dimanche 1 février 2026
منبر أنفاس

برعلا زكريا: هوس عالمي بـإعادة ضبط الحياة.. بينما يملك المسلمون الشيفرة الأصلية منذ 14 قرنا

برعلا زكريا: هوس عالمي بـإعادة ضبط الحياة.. بينما يملك المسلمون الشيفرة الأصلية منذ 14 قرنا برعلا زكريا

سجلت تدوينة لمستشار رقمي أمريكي حول كيفية إصلاح الحياة بالكامل في يوم واحد أكثر من 156 مليون مشاهدة على منصة إكس، كاشفة عن حالة عطش عالمي وهوس جماعي بالبحث عن طوق نجاة وسط أمواج المشتتات الرقمية، إذ يقدم الكاتب وصفة تعتمد على العزلة المؤقتة وممارسة إعادة الضبط الذهني، وهي تقنيات تبدو في ظاهرها ثورية وحديثة، لكن تفكيكها يعيدنا مباشرة إلى أبجديات المنهج الإسلامي في التربية والسلوك التي سطرها العلماء قبل قرون، وتناولوا فيها ميكانزمات تغيير النفس بدقة تتجاوز ما يطرحه رواد التنمية الذاتية الجدد.

 

ينبني الطرح الغربي المثير للإعجاب على فكرة نسف القرارات التقليدية واعتبارها غبية لأنها تركز على تغيير الأفعال السطحية دون المساس بجوهر الهوية، مقترحا ما سماه الرؤية المعاكسة التي تقوم على تخيل سيناريو الكارثة والفشل لتحفيز الدماغ على الهروب من الجحيم المتخيل. يتطابق هذا المبدأ كليا مع قاعدة التخلية قبل التحلية في التراث السلوكي، ومع أسلوب القرآن في الترهيب وذكر الموت وسوء المصير كأقوى محفز بيولوجي ونفسي لردع النفس عن غيها، حيث يعتبر استحضار الخطر الوجودي في الدنيا والآخرة الخطوة الأولى لهدم الأصنام النفسية القديمة قبل البدء في بناء العادات الجديدة.

 

يأتي هذا النقاش العالمي حول التغيير متزامنا مع استعداد المسلمين لاستقبال شهر رمضان، الذي يعد أكبر دورة تدريبية مكثفة لإعادة الضبط الذهني والروحي، فما يقترحه الكاتب الأمريكي نظريا حول العزلة والتركيز، يطبقه المسلم عمليا طيلة شهر كامل عبر منظومة الصيام التي تكسر روتين الطعام والنوم والكلام، وتجبر النفس على الخروج من منطقة الراحة البيولوجية إلى فضاء الارتقاء الروحي، مما يثبت أن التغيير الجذري ليس مجرد نظريات تسوق، بل هو ممارسة ميدانية تعيد صياغة العلاقة بين الروح والجسد.

 

يقترح الخبير الأمريكي تحويل الحياة إلى لعبة فيديو عبر تقسيم الأهداف الكبرى إلى مهام يومية صغيرة ومحددة، وهو ما يتقاطع مع النظام الصارم الذي وضعه الإسلام لإدارة الوقت والطاقة عبر الصلوات الخمس، التي تعمل كمحطات شحن إجبارية تقسم اليوم وتمنع الغرق في المادية، حيث تحول الشعائر التعبدية الروتين اليومي إلى مسار متصاعد، وتمنح الفرد فرصة للمحاسبة الدورية خمس مرات في اليوم، ما يضمن استمرار الاتصال بالهدف الأسمى ويكسر رتابة التكرار الآلي الذي يعاني منه الإنسان الغربي في المجتمعات الرأسمالية.

 

ركزت المنهجية الأمريكية على ضرورة تغيير نظام التشغيل الداخلي للإنسان بدل الاكتفاء بتغيير التطبيقات الخارجية، وهي الفكرة التي فصل فيها المفكر مالك بن نبي حين أكد أن تكديس الأشياء لا يصنع الحضارة ما لم يتغير الإنسان نفسه، وهو ما يتوافق مع المنهج النبوي الذي ركز طيلة الفترة المكية على بناء شخصية الصحابي وصياغة عقيدته وتصوراته للكون والحياة قبل تنزيل التشريعات، فالإصلاح الحقيقي يبدأ من الداخل، ومن تغيير القناعات والتصورات التي تحكم السلوك، وليس عبر مجرد تعديلات شكلية سرعان ما تزول أمام أول اختبار.

 

تضع هذه المفارقة النخب الفكرية والدينية أمام مسؤولية تاريخية لاستخراج الكنوز المعرفية والسلوكية من بطون الكتب وإعادة صياغتها بلغة العصر الرقمي، لتقديم بديل حضاري متكامل ينقذ الشباب من التيه، بدلا من تركهم فريسة لنظريات غربية تعيد اكتشاف العجلة وتبيع لهم بضاعة هي في الأصل جزء من ميراثهم الحضاري الذي علاه الغبار بسبب التقصير في العرض والتحديث.