jeudi 5 février 2026
كتاب الرأي

المصطفى المريزق: حزب الاستقلال.. اختبار السياسة في زمن اللايقين

المصطفى المريزق: حزب الاستقلال.. اختبار السياسة في زمن اللايقين المصطفى المريزق

نعي جيدًا أن فئات واسعة من شباب اليوم لم تتح لها، في الغالب، فرصة حقيقية للتحاور مع حزب الاستقلال، أو لفهم موقعه الراهن داخل المشهد السياسي المغربي. ومن هنا تبرز أسئلة وجودية ومشروعة:
ماذا تبقّى اليوم من حزب الاستقلال؟
هل لا يزال يتوفر على شروط الاستمرار والتجدد؟
أم أنه بات مطالبًا بمراجعة عميقة لأدواته، وخطابه، ووظائفه السياسية؟

بعد الحوارات التي دشّنّاها مع كلٍّ من حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وحزب التقدم والاشتراكية، نفتح اليوم، في هذه الحلقة الجديدة من سلسلتنا الحوارية- الأولية، نقاشًا هادئًا ومسؤولًا مع حزب الاستقلال، في إطار مساهمتنا المتواضعة في إغناء النقاش العمومي حول القضايا السياسية الراهنة، في ظل ما تواجهه السياسات العمومية من تحديات وإكراهات متزايدة.

ويأتي هذا الحوار في سياق وطني دقيق، تميّز خلال الآونة الأخيرة بتساقطات مطرية كثيفة، وما نجم عنها من فيضانات واسعة شملت عددًا من المدن والجهات، ولا سيما مدن الشمال، والريف، وجبالة، وجهة الغرب. ومن بين هذه المدن، تعيش مدينة القصر الكبير شمال المغرب حالة طوارئ حقيقية، عقب الارتفاع المقلق لمنسوب مياه وادي اللوكوس، ووصول سد وادي المخازن إلى طاقته القصوى، بما يهدد الأحياء السكنية ويعطّل حياة السكان والمرافق الحيوية. ولم يكن في الحسبان، ونحن نُعدّ لهذه السلسلة من الحوارات السابقة على زياراتنا الميدانية للأحزاب، أن تتزامن مع أحداث مؤلمة بهذا الحجم، تعيد إلى الذاكرة فاجعة زلزال الحوز وكوارث طبيعية أخرى، وتطرح مجددًا أسئلة الدولة الاجتماعية، والحكامة، والجاهزية المؤسساتية.

إن حزب الاستقلال، باعتباره أحد مكونات الأغلبية الحكومية الحالية، وأحد أعرق الأحزاب الوطنية، يحتل موقعًا مركزيًا في تاريخ الدولة المغربية الحديثة. فقد تأسس في أربعينيات القرن العشرين، ولعب دورًا بارزًا في مقاومة الاستعمار الفرنسي، وارتبط ميلاده السياسي بتقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال في 11 يناير 1944، التي شكّلت محطة مفصلية في التاريخ السياسي للمغرب.

كما شارك الحزب في معظم الحكومات المتعاقبة منذ الاستقلال سنة 1956، وأسهم في تدبير الشأن العام عبر مراحل مختلفة: من الستينيات والسبعينيات، إلى الثمانينيات، ثم حكومة التناوب (1998)، وحكومة عباس الفاسي (2007–2011)، ومشاركته في حكومة 2012 قبل انسحابه منها، وصولًا إلى مشاركته في الحكومة الحالية. وكان أيضًا طرفًا أساسيًا في تجربة الكتلة الديمقراطية، ووقّع، إلى جانب الاتحاد الاشتراكي، مذكرات تاريخية طالبت بإصلاحات سياسية ودستورية خلال سنتي 1991 و1996.

ومن الناحية الفكرية، يمزج حزب الاستقلال، عمليًا، بين النزعة المحافظة والاختيارات الليبرالية، وهو ما يثير تساؤلات مشروعة حول تطور خطابه السياسي، وقدرته على التفاعل مع التحولات الاجتماعية والثقافية العميقة التي يعرفها المغرب اليوم.

وانطلاقًا من ذلك، فإن هذا الحوار المفتوح لا يروم لا التبجيل ولا التبخيس، بل يسعى إلى فتح نقاش هادئ ومسؤول حول العلاقة بين علم التاريخ وعلم السياسة، وحول كيفية قراءة التجربة الاستقلالية بين الذاكرة الوطنية والممارسة السياسية الراهنة.
فهل يتيح حزب الاستقلال هذا النقاش الهادئ؟
وهل يفتح المجال لنقد إخفاقاته، كما لتثمين نجاحاته، بكل جرأة وصدق؟

ما يهمّنا، في نهاية المطاف، هو أن يقدّم حزب الاستقلال حصيلة صادقة وأمينة لمساره التاريخي والسياسي، وأن يفتح أبوابه للنقاش والتواصل مع الأجيال الجديدة، بما يُسهم في بناء حوار عمومي مسؤول، يعزز الشرعية الفعلية للعمل السياسي من منظور مدني، حقوقي وثقافي.

ونعتبر هذا، بالنسبة إلينا، مسؤولية فكرية ومجتمعية لا يمكن التنصّل منها. فحزب الاستقلال هو جزء من حكومة الأغلبية، ومكوّن أساسي فيها، ويتولى الإشراف على واحدة من أهم الوزارات التي تمر اليوم بامتحان عسير، في ظل ما يشهده المغرب من فيضانات وكوارث طبيعية. صحيح أن اللحظة الراهنة ليست زمن المحاسبة أو تحديد المسؤوليات القبلية والآنية، بل هي زمن التضامن، المؤسساتي والمدني والإنساني، من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وتفادي زهق الأرواح. أما الممتلكات، فلم يعد أحد يتحدث عنها، وللأسف ستُفرز هذه الكوارث كوارث اجتماعية متعددة، ستكون لها آثار خطيرة على حقوق الإنسان وكرامة المواطنين.

لقد كانت، ولا تزال، لنا مع العديد من مناضلات ومناضلي حزب الاستقلال علاقات احترام وتقدير، والتقينا معه، على امتداد أكثر من أربعين سنة، في محطات محلية وجهوية ووطنية متعددة. وخلال العقد الأخير، ناقشنا معه رؤية حركة قادمون وقادرون- مغرب المستقبل. وها نحن اليوم نُجدّد فتح هذا الحوار، بهدف تنوير الرأي العام، ونسائله عن برنامجه، وعن تصوره لمناهضة التفاوتات الاجتماعية، ولتحقيق العدالة المجالية وفعليّة الحقوق.

إن هذا المطلب يشكّل جوهر رؤيتنا المدنية للمشاريع السياسية التي ينبغي على الأحزاب أن تشرحها للمجتمع. واليوم نخاطب حزب الاستقلال بلياقة الحوار، وبالاحترام الذي يليق بتاريخ الحزب ومكانته. فمن حق جيل اليوم أن يتساءل عن الحصيلة التاريخية لحزب الاستقلال سياسيًا، واقتصاديًا، واجتماعيًا، وثقافيًا، وبيئيًا.

وفي زمن الأزمات وثورة التواصل، يصبح فتح هذا الحوار تجسيدًا لما نؤمن به من مشاركة مدنية وحقوقية إلى جانب الفاعل السياسي، من أجل تأسيس علاقة مسؤولة، رصينة ومثمرة، بعيدة عن السبّ والقذف، والتبخيس، والسفاهة، وتصفية الحسابات السياسية الضيقة.
يتبع

المصطفى المريزق، فاعل مدني، مؤسس الطريق الرابع