dimanche 1 mars 2026
كتاب الرأي

رشيد بوفوس: ارتباك الولاءات

cc23315e-43b7-4f18-817c-d853a11b5700.gif.

رشيد بوفوس: ارتباك الولاءات رشيد بوفوس

هناك سذاجات تكاد تبلغ حدّ اللامسؤولية. وهناك مواقف، تحت غطاء الأخلاق أو الدين، تتحوّل إلى خطر سياسي.
الدعوة إلى التظاهر في المغرب دعمًا للجمهورية الإسلامية الإيرانية، مع التغاضي المتعمّد عن موقفها الثابت من الوحدة الترابية للمملكة، ليست مجرد رأي. إنها خطأ في التحليل. خطأ في ترتيب الأولويات. وخطأ في الولاء السياسي.
الوقائع عنيدة. فمنذ سنة 1980، تعترف طهران بكيان ينازع المغرب سيادته على صحرائه. ولم يتم التراجع عن هذا الاعتراف قط. إنه فعل دبلوماسي واضح. وهو يمسّ صميم استقرارنا الاستراتيجي.
يمكن مناقشة كل شيء، إلا الوحدة الترابية للمغرب.التضامن ليس ردّ فعل آليا.ًولا يتحرّك بمجرد سماع كلمة «مسلم».
ولا يُبنى على موجات العاطفة الإعلامية.
الدولة ليست أخوية روحية، بل كيان سيادي يقوم على المصالح والحدود والأمن.
فماذا نرى اليوم؟
دعوات حماسية لدعم نظام إيراني يقف، في مسألة مركزية، موضوعيًا في المعسكر المقابل لموقف المغرب. خطابات ملتهبة عن كرامة الشعوب، يقابلها صمت مدوٍّ عن كرامة الوطن الترابية. لا يمكن، من جهة، مطالبة العالم باحترام وحدة المغرب،ومن جهة أخرى، التصفيق لدولة تعترف بتجزئته. ولا يمكن التلويح بمفهوم «السيادة» حين يتعلق الأمر بقضايا أخرى، ثم التقليل من شأن سيادتنا عندما تتعارض مع ميولنا الإيديولوجية. السيادة ليست انتقائية، وليست قابلة للتفاوض. التذكير بهذه الحقيقة ليس رقابة. وليس استبدادًا المطالبة بحدّ أدنى من الوضوح الاستراتيجي. إنه واقعية.الجيوسياسة ليست مسرحًا للأخلاق المجردة، بل هي موازين قوى.
إيران تنتهج استراتيجيتها الإقليمية الخاصة، وهي منسجمة من منظورها. تسعى إلى توسيع نفوذها، وتكثير أدواتها غير المباشرة، والتأثير في التوازنات. وهذا حقّ كل دولة قوية.
لكن للمغرب أيضًا الحق، بل الواجب، في الدفاع عن خطوطه الحمراء. وأولى هذه الخطوط: الوحدة الترابية.
التظاهر دعمًا لدولة تحافظ على موقف مناقض لهذا الخط الأحمر ليس فعلًا محايدًا. إنه رسالة سياسية. وكل رسالة لها دلالتها.
المسألة ليست منع رأي. بل طرح سؤال بسيط:
هل يمكن الادعاء بالدفاع عن الكرامة الوطنية، مع التقليل من شأن ما يؤسس لوجودها؟
حرية التعبير ركيزة أساسية. لكن الحرية لا تلغي المسؤولية. يعلّمنا التاريخ درسًا ثابتًا: الأمم التي تبقى هي التي تعرف كيف ترتّب أولوياتها. والأمم التي تضعف هي التي تخلط بين العاطفة والمصلحة الحيوية. الصحراء ليست ملفًا دبلوماسيًا عابرًا، بل هي المصفوفة الاستراتيجية للمغرب المعاصر.يمكن انتقاد الدبلوماسية المغربية. يمكن مناقشة التحالفات. يمكن اقتراح رؤى أخرى.لكن لا يمكن العبث بأساس وحدة التراب الوطني.
ارتباك الولاءات ليس أمرًا عابرًا.
يبدأ بشعارات، وينتهي بشروخ. النضج السياسي هو أن ندرك أن القضايا لا تتساوى عندما تصطدم بقضيتنا. المغرب لا يحتاج إلى إجماع شكلي. بل يحتاج إلى وضوح. والوضوح يفرض حقيقة بسيطة: السيادة لا تُفاوض، ولا تُهوَّن، ولا تُجزَّأ.

بل تُدافع عنها. دائمًا.