في أمسية كروية مشحونة بالعاطفة والترقب، خيبت صافرة نهاية نهائي كأس أمم إفريقيا «المغرب 2025» آمال الجماهير المغربية، بعدما انهزم المنتخب الوطني المغربي أمام نظيره السنغالي (في ظروف اتسمت بالخبث من طرف مدرب السينغال «باب ثياو») بهدف دون رد، في مباراة اتسمت بالإثارة والندية والجدل حتى دقائقها الأخيرة، بل حتى بعد نهايتها.
بهذه الهزيمة، أخفق المنتخب المغربي في تحقيق لقبه القاري الثاني، متكبدا خسارته الثانية في نهائي كأس أمم إفريقيا، بعد نهائي نسخة 2004 بتونس، حين انهزم أمام أصحاب الأرض بنتيجة (2-1)، علما أن التتويج الوحيد للمغرب يعود إلى نسخة إثيوبيا 1976، ما جعل البحث عن لقب ثان يتجاوز نصف قرن من الزمن.
"الوطن الآن" تعيد قراءة اللقب الضائع، وتكشف عن الدروس المستخلصة من حدث قاري انتهى بما لم يتوقعه أشد المتشائمين، في سيناريو غير مسبوق.
الآن وقد أسدل الستار على دورة كأس أمم إفريقيا التي وصفها الاتحاد الإفريقي بالأنجح تنظيميا، لابد من تقييم التظاهرة تقنيا وإداريا والوقوف على الجوانب الإيجابية والسلبية في أفق استخلاص الدروس من حدث قاري حول المغرب إلى نقطة جذب عالمية على امتداد شهر كامل.
دورة كأس أمم إفريقيا تجبرنا على الالتفات للمواهب الصاعدة
تاريخيا، نجحت المنتخبات المستضيفة في التتويج باللقب القاري في 12 مناسبة، وكان أكبر فوز في مباراة نهائية لمضيف هو (3-0)، وحققته غانا أمام السودان عام 1963، ونيجيريا ضد الجزائر عام 1980. كما تواصل تفوق أصحاب الأرض في النهائيات خلال آخر ثلاث نسخ، بتتويج تونس عام 2004، ومصر عام 2006، وساحل العاج عام 2023.لكن الكرة لا تنصاع لأصحاب الأرض، ولا تخضع لمنطق الاستضافة، وغالبا ما تتحكم في مصير اللقب تفاصيل وجزئيات بسيطة.
ورغم قسوة إخفاق المنتخب المغربي (في ظروف اتسمت بالخبث من طرف مدرب السين غال «باب ثياو»)، يرى متتبعو الشأن الكروي أن هذه الخسارة تفرض وقفة تأمل لاستخلاص الدروس، أبرزها ضرورة التعامل بجدية أكبر مع المباريات الحاسمة، وتغليب المنطق الرياضي على العاطفة، مع اختيار اللاعب الجاهز والانفتاح على المواهب الصاعدة، خاصة وأن المنتخب المغربي لأقل من 20 سنة متوج بلقب كأس العالم ومنتخب اللاعبين المحليين حائز على كأس العرب، والمنتخب الأولمبي في حوزته برونزية آخر أولمبياد.
تقنيا، كشفت دورة كأس أمم إفريقيا زيف التنصيف العالمي والقاري للمنتخبات، إذ أبانت منتخبات في أدنى سلم التصنيف عن إمكانيات واعدة وأحرجت منتخبات تتسيد تصنيف «الفيفا».
وعلى المستوى الفني، أشار يوسف الشاني، الإعلامي الرياضي، إلى التقارب الواضح في مستويات المنتخبات، وقال «لقد شهدت البطولة مباريات متكافئة، وهو ما جعل هامش المفاجآت محدودا، خاصة في ظل الظروف المثالية التي وفرت لجميع المنتخبات، ما سمح للمرشحين بالوصول إلى أبعد نقطة ممكنة».
أما على صعيد التحكيم، فرغم اعتماد التقنيات الحديثة، اعتبره الشاني ملفا يظل مثار جدل، داعيا إلى تنظيم دورات تكوينية أعمق للحكام.
من جانبه، أكد الإطار الوطني عبد الغني ناضر، في تصريح لـ «الوطن الآن»، أن وقع خسارة المنتخب المغربي للنهائي كان قويا ومصحوبا بخيبة أمل كبيرة، خاصة في ظل المستوى الذي قدمه المنتخب الوطني خلال مساره في البطولة، والتنظيم الراقي الذي جعل المغاربة فخورين ببلدهم.
وأضاف ناضر أن الجماهير كانت تستحق التتويج، وأن المنتخب المغربي كان قريبا جدا من تحقيق اللقب، غير أن ضربة الجزاء تظل دائما رهينة الحظ، مؤكدا أن كرة القدم لا تعترف بالمنطق في كثير من الأحيان.
وتطرق ناضر إلى الفرص الضائعة خلال المباراة، وضربة الجزاء التي أهدرت في الدقيقة 94، مرجعا ذلك إلى الضغط والاحدات الذي عاشها اللاعبون خلال مباراة النهائي.
خسر المنتخب المغربي الكأس وفاز بحسن الضيافة والتنظيم
وفر المغرب مناخ الاستضافة الفضلى، إذ مكن كل منتخب من فندق خاص به وملعب للتداريب لا يتقاسمه معه منتخب آخر، رغم أن دفتر التحملات الخاص بتنظيم التظاهرات الكبرى لا يجبر البلد المنظم على ذلك.
لقد تحمل المغرب بعض الملاحظات التي أبدتها بعض المنتخبات.
وفي هذا السياق أوضح الإعلامي الرياضي يوسف الشاني أن نسخة المغرب، رغم الأحداث التي شهدتها المباراة النهائية التي كنا نتمنى تفاديها، أصبحت نسخة مرجعية على المستوى التنظيمي، وأكد أن هذه الدورة رفعت سقف المعايير من حيث البنية التحتية، وجودة الملاعب، واللوجستيك، والأمن، واحترام المواعيد، ما سيجعلها نموذجا يحتذى به في النسخ المقبلة».
وفي ذات السياق أضاف الإطار الوطني عبد الغني ناضر، قائلا إن هذه النسخة شهدت، لأول مرة في تاريخ البطولة القارية، تنظيما بمعايير احترافية عالمية، من ملاعب وبنية تحتية نالت إشادة واسعة، بشهادة رئيس «الكاف»، إلى جانب الحضور الجماهيري المغربي الذي قدم صورة مشرفة، سواء من حيث التشجيع».
وختم حديثه بالتأكيد على أن ضياع كأس إفريقيا لا يعني نهاية المسار، بل إن المنتخب المغربي يواصل تطوره، بفضل توفره على مدرب له إمكانيات، وتوفره على لاعبين من المستوى العالي، معربا عن ثقته في استخلاص العبر من هذه التجربة وترتيب الأوراق.
كما شدد على أن ما تحقق هو ثمرة حكامة جيدة ورؤية ملكية واضحة انطلقت سنة 2008 من خلال الرسالة الملكية بالصخيرات، وبفضل العمل المتواصل للجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، مشددا على أنه «لا خوف على المنتخب المغربي» في ظل القتالية وروح المواطنة التي أبان عنها اللاعبون، وأن الأنظار تتجه الآن بثقة نحو الاستحقاقات المقبلة.
لقد رفعت «كان المغرب» سقف الطموح وأعطت الأمل لشعوب القارة الإفريقية للاستثمار في الكرة والتعامل معها كرافعة للتنمية، وأن تدرك أن المباريات الكروية لا تلعب فقط بالأقدام، بل تلعب أيضا بالعقل والتخطيط الجيد والرغبة في الانتصار.