إذا كان من الطبيعي، تثير الاحداث التي رافقت المباراة النهائية لبطولة كأس أمم إفريقيا لكرة القدم، الأحد الماضي التي " فاز" بها منتخب السنغال، استياء كبيرا من الرأي العام المغربي، ليس فقط بسبب نتيجة المقابلة، ولكن بالممارسات السلبية والغير رياضية من طرف " أسود تيرانغا"، لكن هذه الأحداث رغم خطورتها على صورة افريقيا في كرة القدم، فإنها ستظل أحداثا معزولة، بالمقارنة مع النجاح الكبير الذى حققته دورة المغرب، وهو ما ينبغي أن لا يؤدي الى الانسياق مع دعوات التحريض على العنصرية والكراهية والتمييز والإقصاء .
إن اختيار المغرب التوجه نحو افريقيا، لا يرتبط بمباراة في كرة القدم التي تقتضى الفوز، كما الهزيمة، بل إن دستور 2011، ينص في تصديره " تقوية علاقات التعاون والتضامن مع الشعوب والبلدان الإفريقية، ولاسيما مع بلدان الساحل والصحراء". كما نص على " حظر ومكافحة كل أشكال التمييز، بسبب الجنس أو اللون أو المعتقد أو الثقافة أو الانتماء الاجتماعي أو الجهوي أو اللغة أو الإعاقة أو أي وضع شخصي، مهما كان".
التضليل الاعلامي
وهذا ما يجعل كل الذين يروجون لدعوات التحريض والكراهية، والتضليل خاصة عبر وسائل الاعلام ومنصات التواصل فإنهم بهذا السلوك يقومون بخرق المقتضيات الدستورية، كما أن ذلك يتناقض مع السياسة التضامنية التي يعتمدها المغرب في استقبال المهاجرين، خاصة من جنوب الصحراء والذي يؤكد على التعامل مع أشقائه الأفارقة وفق مقاربة انسانية مندمجة تصون حقوقهم وتحفظ كرامتهم.
وبغض النظر عن الممارسات المشينة الصادرة عن لاعبي والمدرب والطاقم التقني وبعض الجماهير السنغالية، خلال المباراة النهائية، وممارسة التضليل، فإن تنظيم البطولة القارية، كانت - حسب المختصين والمسؤولين الرياضيين الأفارقة - أحسن دورة، التي تحطمت خلالها كافة الأرقام القياسية في مختلف المجالات منذ أول دورة بالسودان سنة 1957.
ثقافة رياضية
ويشكل الإعلام، جزء هاما من الاستراتيجية الشاملة لمحاربة العنف، لدوره الأساسي في تشكيل سلوك الجمهور وبناء ثقافة رياضية ذات أبعاد تربوية وتحفيزية للسلوكيات الإيجابية لدى الجمهور واللاعبين والمسؤولين الرياضين، وإبراز الممارسات الفضلى في هذا المجال. كما يمكن للصحفيين المغاربة، أن يلعبوا دورا حاسما في مكافحة خطاب الكراهية، وذلك باستخدام الإعلام من أجل المساهمة في الارتقاء بمستوى الوعي بالمخاطر الناجمة عن هذا الخطاب والعمل من جهة أخرى على إشاعة وتعزيز قيم التسامح والاحترام المتبادل، إنتاج تقارير ومقالات تسلط الضوء على التنوع الثقافي وأهمية اللعب النظيف، داخل الملعب وخارجه، كما سجل الفاعل الحقوقي الحبيب بلكوش، في كتابي حول " الاعلام مونديال 2030 " الصادر سنة 2025.
وفي الوقت الذي يلاحظ تزايد فيه خطاب الكراهية على وسائل التواصل الاجتماعي، وخاصة بين مشجعي كرة القدم، كانت الأمم المتحدة قد أطلقت سنة 2022حملة نموذجية من المغرب تحت شعار " بلغ على خطاب الكراهية"، للتوعية بمخاطره، والحث على وقف انتشار خطاب الكراهية بين مشجعي كرة القدم خاصة على مواقع التواصل الاجتماعي، ورفع الوعي بخطورة هذا الخطاب والتحذير من انعكاساته النفسية والمادية على الأفراد والمجتمعات، فضلا عن إثارة الانتباه إلى خطورة خطاب الكراهية الذي لا يبقى حبيس الإنترنت، ومواقع التواصل الاجتماعي، بل ينتقل للواقع، ويمكن أن يؤدي إلى العنف، وأحداث مأساوية في جميع أنحاء العالم.
حروب بالوكالة
لقد كان لما شاب المباراة النهائية من أحداث وتوترات، انعكاس على بعض وسائل الإعلام والاتصال،ووسائل التواصل الاجتماعي التي تحولت الى "ساحات حربية، بالوكالة "، وهذا ما أثبته تعاليق وتحليلات مجريات عدة مباريات في كأس أمم إفريقيا لكرة القدم.
ومن جهة أخرى كثيرا ما يتم التذكير في مناسبات متعددة، بأنه لا يمكن تحقيق أي نجاح رياضي بدون توفر البلاد على وسائل اعلام مهنية، وأن لا رياضة بدون اعلام أصبح يعرف انزياحا عن المهنية ويتجه بشكل أكبر نحو تقليد هجين لما تروجه وسائل التواصل الاجتماعي التي تخرق باستمرار قواعد اخلاقيات الاعلام والاتصال.
وعلى خلاف ذلك أفاد الموقع الالكتروني " أنفاس بريس"، بأن هيئات حقوقية وجمعوية ونقابية، حذرت من عودة مقلقة لخطابات معادية للمهاجرين وتهديدات مباشرة للعيش المشترك، التي روج لها خاصة على شبكات التواصل الاجتماعي، ملاحظة أن هذه التوترات تجاوزت الإطار الرياضي، لتلامس قضايا جوهرية مرتبطة بحقوق الإنسان، والتعايش، ومكانة المهاجرين، ولا سيما القادمين من دول إفريقيا جنوب الصحراء، داخل المجتمع المغربي.
خطاب الكراهية
وبعدما لاحظت هذه الهيئات بأن تأويل نتيجة المباراة بخلفيات رمزية من طرف بعض الفاعلين أسهم في تغذية مشاعر الإحباط والعداء، وإعادة إنتاج سرديات إقصائية قائمة على التمييز أوضحت " أنفاس بريس" استنادا لمصادرها، أن منصات معروفة بخطابها المعادي للهجرة، استغلت الحدث لإعادة الترويج لدعوات تحريضية، من بينها التشكيك في سياسات الضيافة المغربية، والدعوة إلى الطرد الجماعي، وتداول شائعات حول فرض قيود إدارية وتمييزية على المهاجرين، في خرق واضح لمبادئ المساواة وعدم التمييز أمام القانون.
وتندرج هذه الخطابات ضمن مسار أوسع من التضليل الإعلامي والتحريض على الكراهية، حيث يُقدَّم المهاجرون كتهديد للأمن والموارد وفرص الشغل، مقابل تجاهل إسهاماتهم الاجتماعية والاقتصادية، حسب ذات المصادر التي اعتبرت أن ذلك " يشكّل انتهاكًا مباشرًا للقيم الدستورية التي تكرّس كرامة الإنسان وحماية الحقوق والحريات الأساسية، حسب مصادر ذات الموقع الالكتروني.
وحذرت هذه الهيئات والمنظمات، من خطورة انتشار الدعوات إلى المقاطعة الاجتماعية والاقتصادية للمهاجرين، وما قد يترتب عنها من ممارسات إقصائية يومية تهدّد السلم الاجتماعي، وتنذر بانتهاكات محتملة للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وللحق في السلامة والكرامة مؤكدة أن المباراة لم تكن سببًا مباشرًا لهذه التوترات، بل شكّلت عاملًا كاشفًا لاختلالات اجتماعية واقتصادية ورمزية قائمة، داعية إلى تفعيل الآليات القانونية لمواجهة خطاب الكراهية، وتعزيز التربية على حقوق الإنسان، وترسيخ سياسات عمومية تحمي العيش المشترك، وتمنع تحويل أحداث ظرفية إلى مسارات ممنهجة لانتهاك الحقوق وتقويض التماسك الاجتماعي.
تعبئة شاملة
كما يقتضى الأمر الاستفادة من الفرص التي يتيحها التطور التكنولوجي للارتقاء بأداء وسائل الإعلام، والتعامل الجدى مع انعكاسات الثورة الرقمية وتأثيراتها على الأداء المهني مع استحضار الاشكاليات التي تطرحها المتغيرات المجتمعية، وتحولات مزاج الرأي العام، من أجل استعادة الثقة المفقودة، خاصة في ظل كسر التكنولوجيات الحديثة، لاحتكار الصحافيين والإعلاميين، لنشر وتعميم الأخبار والمعلومات التي كانت الى وقت قريب، اختصاصا خالصا للصحافيين.
فما أفرزته بطولة أمم إفريقيا لكرة القدم، تطلب العمل على استثمار في القيام بتقييم موضوعي لمختلف الجوانب التي رافقت نسخة ( كان ) بالمغرب ، بهدف الوقوف عند نقط القوة لتطويرها وتحديد مكامن الضعف لتجاوزها، خاصة والمغرب على مشارف احتضان مونديال 2030 بمعية اسبانيا والبرتغال، الذي يتطلب تعبئة شاملة أكبر، وفق مقاربة تشاركية، مع الايمان بمركزية الإعلام المهني في إنجاح التظاهرات الرياضية مستقبلا، مع ادراج بعين الاعتبار بالتحولات التي تعرفها جماهير كرة القدم، الذي أضحى لاعبا رئيسا في التأثير على مجريات المباريات داخل الملاعب وخارجها، نتيجة الأجواء التي يخلقها، وتنويع أساليب احتفاليته.