يسير بسرعتين. يغتني المصدِّر صاحب الاستهلاكيات الكبرى المستفيدة من أموال دافعي الضرائب، ويكتوي ذوو الدخل المحدود يوميًا بأسعار الخضر والفواكه واللحوم والأسماك.
 

يتمنى كل متابع لهذا الموضوع أن يتم البحث في نتائج كرم الدولة، عبر صندوق التنمية الفلاحية والنفقات، وربطها بنتائج السياسة الفلاحية مقارنة بأهدافها سنة 2008، وبمن كان المستفيد الأكبر منها. لا يمكن أن يتم تقييم سياسة عمومية من خلال أرقام جوفاء لا تتعلق بالتشغيل وبقدرة المواطن على الولوج إلى السوق، وخصوصًا بضمان الأمن الغذائي لبلادنا. ولكن مستوى استيرادنا للمواد الغذائية لا يشكل عنصر اطمئنان على مسار سياسة عمومية تم احتضانها بسخاء كبير.
 

لا يوجد أي مغربي لم تسكن قلبه فرحة برجوع موسم الأمطار إلى ديارنا وأراضينا. عمت البهجة والحبور كل ربوع الوطن. قد يكتشف جيل “الجفاف والأزمات” هذا الوضع الجديد بكثير من الاندهاش، وقد يجب أن ننعش أمله، بعد سنوات عجاف، بمعلومات عن علاقات جميلة للمغاربة مع الأمطار والثلوج، ومع جريان الأنهار وامتلاء السدود. لم نكن نطرح أسئلة كثيرة عن شح المياه قبل ستين سنة، وذلك رغم تعاقب فترات جفاف لم تؤثر كثيرًا على علاقاتنا بالبرد والرعد والثلوج وعواصف الخريف والشتاء.
 

كان جيلنا السبعيني يعيش الفصول الأربعة بكل ألوانها، كما كان يعرف أن الفقر والتهميش لا تؤثر فيه اختيارات أصحاب قرارات صنع التهميش. حصلنا على استقلال البلاد، وظلت الثروات الفلاحية بين أيدي تلك الأقلية التي كرست الفوارق المجالية والاجتماعية. نعم، استمرت بلادنا في سياسة بناء السدود، ولكن الفرق بين “المغرب النافع” و“المغرب غير النافع” ظل جاثمًا على واقع الحدود بين أبناء الوطن الواحد.
كان من اللازم التذكير بأن المطر، وما يتيحه من خيرات، يوجد في قلب بنيات الحكامة والتحكم في الأرض وفي إنتاج أو عدم إنتاج قوانين تملك أهم آلية للإنتاج الزراعي، وهي تملك الأراضي. قال أحد من سبقوا المارشال اليوطي إلى المغرب، ما معناه أن التحكم في إدارة المغرب يخضع للأمطار. ولا يمكن أن نعزل هذا الكلام عن مبتغى الاستعمار الفرنسي والإسباني، اللذين كان همهما استغلال ثروات كل البلدان التي استعمروها.
 

ولكن عقلية المستعمر استمرت، بعد الاستقلال، عبر الاستيلاء على الأراضي، وتمكين فئة من المغاربة من لعب دور ذلك المستعمر في إعادة إنتاج التفاوتات المجالية والاجتماعية. وهكذا أصبح أكبر همنا، والمقصود هم المستفيدون من تركة الاستعمار، هو تصدير خيرات أراضينا لأسواق خارجية بأسعار مربحة لأقلية، لكنها أكثر ردعًا للقوة الشرائية لذوي الدخل المحدود في أسواقنا الداخلية.

 

وهكذا أصبح الميزان التجاري الغذائي المغربي يسجل عجزًا بلغ في نهاية 2025 ما قدره حوالي 8 مليارات درهم. نصدر خضرًا وفواكه وأسماك وبعض الأغذية المصنعة بقيمة تعادل حوالي 87 مليار درهم، وتظهر أرقام الاستيراد أن التكلفة تجاوزت 94 مليار درهم. وتضم هذه التكلفة استيراد لحوم وحبوب ومنتجات غذائية أخرى. ويا ليت المعطيات الجمركية، وتلك التي لدى مكتب الصرف، تفصل مكونات ما يسمى “بالمنتجات الأخرى”. ولا أظن أن أغلبها منتجات تتوجه لتغطية حاجيات غذائية تهم الفئات الاجتماعية ذات الدخل المحدود.
فهنيئًا لمستوردي الكافيار والسلمون والأنواع الفاخرة من الأطباق والمشروبات التي تنعم بها فئات من الداخل والخارج، والتي تساهم في ثقل فاتورة الاستيراد.
 

وبالرجوع إلى الأمطار الغزيرة التي رجعت إلى بلادنا بعد غياب طويل، لا يجب أن ننسى أن آثارها الإيجابية كبيرة. ستمتلئ السدود، وتتوفر مياه الشرب، وستتوفر مياه السقي للفلاحة. وسيستفيد الكثيرون من منتجي منتجات توجه أساسًا للمستهلك الأوروبي والأمريكي وحتى الآسيوي والأسترالي. وسيشكو ذلك المواطن الذي عانى من الفيضانات ويصبر.
وستظل الفوارق الاجتماعية والمجالية تفرض على الدولة، بكافة مواردها المؤسساتية والبشرية، أن تقوم بدورها الطبيعي في مواجهة الأزمات. وستمر الفيضانات، وسيزدهر معها إنتاجنا من الخضر والفواكه. ولكن الثابت هو أن الاستهلاكيات الكبرى ستتوجه إلى الاستجابة لمتطلبات المستهلك الأجنبي في البدء، قبل أن تفكر في رفع المعاناة عن المستهلك المغربي ذي الدخل المحدود.
 

ستستمر هذه الاستهلاكيات في الخضوع لضريبة خفيفة جدًا، وفي الاستفادة من صناديق دعم الإنتاج كيفما كان الطقس، وكيفما كانت آثار الفيضان أو الجفاف على كثير من مناطق المغرب. لن تتراجع أسعار الخضر والفواكه، ولن تتراجع أسعار اللحوم البيضاء والحمراء، ولن تتراجع أسعار الأسماك، وذلك بسبب إصرار تلك الفئة القليلة من المستفيدين على عدم التراجع عن حصتها الكبيرة من خيرات الوطن.
وسيستمر الكرم الحكومي المتحكم في المال العام في إعادة إنتاج ما تم من دعم مالي لمستوردي اللحوم. وسنرى ذلك مجددًا، ونتمنى أن لا يتجدد، خلال الشهور القليلة التي تفصلنا عن عيد الأضحى. وإلى ذلك الحين، فكيلوغرام لحم الغنم تجاوز 130 درهمًا. وأدام الله علينا نعمة مطر تواكبها حكامة تحاكم السماسرة والذين يريدون بالوطن شرًا.
 

تذكرت يومًا حللت فيه بسوق الخضر والفواكه، ولاحظت نوعًا من البهجة على محيا البائع والمشتري. تراجعت آنذاك أسعار الطماطم، وكان السبب الأول يرتبط بتعرض المنتجين الإسبان والفرنسيين على عبور تلك الطماطم، بينما ارتبط الثاني بتعرض أوروبي على مستوى استعمال مبيدات غير مرخصة. ورغم كل هذا، شهدت الأسواق مناورة إدخال وإخراج الطماطم من أسواق الجملة في اتجاه أسواق التصدير.
وسيظل السؤال المركزي مرتبطًا بالهدف الأكبر للسياسة الفلاحية: هل نريد أن نستجيب أولًا للمستهلك المغربي، أم لذلك الذي يوجد خارج حدودنا؟ خصص المغرب الأخضر والجيل الأخضر كثيرًا من المال العام لكي يستفيد المغاربة من ولوج غير صعب إلى السوق، وانهارت الأحلام أمام سيطرة تجار الأزمات. وكانت النتيجة أن اكتشفنا أنه لا يوجد إحصاء حقيقي للقطيع في بلادنا، وكانت الصدمة الكبرى في استفادة قلة من كرم الحكومة خلال عيد الأضحى وبعده. وظل قرار المستفيدين فوق القرار السياسي الذي رفض تكوين لجنة رقابة برلمانية.