لم تعد التساقطات المطرية التي يشهدها إقليم الحسيمة حدثًا طبيعيًا يُستقبل بمنطق المفاجأة، بل أصبحت اختبارًا متكررًا يفضح، في كل مرة، هشاشة التدبير المجالي، ويضع السياسات العمومية أمام مسؤولياتها الحقيقية تجاه المناطق الجبلية.
ففي صنهاجة، كتامة، إساكن، عبد الغاية السواحل، بني أحمد، تمساوت وتغزوت، يتكرر السيناريو ذاته: طرق تنقطع، دواوير تُعزل، مساكن تتضرر، وخدمات أساسية تتوقف. مشاهد لم يعد من المقبول تبريرها بعامل الطبيعة أو قساوة التضاريس، بقدر ما تطرح أسئلة جوهرية حول جدوى برامج فك العزلة، وفعالية الاستثمارات العمومية، وأين تُصرف الاعتمادات المرصودة باسم التنمية القروية.
إن ما يحدث اليوم ليس أزمة ظرفية، بل نتيجة اختلالات بنيوية راكمتها سنوات من التخطيط غير المتكافئ، وضعف إدماج البعد المناخي في السياسات الترابية، وغياب مقاربة وقائية حقيقية تحمي الإنسان قبل البنية، والكرامة قبل الأرقام.
ورغم الجهود التي تُبذل ميدانيًا في لحظات الطوارئ، فإن منطق التدخل بعد وقوع الضرر لم يعد كافيًا ولا مقبولًا. فإلى متى ستظل الساكنة الجبلية تؤدي ثمن التأخر في اتخاذ القرار؟ وإلى متى سنكتفي بردود الفعل بدل سياسات استباقية مسؤولة؟ ومن يتحمل مسؤولية تكرار الخسائر مع كل موسم مطري؟
ومن موقع المسؤولية الجهوية، فإن المرحلة تستدعي خطابًا صريحًا لا يهادن، ويضع المساءلة في صلب النقاش العمومي. فالتنمية الترابية لا تُقاس بعدد المشاريع المعلنة، بل بقدرتها على الصمود أمام الأزمات، وحماية المواطنين في أوقات الشدة، وضمان حقهم في السلامة والتنقل والعيش الكريم.
إن إقليم الحسيمة لا يحتاج إلى مزيد من الوعود، بل إلى قرارات جريئة، وإلى إعادة ترتيب الأولويات على أساس العدالة المجالية، وربط المسؤولية بالمحاسبة في كل ما يتعلق بتدبير المخاطر الطبيعية والبنيات التحتية بالمناطق الجبلية.
فالطبيعة قالت كلمتها… وحان الوقت لأن تقول السياسة كلمتها بوضوح ومسؤولية.
جيهان الخطابي، نائبة رئيس جهة طنجة–تطوان–الحسيمة