lundi 26 janvier 2026
كتاب الرأي

فؤاد إبن المير: حين تُقصى العلوم الاجتماعية من المرفق العمومي.. في جذور التوجّس وآليات التهميش

فؤاد إبن المير: حين تُقصى العلوم الاجتماعية من المرفق العمومي.. في جذور التوجّس وآليات التهميش فؤاد إبن المير

لا يثير حضور العلوم الاجتماعية داخل المرافق العمومية جدلًا صريحًا، لكنه يُقابل، في كثير من الأحيان، بتحفّظ صامت وتوجّس غير معلن. فكلما حاول إطار إداري، أو قاضٍ، أو ممارس للشأن العمومي، توظيف أدوات التحليل السوسيولوجي في فهم النص القانوني أو في تدبير القرار، وُضع هذا الخيار موضع سؤال:


هل نحن أمام اجتهاد مفيد، أم أمام “تنظير زائد عن الحاجة”؟

هذا السؤال، في عمقه، لا يتعلق بفعالية العلوم الاجتماعية، بل يكشف اختلالًا بنيويًا في تصور الممارسة العمومية نفسها.

القانون كظاهرة اجتماعية: حقيقة مُغيَّبة

منذ إميل دوركايم، لم يعد القانون يُفهم بوصفه مجرد مجموعة قواعد، بل باعتباره تعبيرًا عن شكل التضامن الاجتماعي السائد. فالقواعد القانونية لا تُنتج في فراغ، بل داخل بنية اجتماعية محددة، تتأثر بالقيم، وبميزان القوى، وبالتمثلات الجماعية.

غير أن جزءً من الممارسة الإدارية والقضائية في سياقاتنا ما يزال يتعامل مع القانون بمنطق الانفصال عن المجتمع، كما لو أن النص يفسّر نفسه بنفسه، وكأن تطبيقه لا يحتاج إلى فهم شروطه الاجتماعية ولا إلى استشراف آثاره الواقعية.

هذا التصور يُنتج ممارسة “سليمة شكليًا”، لكنها في أحيان كثيرة ضعيفة الأثر، أو حتى مولّدة للظلم غير المقصود.

الخوف من المنهج لا من النتائج

لا يعود التوجّس من العلوم الاجتماعية إلى ضعفها، بل إلى ما تفرضه من أسئلة.
فحسب ما يبيّنه ماكس فيبر، فإن الفعل الإداري أو القانوني لا يكون عقلانيًا فقط من حيث الإجراء، بل من حيث المعنى أيضًا.

وعلم الاجتماع يزعج لأنه:
• يسائل دوافع القرار لا شكله فقط
• يكشف الفجوة بين النص والتطبيق
• يُظهر الأثر غير المتكافئ للسياسات العمومية

وهي أسئلة لا تنسجم دائمًا مع مؤسسات تبحث عن الاستقرار واليقين، أكثر من بحثها عن المراجعة والتصحيح.

التهميش كآلية ضبط مؤسسي

نادراً ما يُرفض التحليل الاجتماعي بقرار معلن.
الأكثر شيوعًا هو ما يسميه بيير بورديو العنف الرمزي: أي إقصاء ناعم، غير مباشر، يتم عبر إعادة توصيف الفاعل لا مناقشة الفكرة.

فيُقال عن صاحب المقاربة الاجتماعية:
• “منظّر أكثر من اللازم”
• “غير عملي”
• “صعب الانسجام مع منطق الإدارة”

وبهذا الأسلوب، يُنقل النقاش من مستوى المنهج إلى مستوى الشخص، وتُفرَّغ الفكرة من مشروعيتها دون الحاجة إلى دحضها.

الإدارة العمومية: منطق السرعة بدل الفهم

في المرفق العمومي، تُقاس الكفاءة غالبًا بسرعة الإنجاز، واحترام المساطر، وسلاسة التبرير الإداري.
غير أن إدماج التحليل الاجتماعي يُدخل عنصر التعقيد:
 • يُبرز الفوارق الاجتماعية
 • يُظهر التفاوت في أثر القرار
 • ويطرح سؤال العدالة، لا المشروعية فقط

ولهذا، يُنظر إلى العلوم الاجتماعية كعبء، لأنها تُبطئ القرار، وتُحمّل المسؤول عبئًا أخلاقيًا إضافيًا.

وهنا يبرز ما أشار إليه ميشيل كروزييه:
الإدارة التي تخشى التعقيد، تعوّضه بالجمود.

القضاء: بين النص والواقع

في الحقل القضائي، يبرز التوجّس بشكل أدق.
فالقاضي الذي يستحضر السياق الاجتماعي للنزاع، أو الأثر الاجتماعي للحكم، قد يُنظر إليه باعتباره يغامر بـ“أمن” القرار.

لكن التجربة المقارنة تُظهر أن القضاء الأكثر ثقة هو ذاك القادر على:
• فهم النزاع في عمقه الاجتماعي
• إدراك هشاشة بعض الفئات
• تحقيق توازن بين صرامة النص وروح العدالة

وهو ما لا يمكن بلوغه دون أدوات العلوم الاجتماعية.

الجامعة: أزمة إنتاج العقل النقدي

المفارقة المؤلمة أن هذا التوجّس لا يقتصر على الإدارة والقضاء، بل يمتد أحيانًا إلى الجامعة نفسها.
فالتدريس الذي يربط القانون بسياقه الاجتماعي، ويُشرك الطلبة في مساءلة النص، يُنظر إليه أحيانًا كتهديد للنموذج التقليدي القائم على التلقين والتراتبية.

والنتيجة، كما يحذّر إدغار موران، هي إنتاج معرفة مجزأة:

معرفة لا ترى العلاقات، ولا تفهم التعقيد، ولا تهيّئ الفاعل لمواجهة الواقع.

الولاء كبديل عن الفهم

حين تُقصى العلوم الاجتماعية، لا يبقى الفراغ محايدًا.
غالبًا ما يُملأ بـ:
• الولاء
• الامتثال
• الصمت المهني

فالولاء أسهل في التدبير، وأقل كلفة في المساءلة.
أما الفهم الاجتماعي، فيفرض المقارنة، والنقد، وإعادة التقييم.

وهكذا، لا يُهمَّش التحليل الاجتماعي لأنه ضعيف، بل لأنه يحدّ من هامش التحكم غير المعلن.

نحو مصالحة ضرورية

لا يعني الدفاع عن العلوم الاجتماعية الدعوة إلى تحويل كل إداري أو قاضٍ إلى عالم اجتماع، بل إلى الاعتراف بحقيقة بسيطة:
• القرار العمومي فعل اجتماعي
• والقانون أداة تنظيم اجتماعي

• والعدالة لا تتحقق خارج فهم المجتمع

إن مصالحة المرفق العمومي مع العلوم الاجتماعية ليست ترفًا فكريًا، بل شرطًا لتحديث الإدارة، وتجديد القضاء، واستعادة ثقة المواطن.

فالدولة التي تخشى أدوات الفهم، قد تُدير الحاضر بحدّ أدنى من الاستقرار، لكنها تُراكم اختلالات تؤجل انفجارها… ولا تمنعه.


فؤاد إبن المير / الدكتور فؤاد ابن المير باحث في القانون وعلم الاجتماع