vendredi 6 février 2026
كتاب الرأي

منير لكماني: فتنة التقليد

منير لكماني:  فتنة التقليد منير لكماني

أخطر ما قد يصيب الوعي أن يخلط بين التعلم والإنمحاء، وبين الإستفادة والإرتهان. فهناك فرق واسع بين أن تنفتح العين على تجارب البشر كلها، وبين أن تستقيل الروح من حقها في السؤال، فتسلم مفاتيح الحكم لمرآة واحدة، وتتعامل معها كأنها ميزان الكون الوحيد. عندئذ لا يعود الإعجاب محطة عابرة، بل يصير عادة يومية، تتسلل إلى البيت، والمدرسة، والشارع، وحتى إلى طريقة الضحك واللباس واللغة.

 

عدسة مائلة

تبدأ الظاهرة غالبا من زاوية بريئة: رغبة في التطور، نفور من التعثر، شوق إلى نظام أو كفاءة أو رفاه. لكن العدسة تميل حين يتحول التقدم إلى صورة جاهزة، وحين يصبح السؤال: كيف نكون مثلهم؟ بدل: كيف نبني ما يلائمنا؟ هنا يولد الإنبهار الذي لا يراجع نفسه، ويكبر معه شعور خفي بالدونية، كأن القيمة لا تكتمل إلا بختم قادم من خارج المجال.

 

بريق الواجهة

الواجهة براقة: مدن مرتبة، خدمات دقيقة، مؤسسات تبدو صلبة، وقوانين توحي بالإنصاف. غير أن الواجهة ليست كل القصة. فالتجارب الإنسانية مركبة، وفي كل نموذج نجاحات وإخفاقات، مزايا وحدود. اختزال حضارة كاملة في شوارع نظيفة أو تقنيات حديثة يشبه الحكم على كتاب من غلافه. وحين يتضخم الغلاف في أعيننا، يتقلص ما لدينا من تفاصيل حية: علاقات الجوار، دفء العائلة، هيبة الكبير، وحرمة البيت.

 

ثمن صامت

الإستيراد غير النقدي لا يأتي وحده، بل يحمل معه أثمانا لا تظهر في البداية. قد يتغير معنى الكرامة إلى معنى الإستهلاك، ويصير الإنسان قيمة بقدر ما يملك لا بقدر ما يكون. قد تضعف الروابط لصالح فردانية حادة، ويتبدل مفهوم الحرية من نضج ومسؤولية إلى رغبة بلا سقف. هذه التحولات لا تقع بضربة واحدة، بل تتراكم مثل غبار دقيق: لا يلفت الإنتباه، لكنه يخنق الهواء مع الزمن.

 

لغة السوق

أشد القنوات تأثيرا ليست الخطب ولا الكتب، بل الإعلانات والشاشات واللغة اليومية. حين تصير الكلمات الأجنبية علامة وجاهة، وحين يتحول اللسان إلى زينة إجتماعية، يبدأ المعنى في الإنسحاب. فاللغة ليست أصواتا فقط، بل ذاكرة وذوق ونظام تفكير. ومع كل تنازل صغير بدعوى الموضة أو العصرية، نخسر جزءا من القدرة على تسمية أشيائنا بأسمائها، ونفقد ثقة هادئة بأن لدينا ما نقوله بطريقتنا.

 

مناعة ووعي

لا علاج لهذه الظاهرة بالصراخ ولا بالتخويف، بل ببناء مناعة ثقافية تشبه مناعة الجسد: تعرف ما ينفع فتأخذه، وتعرف ما يضر فتتركه، دون عقدة ولا تعال. المناعة تعني تربية ذوق نقدي: نسأل عن خلفيات الأفكار قبل تبنيها، وعن آثارها في الأسرة قبل الإحتفاء بها، وعن ثمنها النفسي قبل تسويقها. تعني أيضا الإعتراف بأن لدينا أزمات حقيقية تحتاج إصلاحا عمليا: مدرسة تحترم العقل، وإعلاما لا يبيع الوهم، وإقتصادا يكرم الجهد، وفضاء عاما يحمي السكينة.

 

طريق ثالث

الإنفتاح الذكي ليس ترديدا أعمى ولا رفضا أعمى. هو طريق ثالث: أن نتعلم من تجارب الأمم في الإدارة والبحث والطب والصناعة، وأن نحتفظ بعمودنا الأخلاقي والاجتماعي الذي يحفظ التوازن. أن نأخذ التقنية دون أن نستورد معها احتقار الذات. أن نعجب بالإنجاز دون أن نؤله النموذج. فالتقدم الحقيقي لا يطلب منك أن تمحو وجهك كي تلبس وجها آخر، بل أن تهذب وجهك وتضيئه.

 

جرس التنبيه

حين تهدأ الضوضاء ويبقى الجوهر، تظهر الأسئلة التي لا مفر منها: هل نريد مستقبلا يشبهنا أم صورة نلحق بها بلا نهاية؟ ما الذي نخسره حين نربح سرعة الاستهلاك؟ وأي بيت سيبقى إذا تبدلت معاني الحياء والحدود والاحترام إلى تفاصيل قديمة؟ ثم سؤال أدق: كيف نربي أبناءنا على الثقة بالنفس، وهم يرون القيمة معلقة دائما بما يأتي من الخارج؟ وهل نملك شجاعة أن نقول: نعم نتعلم، لكننا لا نذوب؟