حين اجتاحت الفيضانات مدينة القصر الكبير وغمرت مياه الأمطار الغزيرة، الشوارع والأزقة وحاصرت المواطنات والمواطنين في بيوتها...سابقت أجهزة الدولة المسؤولة الزمن لحماية الساكنة وإجلائها بعيدا عن خطر الكارثة، حيث وفّرت كل الوسائل والتجهيزات اللوجستية والبشرية، مع توفير إمكانيات النقل والإقامة والتغذية والرعاية بتنسيق مع كل الفرقاء والمتدخلين. ونفس الشيء امتد إلى مجموعة من الجماعات الترابية بأقاليم سيدي قاسم والقنيطرة والعرائش وتازة وتاونات وتطوان وطنجة والحسيمة.
طفيليات المستنقعات
لكن بالموازاة مع ذلك أغرقت عيّنة من روّاد مواقع التواصل الاجتماعي الفضاء الأزرق بتسونامي الفيديوهات والصور والمشاهد المؤلمة والقاسية، وتحولت هذه الفئة إلى ماكينات تنتج صناعة أخبارا مقلقة وزائفة، استثمرها البعض من أجل أن يقتات من انعكاساتها الاجتماعية والإنسانية والنفسية بكل الوسائل المتاحة في عز انخراط الدولة المغربية بكل مسؤولية، إلى جانب مؤسساتنا الوطنية ذات الصلة بمختلف تشكيلات القوات العمومية والعسكرية والمدنية.
العطري: حقا إن الأزمات تخرج أجمل ما فينا وبنسب ضئيلة أيضا تخرج أقبح ما فينا:
في هذا السياق بعث الباحث السوسيولوجي الأستاذ عبد الرحيم العطري برسالة قوية مؤكدا من خلالها أن "دروس جائحة كورونا، علمتنا بأن الأزمات تخرج أجمل ما فينا، لكنها في الآن ذاته تكشف عن جانب آخر من قبحنا. ففي الوقت الذي تناهى إلى علمنا أن تجار المآسي باعوا قرطاس الشمع بسعر خيالي لأحبتنا في القصر الكبير، في الآن ذاته، تأكد لنا كمغاربة أن مقاولا مغربيا أصيلا من مارتيل وضع نحو مائة شقة بالمجان رهن إشارة الأسر القادمة من القصر الكبير بسبب خطر الفيضان". وأنهى رسالته بالقول: "حقا إن الأزمات تخرج أجمل ما فينا وبنسب ضئيلة أيضا تخرج أقبح ما فينا".
سرديات تغرق في مستنقعات الطفيليات:
لن نعود إلى سرد ما اقترفته عدسات المتطفلين من مُتَسَوِّلِي "البوز" الذين يفبركون أخبارا غير صحيحة أصابت المتتبعين بالاستغراب والذهول جراء التهويل والمتاجرة في هذه الأزمة التي ستبقى موشومة في ذاكرتنا جميعا.
لابد من الوقوف عند نماذج من إشراقات هَبَّة الجمال التضامنية والمبادرات الرائعة التي تثلج الصدور والأفئدة، والتي أنارت طريق التطوّع والتكافل الاجتماعي وترسيخ قيمنا الوطنية، لمسح دموع النازحين، وإشاعة الدفء بين الذين غادروا أحيائهم وبيوتهم ودروبهم، وودّعوا محلاتهم ومتاجرهم، وتركوا مقاعدهم الدّراسية ووظائفهم وأمكنتهم التي ارتبطوا بها وجدانيا وعاطفيا...ولم يحملوا معهم سوى صوّرا من ذاكرة حياتهم الجميلة في حضن وكنف تلك الأرض الطيبة، حيث لا خيار لهم سوى التقيّد بالتوجيهات واحترام قرارات السلطات المختصة التي تسابق الزمن من أجل تطويق الخسائر والحد منها في المكان والزمان.
نماذج من إشراقات صناعة الأمل وفعل الجميل في اللحظات العصيبة:
كثيرة هي المواقف النبيلة التي عبر عنها المواطنات والمواطنين ومارسوها قولا وفعلا، وهم يقدمّون تحية الشّجعان، لمختلف مكونات السّلطات الترابية والإدارية، وتشكيلات قواتنا الملكية المسلحة، والقوات العمومية، من عناصر الدرك الملكي والقوات المساعدة وعناصر الوقاية المدنية إلى جانب شباب الوطن من فعاليات المجتمع المدني، حين خرجوا جميعا مشمرين عن سواعدهم لرسم ملحمة وطنية ستظل راسخة بدروسها وعبرها الجميلة في زمن الأزمات والكوارث الطبيعية.
بنسعيد الركيبي...اختيارات المؤسسة الملكية بأفق استباقي
في سياق متصل، لابد من تقديم تحية الشموخ لأب المغاربة الملك محمد السادس الذي أعطى الإشارة خلال شهر ماي 2025، من أجل إحداث منصة المخزون والاحتياطات الأولية لجهة الرباط ـ سلا ـ القنيطرة، في أفق تعميمها ضمن تصور أشمل لمنصات جهوية كبرى تضم خياما وأغطية وأسرة وأدوية ومواد غذائية، إلى جانب تجهيزات تدخل سريع وآليات لوجيستيكية. وهو اختيار يعكس نظرة استباقية للمؤسسة الملكية، تجعل من القرب وسرعة الاستجابة معيارا مركزيا للأمن الإنساني وترتقي بالجاهزية إلى مستوى سياسة عمومية قائمة بذاتها، قادرة على مواجهة الفيضانات والزلازل والمخاطر الكيماوية والصناعية والإشعاعية وتعزيز التضامن الوطني زمن الطوارئ. كما أوضح الأستاذ بنسعيد الركيبي في مقال رأي بجريدة "أنفاس بريس".
إليكم عينت مما رصدته جريدة "أنفاس بريس" من جميل المبادرات التضامنية:
نعم، يمكن أن نصنع البسمة والفرحة على وجوه الناس في المحن التي يجتازها الوطن، بالكلمة الطيبة، وبالمبادرات الإنسانية، وتقديم العون في الشدائد. وما خفي منها أعظم في وطننا.
ـ مقاول مغربي من مدينة مارتيل يضع نحو مائة شقة بالمجان رهن إشارة الأسر القادمة من مدينة القصر الكبير.
ـ فتح قاعة الأفراح بمدينة طنجة، في وجه الوافدين من القصر الكبير، وانخراط ممول حفلات في عملية تضامنية تلقائية، بعد توفير كل وسائل الإقامة والتغذية في طروف جيدة للنساء والرجال وأطفالهم في أجواء جميلة.
ـ قائد يمسح دموع امرأة ويواسيها ويقول لها بتلقائية الضمير الوطني، "أنا ابنك وأخوك" ستكون الأمور على أحسن ما يرام بحول الله سيدتي.
ـ امرأة متطوعة وفّرت سيارة وسائق خاص لنقل أفراد إحدى الأسرة من مدينة القصر الكبير نحو مدينة طنجة وتفتح لهم شقة مفروشة ومجهزة بكل الضروريات بما فيها المواد الغذائية.
ـ قافلة تضامنية محملة بالمواد الأساسية، تنطلق من مدينتي قلعة السراغنة والعطاوية في اتجاه القصر الكبير تحت إشراف شباب متطوع.
ـ فنان شعبي يتطوع لاستقبال ثلاث عائلات من القصر الكبير، ويوفر لهم ثلاث شقق مفروشة ومجهزة بكل الإمكانيات الضرورية بمدينة الدار البيضاء
ـ شباب من منطقة دكالة يتطوعون من أجل توفير شقق ومواد غذائية لست عائلات من القصر الكبير بكل من مدينة أزمور والجديدة.
ـ رجال الوقاية يقدمون خدماتهم الاجتماعية للمواطنات والمواطنين بشكل راق ومتحضر، ويغوصون وسط المياه والأوحال بروح وطنية عالية.
ـ طاقم طائرة هليكوبتر من عناصر الدرك الملكي ينقدون مواطنين عالقين وسط مياه الفيضانات بمنطقة الغرب.
ـ شحنات من الأغطية والمواد الغذائية محملة على متن عشرات الشاحنات لتقديم الدعم والتعبير عن التضامن الإنساني اتجاه ساكنة المناطق المتضررة من الفيضانات.
ـ رجال السلطة بمختلف رتبهم ومسؤولياتهم يشمرون عن سواعدهم ليل نهار، من أجل تقديم الخدمات المطلوبة تلبية لنداء المواطنات والمواطنين بمجموعة من المناطق المتضررة التي غمرتها المياه.
ـ شخص يضطر لتوقيف سيارته على الطريق بمنطقة الغرب، ويسلم أغطية لأطفال رفقة والدهم على متن عربة مجرورة لتقيهم من شدة البرد.
ـ أفراد من قوات الجيش وضعوا خبراتهم الميدانية، رهن الإشارة في جميع التخصصات لمساعدة ساكنة المناطق المغمورة بالمياه، وأقاموا فضاءات مخيمات الإيواء والإطعام بإقليم العرائش، ورتبوا لكل تفاصيل الإستقبال.
ـ إقامة مخيم/فضاء خاص لاستقبال وحماية قطيع رؤوس المواشي والبهائم كملاذ آمن للإنسان والحيوان.
ـ إقامة مخيم إيواء ببعض الجماعات القروية بمنطقة الغرب، واستنفار مختلف السلطات المحلية والمنتخبة من أجل حماية ساكنة بعض الدواوير ومواشيهم من ارتفاع منسوب مياه نهر سبو.
ـ استقبال مولود جديد والاحتفال بطقوس العقيقة وسط أجواء الفرح بقدومه رفقة والديه، وجميع المرتفقين من المتضررات من الفيضان، بحضور السلطة المحلية والمكونات الإدارية والتربوية بدار الفتاة بجماعة حد كورت بإقليم سيدي قاسم.