dimanche 1 mars 2026
كتاب الرأي

عبد الحكيم العياط: الهجوم على إيران.. هل دخل العالم مرحلة إعادة تشكيل النظام الدولي بالقوة؟

cc23315e-43b7-4f18-817c-d853a11b5700.gif.

عبد الحكيم العياط: الهجوم على إيران.. هل دخل العالم مرحلة إعادة تشكيل النظام الدولي بالقوة؟ عبد الحكيم العياط

لم يعد الصراع بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، مجرد حرب ظل أو مواجهة عبر الوكلاء، بل انتقل صباح 28 فبراير 2026 إلى مستوى جديد يمكن وصفه ببداية حرب إقليمية مفتوحة ذات أبعاد دولية، بعد تنفيذ هجوم عسكري مشترك واسع استهدف العمق الإيراني بشكل مباشر.الهجمات الجوية التي استهدفت العاصمة طهران ومدن استراتيجية مثل أصفهان وقم وكرمانشاه لم تكن عملية عسكرية تقليدية، بل شكلت تحوّل نوعي في قواعد الاشتباك التي حكمت الشرق الأوسط منذ نهاية الحرب الباردة.

طيلة عقود، ظل الصراع بين الولايات المتحدة وإيران يُدار عبر ساحات وسيطة، من العراق إلى سوريا ولبنان واليمن، حيث كانت الحروب تُخاض بواسطة الفاعلين المحليين دون الوصول إلى مواجهة مباشرة قد تجر المنطقة إلى انفجار شامل. غير أن الضربات الأخيرة التي استهدفت العمق الإيراني تعني أن منطق الاحتواء الاستراتيجي قد انهار لصالح منطق الضربة الاستباقية، وهو تحول خطير يعكس قناعة متزايدة داخل دوائر القرار الغربية بأن إدارة التهديدات لم تعد ممكنة عبر الدبلوماسية أو العقوبات فقط، بل عبر إعادة تشكيل موازين القوة بالقوة العسكرية المباشرة.

الخطاب الرسمي الأمريكي والإسرائيلي يقدم الهجوم باعتباره ضرورة أمنية تهدف إلى تحييد البرنامج النووي والصاروخي الإيراني، غير أن القراءة السياسية الأعمق توحي بأن الهدف يتجاوز بكثير الملف النووي نحو إعادة ضبط المجال الجيوسياسي للشرق الأوسط ومنع بروز قوة إقليمية قادرة على فرض استقلال استراتيجي خارج المظلة الغربية، فإيران خلال العقدين الماضيين نجحت في بناء شبكة نفوذ عابرة للحدود أعادت تعريف مفهوم القوة الإقليمية، وهو ما جعلها تتحول من خصم مزعج إلى تحدٍّ بنيوي للتوازن الأمني الذي تشكل بعد نهاية الحرب الباردة.

خطورة التطورات الحالية لا تكمن فقط في حجم الضربات العسكرية، بل في سقوط مفهوم الردع المتبادل الذي حافظ على نوع من الاستقرار النسبي رغم التوتر الدائم. فعندما تصبح القيادة السياسية والعسكرية هدف مباشر للعمليات العسكرية، فإن الصراع ينتقل من محاولة تعديل سلوك الدولة إلى محاولة كسر إرادتها السياسية، وهو منطق تاريخي ما كان يؤدي إلا إلى حروب طويلة وغير قابلة للتحكم في نتائجها. الرد الإيراني السريع وما رافقه من تهديد بتوسيع نطاق المواجهة يؤكد أن المنطقة دخلت بالفعل مرحلة التصعيد المتبادل، حيث يصبح أي خطأ في الحسابات كفيلا بتحويل النزاع إلى حرب إقليمية واسعة قد تمتد إلى الخليج وممرات الطاقة الحيوية.

في عالم مترابط اقتصاديا، لم تعد الحروب شأناً جغرافي محصور، إذ سرعان ما ستنعكس التطورات العسكرية على الأسواق العالمية وأسعار الطاقة، ما يعيد التذكير بأن أمن الشرق الأوسط لم يعد قضية إقليمية بل عنصر أساسي في استقرار الاقتصاد الدولي. فاحتمال اضطراب الملاحة في مضيق هرمز وحده كفيل بإحداث صدمات اقتصادية عالمية، وهو ما يجعل تداعيات الحرب تتجاوز أطرافها المباشرين لتطال دولا بعيدة جغرافيا لكنها مرتبطة بمنظومة الطاقة والتجارة العالمية.

سياسيا، يمكن فهم ما يحدث باعتباره تعبيرا عن مرحلة انتقال في بنية النظام الدولي، حيث تسعى القوة المهيمنة إلى منع صعود قوى إقليمية قد تساهم في تسريع الانتقال نحو عالم متعدد الأقطاب. فالصراع الدائر لا يتعلق فقط بإيران أو إسرائيل، بل يعكس صراع أوسع حول شكل النظام العالمي المقبل وحدود استخدام القوة في العلاقات الدولية. ومع تزايد احتمالات انخراط قوى دولية أخرى بشكل مباشر أو غير مباشر، يصبح الشرق الأوسط مرة أخرى مسرحا لإعادة ترتيب موازين القوة العالمية.

التاريخ يعلمنا أن الحروب الكبرى لا تبدأ عادة بقرار شامل، بل بسلسلة خطوات تصعيدية يعتقد كل طرف أنها محدودة وقابلة للسيطرة. غير أن الواقع غالبا ما يكشف عكس ذلك، حيث تتحول الضربة الأولى إلى دينامية صراع يصعب إيقافها. لذلك فإن السؤال المطروح اليوم لم يعد مرتبطا بنتائج العمليات العسكرية الآنية، بل بمدى قدرة المجتمع الدولي على منع انزلاق المنطقة نحو مرحلة فوضى استراتيجية قد تعيد رسم خرائط النفوذ والتحالفات لعقود قادمة.

ما يحدث اليوم ليس مجرد مواجهة عسكرية عابرة  إنه بداية نهاية مرحلة كاملة من تاريخ الشرق الأوسط كما عرفناه منذ مطلع القرن الحادي والعشرين، وبداية زمن جديد تصبح فيه القوة الصلبة مجددا الأداة الأساسية لحسم التنافس الدولي، في عالم يبدو أنه يبتعد تدريجيا عن منطق التسويات ويتجه نحو منطق الصدام المفتوح.

 

 

عبد الحكيم العياط

باحث جامعي في العلوم السياسية