lundi 26 janvier 2026
كتاب الرأي

منير لكماني: شرف الإنتماء

منير لكماني: شرف الإنتماء منير لكماني

تتردد كلمة الوطن على الألسنة كما تتردد أسماء الأحبة، لكن الفرق يظهر حين يشتد الحر أو يطول الطابور أو يضيق الرزق. عندئذ تتعرى المعاني من زينتها، ويبرز السؤال الحقيقي: هل نحب المكان لأنه يسكننا، أم لأننا تعودنا ترديد إسمه؟ الوطنية ليست لحظة حماس عابرة، بل قدرة على حمل المسؤولية دون صخب، وعلى حماية المشترك دون إنتظار مكافأة، وعلى صون الكرامة بوصفها سقف البيت الكبير.

الوطن في الضمير

الوطنية تبدأ من الداخل، من طريقة نظرنا إلى الناس وإلى المال العام وإلى الوقت المشترك. من يسهر على مصلحة الحي كما يسهر على مصلحة بيته، يعرف معنى الإنتماء أكثر ممن يرفع صوته ثم يغيب. ليست الوطنية عاطفة فقط، بل يقظة: أن ننتبه لما يؤلم المجتمع قبل أن يصير ألما معتادا، وأن نستحي من الخطأ ولو كان صغيرا، لأن الصغائر حين تتراكم تصنع خرابا كبيرا.

قناع الشعارات

الشعار قد يكون جميلا، لكنه قد يتحول إلى قناع يبرر القسوة ويخنق الإختلاف. حين تصبح الوطنية سيفا يلوح به بعضهم لإسكات الآخرين، تتحول إلى خصومة بدل أن تكون رحمة. الإختلاف لا يعني العداء، والسؤال لا يعني الطعن. الذي يسأل عن مدرسة متعبة او شارع مكسور أو موظف متجبر، لا ينقصه الحب، بل يزيده حرصا. أخطر ما يفسد المعنى أن يتحول إلى بطاقة تفتيش: من وافقني فهو وطني، ومن خالفني فهو مذنب.

أدب الطريق

تظهر الوطنية عند باب البيت قبل أن تظهر عند باب القاعة. إحترام الصف، خفض الصوت حيث يلزم، عدم رمي الأذى على الرصيف، حفظ حق الجار، الصدق في البيع والشراء، رد الأمانة، والإلتزام بالقانون حين لا يراقبك أحد. هذه أعمال بسيطة، لكنها تكتب سيرة مجتمع كامل. لا يحتاج المرء إلى خطاب طويل كي يثبت إنتماءه، يكفيه أن لا يؤذي غيره وأن لا يستهين بما هو للجميع.

حق السؤال

السكوت الطويل يربي الإستسلام، والإستسلام يفتح باب الظلم. لذلك يبقى السؤال جزءا من العافية العامة. من يسائل أداء مؤسسة أو يطالب بشفافية أو يرفض عبثا في المال العام، يشارك في صيانة البيت المشترك. النقد ليس تشهيرا، بل رغبة في الإصلاح، بشرط أن يكون عادلا لا شامتا، واضحا لا متلاعبا. والوعي هنا لا يعني التشكيك الدائم، بل يعني التمييز بين الحقيقة والدعاية، بين الخدمة العامة والمصلحة المقنعة.

ذاكرة تتواضع

الذاكرة التي لا ترى إلا الضوء تتحول إلى مرآة مخادعة. الإعتزاز مطلوب، لكن التقديس خطر. المجتمع القوي هو الذي يتذكر نجاحاته ويعترف بأخطائه، ثم يتعلم دون ضجيج. الإعتراف لا يهدم الكرامة، بل يحميها من تكرار العثرات. وحين نفهم الماضي بوصفه تجربة، لا بوصفه قيدا، نقدر أن نصلح الحاضر دون خوف، وأن نفتح للغد بابا أوسع من باب الشكوى.

عدالة المرفق

لا معنى لوطنية تتغاضى عن ألم الضعفاء. المدرسة والمستشفى والادارة والشارع ليست تفاصيل ثانوية، بل هي مقياس العدالة. حين يكون الرصيف آمنا للطفل وللمسن، وحين يكون العلاج متاحا بكرامة، وحين يكون التعليم جسرا لا متاهة، يشعر الناس أن المكان يحميهم. لا تكفي كاميرات ولا شعارات ولا طلاءات، إن غاب الإنصاف وتراكمت الإهانة اليومية.

شراكة لا فرجة

الوطنية مشاركة: أن نؤدي واجبنا كما نطالب بحقنا، وأن نصلح ما نستطيع قبل أن نلعن الظلام، وأن نرفض الرشوة ولو كانت صغيرة، وأن لا نبيع صوتنا ولا صمتنا. هي شراكة بين أفراد يعرفون أن إختلافهم ثراء، وأن الأدب في النزاع علامة قوة، وأن الوحدة لا تعني تشابها قسريا، بل تعني أتفاقا على كرامة الإنسان وحرمة المال العام.

أثر لا يمحى

حين تهبط الوطنية من المنصة إلى الشارع، تصبح نورا لا يطفئه تبدل المواسم. هي فعل متكرر: إحترام، عدل، صدق، ورعاية للمشترك. وهي أيضا بوصلة: إذا إختلطت الأصوات، نرجع إلى سؤال واحد، ماذا فعلنا اليوم كي يكون الغد أعدل؟ هل تركنا المكان أنظف، والعلاقة أصدق، والباب مفتوحا للضعيف قبل القوي؟ وما قيمة حب كبير لا يترجم إلى سلوك صغير؟ وأي وطن نرجوه إن كنا نطلب من الجميع ما لا نلزم به أنفسنا؟