في سياق الجدل الذي أعقب نهائي كأس إفريقيا، وما رافقه من تصاعد خطابات وسلوكات معادية للمهاجرين الأفارقة جنوب الصحراء على منصات التواصل الاجتماعي، يقدّم نوفل البعمري، المحامي ورئيس المنظمة المغربية لحقوق الإنسان، قراءة حقوقية لهذه الظاهرة، محلّلًا أبعادها الرقمية والسياسية، ومحذّرًا من مخاطر توظيف الرياضة والهجرة في صراعات إقليمية تمسّ السلم المجتمعي وقيم التعايش التي راكمها المغرب خلال السنوات الأخيرة.
تعرض المغرب لحملة ممنهجة من أجل فصله عن عمقه الإفريقي بإشعال النيران بينه وبين المهاجرين الأفارقة المنحدرين من جنوب الصحراء. هل صحيح أن هذه الحملة تقف وراءها أيادي خفية؟
لابد في البداية إلا أن نقف ونسجل التنظيم المحكم والعالمي لحدث كأس إفريقيا الذي احتضنه المغرب، وهو الحدث الذي قدم من خلاله المغرب صورة مغايرة على افريقيا و على الكرة الافريقية بشكل عام خاصة قدرة دول الجنوب على تنظيم تظاهرات قارية من حجم الكان، وهي التظاهرة التي كانت موضوع إشادة دولية، انتهت للأسف بالأحداث «المشينة» التي شهدها النهائي والطريقة الدراماتيكية المخالفة للروح الرياضية التي انتهت بها مقابلة النهائي. وهو نهائي أدى للأسف الى تصاعد حالات متواترة من التمييز والتحريض ضد المهاجرين المنحدرين من القارة الافريقية عموما، ودول جنوب الصحراء خصوصاً، بحيث سجلت المنظمة المغربية لحقوق الإنسان للأسف على الفضاء الرقمي ارتفاع استهداف هؤلاء المهاجرين نتيجة وكرد فعل على الأحداث التي شهدها النهائي. وإن كان ما حدث لا يمكن أن يبرر ما تعرض له المهاجرين الأفارقة المقيمين في المغرب، وكانت هذه الأحداث موضوع بلاغ أصدرناه نحدر فيها من التساهل مع الدعوات التي تم توجيهها في فضاءات التواصل الاجتماعي ضد المهاجرين الأفارقة، وننبه لخطورتها وأنها هذه السلوكات هدم سنوات من العمل الذي تم القيام به وطنيا على مستوى ادماج المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء في المغرب، وهو أمر ساهمت فيه حسب المتابعة حسابات فيسبوكية وهمية من الصعب تحديد مصدرها وموقعها دون القيام ببحث على المستوى السيبراني لتحديد مصدر هذا الهجوم، دون أن يعني ذلك أنه لم تكن هناك حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي مغربية، كان رد فعلها انفعاليا، عاطفيا، وغير عقلاني يتناقض مع ما قام به المغرب من مجهود على مستوى سياسته الموجهة للمهاجرين خاصة في الجانب المتعلق بالإدماج والاندماج، والحماية الاجتماعية من خلال إقرار الاستراتيجية الوطنية للهجرة واللجوء التي اعتبرنا داخل المنظمة وبعد مرور أكثر من عقد من الزمن أنه قد حان الوقت لتقييمها، والوقوف على هذه التجربة في إطار شعار أنسنة مقاربة التعاطي مع الهجرة واللجوء.
وبالعودة لسؤالك، أعتقد أن الملاحظة الأولية تفيد بأن هناك حسابات فيسبوكية من خارج المغرب لعبت دورا كبيرا في تأجيج هذه التهجمات، بهدف ضرب كل المجهود الاقتصادي، السياسي والدبلوماسي الذي تم بذله في العلاقة مع القارة الافريقية، لكن ذلك لا يعفي من القول بأنه لولا الردود الفعل الداخلية الانفعالية اتجاه كل ما هو افريقي لما وجدت هذه الحسابات مساحة لتتسلل منها، كما يمكن القول هنا أن بلاغ الديوان الملكي قد أعاد وضع كل ما عشناه في سياقه، وحجمه، وكان دقيقا على مستوى التذكير والتأكيد على قيم التعايش.
من منظور حقوقي، كيف يمكن قراءة تصاعد بعض الخطابات والسلوكات المعادية للمهاجرين الأفارقة جنوب الصحراء بالمغرب؟ وهل نحن أمام انتهاكات ممنهجة لحقوق الإنسان أم أمام حوادث معزولة يجري توظيفها لإنتاج سردية أوسع؟
من الصعب حسم الأمر والقول بأن هناك سلوكات عنصرية، ومعادية ممنهجة ضد المهاجرين القادمين من دول جنوب الصحراء، فطيلة هذه السنوات لم تسجل حوادث عنصرية بشكل يمكن وصفها بالممنهجة، أو الحكم عليها بكونها جزءا من الحياة الاجتماعية العامة للمواطنين المغاربة اتجاه المهاجرين القادمين من دول جنوب الصحراء، المغاربة في طبيعتهم ليسوا عنصريين، ويعرفون قيمة ومعنى أن تكون مهاجرا، فكل بيت مغربي لا يخلو من مهاجر، لذلك يعوون جيدا معنى أن تكون مغتربا، ومهاجرا.
نحن في المنظمة المغربية لحقوق الإنسان ومن خلال العمل الذي نقوم به الموجه بالأساس للمهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء، لم نعاين حالات ممنهجة معادية للمهاجرين سواء على مستوى الخطاب أو في الحياة اليومية، بل في عدد في من المدن هناك اندماج عادي وسلسل للمهاجرين الأفارقة، خاصة منهم المنحدرين من دول جنوب الصحراء في الحياة العامة، وقد تكون هناك حالات لكنها معزولة، ولا يمكن وضعها ضمن نفس السياق الأوروبي أو الغربي حيث هناك فكر قومي يميني شوفيني، وحيث عاشت لسنوات على وقع النازية. المغرب لم يعش كل هذا السياق، كما أنه ليس هناك رفض اديولوجي، أو ثقافي أو سياسي للآخر بشكل عام وللمهاجرين الأفارقة بشكل خاصة. ما يمكن ملاحظته من خلال التتبع أن الأمر يكون في أحيان كثيرة مرتبط بحالات انفعالية تتخذ هذا الطابع العنيف لفظيا وسلوكيا كالتي شاهدناها بعد نهائي كأس افريقيا - وهي طبعا مرفوضة ولا يمكن القبول بها أو تبريرها-، مع ذلك يمكن القول بوضوح أن ما حدث يستدعي التفكير والتعاطي معه بالمسؤولية اللازمة لكي لا يتحول الأمر من رد فعل افعالي اتخذ طابعا تحريضيا وتمييزيا، إلى سلوك اعتيادي ويتم قبوله والتطبيع معه، هنا سنتحول من سياسة معزولة إلى سياسة ممنهجة .
ما تقييمك لدور وسائل التواصل الاجتماعي في تضخيم أو تحريف وقائع مرتبطة بالمهاجرين، وكيف تؤثر الحسابات الوهمية والمحتويات المفبركة على الحق في المعلومة، وعلى حماية الفئات الهشة من الوصم والتحريض؟
وسائل التواصل الاجتماعي للأسف في ما شهدناه بعد نهائي الكان لعبت دورا أساسيا ورئيسيا في التحريض وفي توزيع وبث مواد اتخذت طابعا عنصريا وتمييزيا غدتها صفحات فيسبوكية كانت تتخذ في الغالب أسماء وهمية، وهي حسابات كان هدفها صناعة رأي عام موجه ضد المهاجرين لضرب قيم التعايش التي ظلت تطبع المجتمع المغربي، ومن بين ما تم استعماله في هذه العملية هو اختلاق أخبار زائفة عن استهداف المهاجرين الافارقة والاعتداء عليهم وعلى ممتلكاتهم، كل ذلك كان بهدف خلق حالة من الرعب، والخوف والاضطراب وسطهم بهدف أن يتحول الأمر لأزمة دبلوماسية وسياسية، لذلك على المواطنين التعامل مع هذه الأخبار بحذر، والتأكد من صحتها قبل تصديقها، أو التعامل معها كخبر صحيح. هنا لابد من الإشارة الى دور الاعلام والنيابة العامة والأمن في تتبع هذه الحسابات والتحسيس بخطورة ما تنقله من أخبار زائفة ومتابعة كل من ينشر هذه الأخبار أو التهديدات ذات الطابع العنصري أوالتحريضي التمييزي.
إلى أي حد يتم توظيف ملف الهجرة اليوم كأداة ضغط أو صراع إقليمي، وما الانعكاسات الحقوقية لهذا التوظيف على المهاجرين أنفسهم، خاصة في ما يتعلق بالسلامة الجسدية، الكرامة الإنسانية، وعدم التمييز؟
لقد شهدت السنوات الأخيرة تنامي حالات التوظيف المتزايد لملف الهجرة في العلاقات الدولية والإقليمية والصراعات سواء ما بين دول الجنوب-جنوب أو بين دول الجنوب - شمال، كما أنه في المنطقة المغاربية برز هذا التوظيف في سياقات سياسية وأمنية متعددة خاصة على مستوى الحدود الجزائرية بحيث سُجلت عدة حالات تم فيها طرد جماعي لمهاجرين من دول جنوب الصحراء، سودانيين وسوريين ومن جنسيات أخرى إتجاه حدود بعض الدول المجاورة للجزائر هلى رأسها النيجر،وهو ما تؤكده عدة تقارير حقوقية دولية وشهادات تم تجميعها، واتخدت في الكثير منها طابع الطرد الجماعي العنيف والمتسم باستعمال القوة المفرطة، وبشكل ممنهج.
ويمكن من خلال قراءة تدبير ملف الهجرة دوليا تحديد أهم ملامح توظيفه في العلاقات الدولية، برزت في عدة مظاهر يمكن إجمالها في استخدام المهاجرين كورقة تفاوضية في ملفات التعاون بين الدول، وعلى مستوى التنسيق الحدودي، والاتفاقيات الاقتصادية، والربط بين ملف الهجرة والملفات الأمنية مثل مكافحة الجريمة المنظمة أو الإرهاب، بما يُغيب المقاربة الحقوقية، ثم تحويل الحدود إلى مناطق توتر نتيجة الضغط السياسي الذي تمارسه بعض الدول ، مما يجعل المهاجرين أول ضحايا هذه السياسة.
أما من حيث الانعكاسات الحقوقية على المهاجرين في هذه الحالات من الاستغلال الدولي تتمثل في حدوث عدة انتهاكات تأخد أشكال مختلفة تتوزع بين انتهاك السلامة الجسدية والكرامة الإنسانية سواء خلال عمليات الترحيل القسري التي يتم القيام بها أو الطرد الجماعي لهم من طرف بعض الدول، وأحيانًا أخرى ترتكب هذه الانتهاكات من طرف شبكات الاتجار بالبشر التي تقوم باستغلال المهاجرين خاصة النساء منهم والأطفال الغير المرفقين وأحيانًا في سياق عمليات أمنية يكون ضحايا بشكل خاص المهاجرين الغير النظاميين، مع التسامح في عدد من الحالات وبعدد من الدول خاصة على مستوى شمال افريقيا مع خطاب التمييز والعنصرية الذي اتخذ طابع الخطاب الرسمي للدولة.
كيف تنظر إلى إخراج بعض الأحداث من سياقها -خصوصًا الرياضية منها- وإقحامها في صراعات سياسية وثقافية أوسع؟ وما مسؤولية الفاعلين الحقوقيين والإعلاميين في تفكيك هذا الخطاب وحماية السلم المجتمعي؟
اخراج الرياضة من قيمها وسياقها الذي يكرس الروح الرياضية والتعايش والتاخي، وجعلها أداة من أدوات الشحن الإيديولوجي والسياسي الذي تقوم به بعض الدول هو ما يخرج مباريات كرة القدم عن سياقها الرياضي، ويحولها لحرب رياضية تنوب عن الحرب السياسية ويكون الإعلام حطب وقودها، وليست مجرد لعبة تلعب في تسعين دقيقة، وينوب في هذه الحرب اللاعبون والجماهير عن أنظمتهم، وهو ما يمكن تسجيله للأسف في تعاطي اعلام بعض الدول مع حدث تنظيم كأس إفريقيا الذي انطلق مع مصاحبة وحملة إعلامية ممنهجة غير أخلاقية استهدفت هذا الحدث و استهدفت منظميه وظلت طيلة البطولة تقوم بعمل لا ينتمي لأي جنس صحفي وإعلامي، بهدف إفشال بطولة يحكمها منطق الرياضة، الربح والخسارة ويفترض أنها تنتهي مع صفارة الحكم، لكن ما تم على صعيد مواكبة بعض الأحداث اتسم بما يلي:
* تحويل المنافسة الرياضية إلى معركة تقحم فيها الشعوب من خلال البروبغندا الاعلامية.
* تحميل البطولات الرياضية دلالات سياسية لا علاقة لها بالرياضة.
* استعمال واستغلال منصات التواصل الاجتماعي لنشر خطاب الكراهية أو التحريض بين الشعوب.
وينتج عن هذه الممارسات، تأجيج التعصب والعنف اللفظي بين الشعوب، خصوصًا وسط الشباب،مع ما يصاحب ذلك من اختلاق حالات انقسامات وهمية بين الشعوب/الجماهير، ليتم تحويل الفضاء الرياضي من مساحة تلاقٍ وترسيخ القيم المشتركة إلى ساحة صراع تتخذ طابعاً عدائياً وعدوانيا للأسف يخدم أجندات سياسية لبعض الدول والأنظمة.
هنا وأمام كل هذه المخاطر وما ينتج عنها من عداوات بين الشعوب الواحدة تبرز مسؤولية الفاعل الحقوقي والإعلامي، من حيث دورها في التصدي بالتحليل والتفكيك لعناصر الخطاب التحريضي، والتمييزي أو للخطاب العدائي الموجه ما بين الجماهير، وتوضيح مختلف خلفياته خاصة عندما يتخذ طابعا متعارضا مع قيم الانسانية الكونية ومع الروح الرياضية التي تكرس التضامن، التسامح.
ما هي الآليات الحقوقية والقانونية الكفيلة بمواجهة خطاب الكراهية الرقمي دون المساس بحرية التعبير؟
هناك عدة آليات يمكن اعتمادها للحفاظ على التوازن المطلوب بين مواجهة خطاب الكراهية وحماية حرية الرأي والتعبير، على رأسها الآليات الحقوقية التي يمكن اعتمادها لمواجهة خطاب الكراهية دون المساس بحرية الرأي والتعبير، التي يمكن أن تستند على ضمان المنطلقات الحقوقية الواضحة على مستوى المرجعية، سواء في ضمان حرية الرأي والتعبير دون التطبيع مع خطاب الكراهية، وهي منطلقات ومرجعيات تتداخل في ما بينها وتجد في الكثير منها سندها على نفس المرجع الحقوقي ومختلف تفرعاته المرتبطة بالحقوق المدنية والمرجعيات الحقوقية الكونية التي ترفض التمييز والعنصرية، تنضاف لها الآليات المرتبطة بالانتصاف سواء القضائية منها أو المؤسساتية التي يمكن أن تلعب دورا على مستوى ضمان وتعزيز حرية الرأي والتعبير ثم أيضا على مستوى التصدي بحزم لأي خطاب تمييزي وعنصري، كل هذا ينضاف له الإعلام بمختلف أنواعه المرئي والرقمي ومنصات التواصل الإجتماعي الذي يمكن أن يلعب دورا كبيرا في التحسيس والتوعية بمخاطر الخطاب التمييزي والعنصري،في هذا السياق فقد سبق للمنظمة المغربية لحقوق الإنسان أن نظمت دورات تكوينية وتحسيسية لتعزيز قدرات بعض الجهات المكلفة والمعنية بإنفاذ القانون،الجماعات الترابية…
هنا لابد من فتح قوس نؤكد من خلاله على أن المنظمة المغربية لحقوق الإنسان، ورغم أن الدستور والقانون الجنائي الحالي يجرمان الدعوة إلى التمييز والكراهية والعنصرية، فإننا نعيد التذكير بمطلبنا كمنظمة حقوقية على ضرورة اصدار قانون خاص لمناهضة كل أشكال التمييز،الكراهية وخطاب العنصرية خاصة مع صعوبة ضبط المحتوى الرقمي ومع مختلف التحديات التي يطرحها تدبير ملف الهجرة، وعلى ضرورة فتح نقاش حول القانون 02.03 قصد مراجعته وتعديله في إطار تقييم الإستراتيجية الوطنية للهجرة واللجوء،خاصة وأن المغرب اعتمد على سياسة أنسنة الهجرة والنظر الى المهاجرين كفرصة لا كتهديد، أخيرا اصدار قانون خاص باللاجئين وطالبي اللجوء.