يَشْغَل مقترح الحكم الذاتي الذي عرضه المغرب وتبناه مجلس الامن الدولي بقراره 2797، خواطر المغاربة وبكثافة، فقد أقبل العديد من السياسيين والمفكرين والباحثين والإعلاميين بل حتى الشارع، على التمعن فيما يثيره من إيحاءات وهواجس لآثار هذا الوافد الجديد على النظام السياسي للمملكة وعلى أقاليمنا الجنوبية. بشكل أيقظ لدى المغاربة انشغالات متزايدة بالوحدة الترابية كقضية كفاح وطني، بعضها يعود إلى التاريخ ومعظمها يحيل على المستقبل لملف سياسي متوقع أن يكون حافلا بالمستجدات.
كلها قضايا تُسَائِلُنا من حيث الرصيد المعرفي، الذي يشعر المغاربة بالحاجة إليه مادام الملف مفتوحا في انتظار خواتمه، وفيما إذا كان يتماشى وتقاليد تسيير الدولة المغربية، أم أنه سيحدث ثورة ما في تدبير الشأن العام. لقد عَوَّدَنا التاريخ على أن التحولات في المغرب يأتي معظمها من جنوبه.
وجب التذكير، بأن المغرب ظل هو العنوان الكبير بإفريقيا للتجزئة الاستعمارية في معناها الحقيقي، وينطبق نفس الموقف على تحرير ترابه الوطني، فقد واجه المغاربة صعوبات وصولا لهذه الغاية، التي لم تتيسر دفعة واحدة بل على مراحل: 1956، 1958، 1969، 1975، 1979، ومازالت هناك ثغور أخرى قيد الاحتلال الاسباني. لذلك فإن هذا الظلم التاريخي في حق المغرب المرتبط بالتقسيم الاستعماري لترابه، سيظل حاضرا للمُساءلة والاعتراف.
كان من المفترض أن يتم استرجاع أقاليمنا الصحراوية دون حاجة إلى عناء 50 عاما من الصراع، كما كان يفترض أيضا وبعد 50 سنة أن يتمكن المغرب من حسم ملف صحرائه بناء على مشروعية وعدالة قضيته دون تَبِعات أو تدخل في شكل التدبير الإداري لأقاليمه الجنوبية.
إشكالات اصطلاحية لنظام الحكم الذاتي:
دعونا بداية نسلط الضوء في عجالة على مصطلح " الحكم الذاتي"، فعدد من المفكرين وفقهاء القانون بالغرب، يعتبرون هذا المصطلح غامضا، فلا وجود لإجماع حول تحديد مفهومه كفكرة قانونية، فهو موجود في إشارات متعددة الاستخدام لغويا لنشاطات مرتبطة بالأفراد. أما في القانون الدولي فجاء كوسيلة لفظ النزاعات والحفاظ على التوازن والاستقرار والوحدة.
المصطلح يأخذنا أيضا إلى تلك الأفكار القائمة بثبات عند الغرب المرتبطة بالفرد وحقه في الاستقلالية الذاتية كأساس للديمقراطية الليبرالية وحقوق الانسان. إشكالات مماثلة يصادفها المصطلح غموضا عند جَوْلَاته بين اللغات والترجمات، فالأصل إغريقي، والتداول الشائع غربي، انتقل معه المبدأ بالضرورة إلى اللغة العربية كمصطلح مترجم مع ما يحمله ويحتمله من تأويلات في المضمون من حيث المبدأ والتطبيق. فالأمر يتعلق هنا بواحد من تلك المفاهيم المطاطة المعرضة دوما للغموض والالتباس من جراء اختلاف استعمالها وتباين المعاني المقصود منها سياسيا أو إداريا أو سياديا أو قانونيا.
لكن رغم هذا الغموض الاصطلاحي لمفهوم الحكم الذاتي، فإن ذلك جعله أكثر انتشارا وتداولا ورواجا في التاريخ المعاصر كونه يخدم مصالح كافة الأطراف، سواء التي تبنته أو المقبلة عليه أو الرافضة له، بالشكل الذي يفتح باب التأويل والتكييف والاستخدام المتعدد الأوجه في إطار المرونة والانسيابية، وهذا ينسجم مع من يذهب لاستخدامه تعزيزا للسيادة الداخلية للشعب كوحدة صلبة متكاملة ضامنة للاستمرارية والاستقرار وليس فقط حقا للأقليات. لذلك لا نجد معاهدة أو عرف دوليين يضَعانه مرتبة الإلزام، بل يظل اختيارا لتدبير شأن محلي أو تسوية نزاع.
تجارب دولية متباينة النتائج:
تتعدد النماذج والتطبيقات السياسية لنظام الحكم الذاتي في العالم وتختلف الصيغ المعتمدة، فهناك من يعتمده كنظام لامركزي في التدبير الإداري، وهناك من يتبناه كمؤسسة لممارسة سلطات تشريعية وإدارية وقضائية إقليميا، وآخر يذهب به بعيدا حين يَقْرِنه بالاستقلال تقرير المصير. لذلك نجد لدى الأطراف المعنية به حرية ومرونة في تكييفه حسب طبيعة أوضاعها.
بما يفيد عدم الاستقرار على نموذج قار موحد يمكن تبنيه كقاعدة عامة ومجردة تسري على كافة الحالات بين دول العالم، فنراه يتسع تارة ويتقلص حجمه أو يفشل تارة اخرى، وهناك ما يمكن وصفه بالمرونة والحرية للدولة في اعتماد ما يتناسب وأوضاعها الإقليمية وظروفها السياسية والجغرافية والسكانية. فبات نظام الحكم الذاتي بذلك من الحلول الوسط يشكل مخرجا عمليا للنزاعات الترابية وتجنيب المناطق مزيدا من التوتر والصراع كغاية أسمى.
وقد سادت المخاوف لدى العديد من الدول من تطبيقات الحكم الذاتي في التعامل معه كحق ملزم وربطه بتقرير المصير، مما جعلها تحتاط بإعطاء الأولوية للوحدة الترابية والسعي للحفاظ عليها. كحالات آسيوية وإفريقية وحتى أوربية رفضت ربط الحكم الذاتي بتقرير المصير وحذرت من مخاطره، معتبرة إياه بِدْعة من اختلاق الاستعمار الغربي. لذلك نلمس أن هناك سلوكا حذرا في التعاطي مع هذا النظام خاصة لدى دول العالم الثالث، التي اعترضت في مناسبات عدة على تضمين الحكم الذاتي بقرارات أو تصاريح الأمم المتحدة، رغم كونها تدخل ضمن خانة الإمكانية والاختيار. بينما الدول الغربية تعتبره وسيلة لحل مشاكل القوميات والنزاعات الإقليمية غايتها ضمان الحقوق والاستقرار.
يقدم لنا المشهد السياسي العالمي مفارقات في تطبيقات نظام الحكم الذاتي، بين أقاليم ومناطق تَمَسَّك سكانها بالوحدة والأمة واعتماد قوانين التسيير الذاتي وتطويرها والانشغال بأوراش التنمية وتحسين ظروف عيش الساكنة بالتنسيق والتعاون مع الدولة المركزية في ظل أجواء الحريات والديمقراطية. غير أن هناك مناطق اختار أهلها الطريق الشّاق بالرغبة في الانفصال بالسلاح، في إطار صراعات وحروب مدمرة لسنوات، فضلا عن التدخلات الخارجية التي تستغل هذه الصراعات وتُغَذِّيها.
ويتجسد هذا المشهد المأساوي في غالبه بدول العالم الثالث، حين تتحول تطبيقات نظام الحكم الذاتي إلى بؤرة للصراع والحروب حاملة معها عوامل تفجرها، بالتمرد على الدولة المركزية/ الأمة والاندفاع نحو الانفصال وهيمنة النزعة الاستقلالية، بدوافع مختلفة تاريخية سياسية دينية عرقية إيديولوجية اقتصادية جغرافية أو حتى حسابات مصلحية ضيقة لقيادات تطمح للحكم والسلطة أو بتدخل وإِسْناد خارجي، كانت عواقبها وخيمة على الدول التي اكْتَوَت بنيران الانفصال.
وهناك عدة نماذج منشرة في ربوع دول إفريقية وآسيوية، نموذج إقليم إيريتريا الذي انفصل عن إثيوبيا وشكل دولة سنة 1993 بعد 30 سنة من الصراع المسلح، نصادف أيضا حالة انفصال جنوب السودان عن السودان وتشكيل دولة مستقلة يوليو 2011، أستحضر وضع المنطقة الكردية بشمال العراق المتمتعة بالحكم الذاتي منذ 1974، والشبه منفصلة عن بغداد منذ يونيو 1991 بعد حرب الكويت، وقد حاولت الحكومة المحلية بقيادة مسعود البرزاني الانفصال عن العراق، وإنشاء دولة كردية بإجراء استفتاء للاستقلال شتنبر 2017 حظي بموافقة السكان، لكن المحاولة فشلت بعض رفض حكومة بغداد ودول الجوار لنتائجه وعدم حصول توافق دولي بشأنه. نصطدم أيضا بوضعية رفض سكان تيمور الشرقية مقترح الحكم الذاتي، واختيار الاستقلال عن وطنهم الأم إندونيسيا في مايو 2002، بعد موجه من الصراعات وأعمال العنف والتدمير.
غير أن المشهد مختلف لدى الدول الغربية، فالصورة تبدو معاكسة، ذلك أن الارتباط بالوطن والرموز القومية والتاريخية وبالهوية تعد ظاهرة عامة متجذرة. فهذه الدول مازالت تمثل موطنا للقومية بامتياز، رغم أنها تعاني من تعدد القوميات وتنافسها داخليا، غير أن معالجتها تتسم بالسلمية.
هناك أمثلة نموذجية لتطبيقات منظومة الحكم الذاتي منتشرة بأوروبا وأمريكا وآسيا، تحضر أمامنا حالات: إقليمي كطالونيا والباسك بإسبانيا، فنلندا، الدنمارك، بريطانيا، وكانتونات في سويسرا، قوميتان في بلجيكا، طائفتان دينيتا متصادمتان في ايرلاندا، لغتان وثقافتان وقوميتان في كندا، والوحدة الألمانية بعد انهيار جدار برلين، كذلك الشأن بالنسبة للصين بمناطق التبت، وهونغ كونغ، وماكاو.
الحكم الذاتي الحالة المغربية:
ظل المغرب على الدوام حرا في اختياراته لتدبير ملف الصحراء منذ انطلاق عملية التحرير وصولا إلى مرحلة التدبير الذاتي، رافضا كل المقترحات والمصوغات الخارجية جزائرية أم إفريقية أو أممية، فقد بادر سنة 1963الى المطالبة بتصفية الاستعمار الاسباني بالصحراء الغربية، ثم قام عام 1975 باسترجاع الصحراء بتنظيم المسيرة الخضراء، وخلال سنة 2007 انفرد بتقديم مشروعه السيادي للحكم الذاتي للأقاليم الصحراوية، الذي جاء تجاوبا مع توجهات مجلس الامن الدولي الداعي لإيجاد حل سياسي.
بالعودة إلى بنود مبادرة الحكم الذاتي في الصحراء المغربية، نجد أن المشروع المعروض منذ 2007 جاء كمرحلة أولى في صيغة سياسية بغاية إقناع دول العالم والقوى الكبرى بالذات بجدية المغرب ورغبته الصادقة في التوصل إلى حل، من خلال تقديم مبادرة جد متقدمة موسعة وأكثر شمولية من حيث الصلاحيات والسلطات الممنوحة لساكنة الصحراء مقارنة مع مشاريع دولية أخرى. مبادرة تتماشى مع المبادئ الحديثة للقانون الدولي، خصوصا فيما يتعلق بالمصير الداخلي والحكم الرشيد واحترام الخصوصيات الثقافية الصحراوية، بالشكل الذي يتفق مع مبادئ السلم والاستقرار والتنمية، كان هدف المبادرة أيضا إسقاط الأطروحة الجزائرية الداعية: "الاستفتاء وتقرير المصير والانفصال"، وهو ما تمكن من تحقيقه بعد القرار الدولي 2797.
مقاصد وتوقعات:
لا بد أن الدولة المغربية وهي تدخل غمار هذه التجربة الفريدة عليها التحلي بسياسة الترقب والحذر لضمان السلم والأمن والتماسك ووضع أسس الارتباط الوثيق بين المركز والجهة في سياق نظام حكم ذاتي ثابت، ترجيحا مبدئيا للسياسي والاقتصادي والقانوني والاجتماعي، بقوة متزنة، تستند على استراتيجية المرونة، لإعادة ترتيب الأوضاع على المستويين السياسي والاجتماعي. لذلك يجب وضع البدايات في إطارها.
بالرغم من حسن النوايا التي أبداها المغرب في مشروعه وصِدْقية توجهاته، فالتفاوض للتوصل إلى الحل سيجري مع خصوم العرقلة الجزائر/البوليساريو، وعلى المغرب توقع أسوأ السيناريوهات التي قد تبتدعها الجزائر عند مرحلة التفاوض وما بعدها، فالعداء مستحكم تحول إلى عقدة / مركب نقص، ولنا في المحاولات الجزائرية المتوالية خير مثال لاستهداف أي خطوة أو مشروع مغربي بهدف الإساءة والعرقلة والتشويش والاعتراض والمناورة: عودة المغرب للاتحاد الإفريقي، مشروع أنبوب الغاز بين المغرب ونيجيريا، المبادرة الأطلسية، مبادرة الحكم الذاتي، كأس إفريقيا للأمم 2025....، فعلينا توقع نفس المواقف عند الانتقال إلى تنزيل الحكم الذاتي على الأرض، طالما ظل النظام الحالي.
لذلك والمغرب المقبل على تقديم مشروعه القانوني للحكم الذاتي، الذي يسْتَلهم فيه من تجارب أوروبية مثالية، عليه استحضار أيضا التجارب الفاشلة، مسببات، نتائج، مخاوف، وخبايا، لن يقدم المغرب مشروعا طوباويا متفوقا على نماذج غربية، بل مشروع يتطابق والخصوصية المغربية لتحصين نظام الحكم الذاتي، وتوفير مقومات المناعة القادرة على ضمان استمراريته في تناغم بين المركز والجهة ولدرء مخاطر التدخلات الخارجية، وسد منافذ أي نعرة انفصالية.
في هذا السياق وجب الانتباه والتمعن في مقاصد بعض ما ورد في المبادرة المغربية من صلاحيات موسعة لجهة الصحراء، تلك الواردة بالبنود 12 و15 و27 و32 المتعلقة بالشرطة المحلية والتعاون مع جهات أجنبية "بتشاور" فقط مع الحكومة، ومسألة الاستفتاء ثم امتدادات مهام المجلس الانتقالي، والحيلولة دون ربط نظام الحكم الذاتي بأية التزامات دولية كأطراف النزاع أو الأمم المتحدة، ليظل النص القانوني متحررا من أية أجندة دولية، بل أساسه خطة وطنية لتدبير شأن محلي. يبدو الانشغال مشروعا أيضا عن الحرص على مواصلة الدولة تدبير الأوراش والمشاريع الاستراتيجية الكبرى بالأقاليم الصحراوية، ومسار المبادرة الأطلسية الملكية لفك العزلة الجغرافية بحريا عن منطقة الساحل والصحراء.
لذلك فإن صياغة نص المبادرة مسألة في غاية الأهمية تقتضي الحبكة الأسلوبية والبناء السياسي والقانوني المتين المحصن المنيع، مع استحضار الرؤية الاستباقية للمستقبل والمنطق الاستقرائي لمناورات الخصوم، في ظل توفير مستلزمات تدعيم القرار الجهوي بمقتضيات السيادة الوطنية المقدسة، تعزيزا للتلاحم بين الأرض والأمة الذي يجمعهما التاريخ المشترك والولاء الثابت للعرش الضامن للوحدة.