lundi 2 mars 2026
كتاب الرأي

محمد براو: حرب الإرادات والاستنزاف.. قراءة استراتيجية في الصراع الإيراني الأمريكي الإسرائيلي

cc23315e-43b7-4f18-817c-d853a11b5700.gif.

محمد براو: حرب الإرادات والاستنزاف..  قراءة استراتيجية في الصراع الإيراني الأمريكي الإسرائيلي محمد براو

لم يعد ممكناً قراءة الحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، باعتبارها مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل هي تجسيد حيّ لما تسميه الواقعية البنيوية بـ"معضلة الأمن". فكل خطوة يتخذها طرف لتعزيز أمنه تُفسَّر من قبل الطرف الآخر كتهديد مباشر، ما يدفعه إلى تصعيد مقابل. في هذا السياق، ترى واشنطن وتل أبيب أن تقويض القدرات الإيرانية ضرورة لحماية أمنهما وردع خصم إقليمي صاعد، بينما تعتبر طهران أن أي محاولة لإضعافها تمثل تهديداً وجودياً يستوجب الرد. وهكذا تتحول معادلة الردع إلى ديناميكية تصعيد مستمر، حيث يصبح الحفاظ على المصداقية عاملاً حاسماً. فوفق نظرية الردع، لا يكفي امتلاك القدرة العسكرية، بل يجب إثبات الاستعداد لاستخدامها. ومن هنا يمكن فهم السلوك الإيراني بعد اغتيال قيادته العليا: فالتراجع كان سيُفسَّر كضعف، بينما التصعيد يُستخدم كرسالة سياسية لإعادة تثبيت الردع، فيما يشبه ما سماه توماس شيلينغ "دبلوماسية العنف".

 

في المقابل، تكشف الاستراتيجية الإيرانية عن اعتماد واضح على منطق الحروب غير المتكافئة. فإدراكاً للفجوة في ميزان القوة التقليدية، تميل طهران إلى تبني استراتيجية الاستنزاف الطويل بدل المواجهة الحاسمة. الضربات المتواصلة منخفضة الوتيرة، واستهداف المصالح والقواعد الأمريكية، يعكسان رهاناً على عامل الزمن وعلى حساسية الخصم للخسائر السياسية والاقتصادية. هنا تحضر نظرية "إرادة القتال" التي تفترض أن الطرف الأضعف قد يصمد أو حتى يفرض شروطه إذا امتلك قدرة أعلى على تحمل الكلفة. غير أن هذا الرهان محفوف بالمخاطر؛ إذ قد لا تكون الولايات المتحدة بالقدر المتوقع من الهشاشة السياسية، وقد يؤدي الضغط المتبادل إلى سباق تصعيد بدلاً من إنهاك أحادي الاتجاه.

 

أما على المستوى الجيوسياسي، فإن توسيع ساحة الصراع يتجاوز مجرد البعد العسكري إلى محاولة إعادة رسم معادلة الكلفة إقليمياً ودولياً. فموقع إيران الاستراتيجي عند تقاطع الخليج وشرق المتوسط وآسيا الوسطى يمنحها أدوات ضغط تتعلق بأمن الطاقة والممرات الحيوية والقواعد العسكرية المنتشرة في محيطها. توسيع نطاق العمليات ليشمل ساحات أوروبية أو قواعد في دول الخليج يمكن فهمه ضمن استراتيجية "تدويل الكلفة"، أي جعل الحرب باهظة الثمن ليس فقط لواشنطن بل لحلفائها أيضاً. غير أن هذه الخطوة ترفع بدورها مخاطر الانزلاق إلى صراع أوسع، خاصة في ضوء ما يسميه هيرمان كان "سُلَّم التصعيد"، حيث يصبح الانتقال من مستوى إلى آخر أسهل من العودة إلى الوراء، وتزداد احتمالات سوء الحسابات.

 

في ضوء نظريات التفاوض، يبدو أن الطرفين لم يصلا بعد إلى ما يُعرف بـ"منطقة الألم المتبادل"، أي اللحظة التي يدرك فيها كل طرف أن استمرار القتال أكثر كلفة من التسوية. إيران تراهن على رفع الكلفة لبلوغ هذه النقطة، فيما تعتقد الولايات المتحدة وإسرائيل أن استمرار الضغط سيُضعف خصمهما ويدفعه إلى تقديم تنازلات. وبين هذين الرهانين، تتآكل فرص الحل السريع. فالحرب هنا ليست مجرد اختبار للقوة العسكرية، بل لمدى القدرة على تحمّل الاستنزاف الطويل دون انهيار داخلي أو فقدان شرعية دولية. وفي مثل هذه الصراعات، لا يُحسم الأمر فقط بمن يملك السلاح الأقوى، بل بمن يستطيع إدارة الزمن والكلفة والسياسة بمهارة أكبر، ويفرض في النهاية شروط الخروج من الحرب.