يواجه طبيب نفسي مغربي حالياً اتهامات باعتداءات جنسية على مريضات.
القضية معروضة أمام الجهات المختصة، وفي هذه المرحلة يجب التأكيد بوضوح على مبدأ أساسي: كل شخص موضوع اتهام يتمتع بقرينة البراءة إلى أن يصدر حكم قضائي نهائي.
غير أن هذه القضية، بصرف النظر عن مصيرها القضائي، تطرح أسئلة عميقة تهم القضاة والمهنيين الصحيين والرأي العام. فهي تدعو إلى التفكير في الإطار القانوني المنظم للمهنة، وفي أخلاقيات الطب، وفي سبل حماية المرضى الأكثر هشاشة.
يحتل الطب النفسي مكانة خاصة داخل المنظومة الطبية، نظراً لارتباطه المباشر بعمق التجربة الإنسانية. فهو يمارس في قلب الخصوصية النفسية.
داخل العيادة النفسية يكشف المريض صدماته، مخاوفه، وهشاشته العاطفية.
العلاقة العلاجية تقوم على ثقة مطلقة، لكنها تقوم أيضاً على عدم توازن بنيوي واضح.
فالطبيب يمتلك المعرفة والسلطة الطبية وموقع التأثير الذي يتجاوز حدود الفعل التقني البحت.
في هذا السياق، تصبح مسألة الرضا والموافقة امر معقد.
هل يستطيع مريض يعاني من اضطراب نفسي، أو اكتئاب، أو حالة اعتماد عاطفي على معالجه، أن يمنح موافقة حرة ومستنيرة على علاقة حميمية؟
مدونات أخلاقيات المهنة في مختلف دول العالم واضحة في هذا الشأن: أي علاقة حميمية بين طبيب ومريض أثناء فترة العلاج تُعد خرقاً جسيماً للقواعد المهنية.
في المغرب، يوجد مستويان من المساءلة.
المستوى الأول جنائي. إذا تم التبليغ عن أفعال يُشتبه في كونها إجرامية، فإن القضاء هو الجهة المخول لها تكييف الوقائع، وفحص الأدلة، وإصدار الحكم.
وعلى القاضي أن يقدّر العناصر المعروضة عليه في ضوء القانون الجنائي، مع مراعاة هشاشة المشتكيات وطبيعة علاقة السلطة القائمة.
المستوى الثاني تأديبي. إذ يمكن إحالة الملف على الهيئة المهنية للنظر في احتمال وجود إخلال بمدونة أخلاقيات المهنة.
المسطرة التأديبية تختلف عن المسطرة الجنائية، وهدفها حماية أخلاقيات المهنة وصون ثقة المجتمع في المؤسسة الطبية.
غير أن قوة ومصداقية أي موقف تأديبي تظل مرتبطة بمدى شرعية ومشروعية الهيئة المهنية القائمة عليه.
فكيف يمكن للقرار التأديبي أن يحظى بالثقة الكاملة إذا كان هناك جدل حول مشروعية الولاية أو انتهاء الانتداب؟
هذا سؤال يفرض نفسه في سياق البحث عن الشفافية وتعزيز الثقة.
قضايا الاعتداءات في المجال النفسي غالباً ما تُكشف بعد فترة من الصمت.
الشعور بالخجل، والخوف من عدم التصديق، والقلق من وصمة المرض النفسي، إضافة إلى الارتباط العاطفي بالمعالج، كلها عوامل قد تؤخر التبليغ.
هذا الواقع يفرض على رجال القانون فهماً دقيقاً للديناميات النفسية المعقدة.
فشهادة المريض لا يمكن إقصاؤها بسبب حالته المرضية، كما لا يمكن قبولها دون تمحيص قانوني دقيق ومتوازن.
التغطية الإعلامية لمثل هذه القضايا تتطلب قدراً كبيراً من الحذر، لتجنب التعميم أو التشهير.
فالغالبية الساحقة من الأطباء النفسيين في المغرب تمارس مهنتها بنزاهة وتفانٍ.
ولا يجوز اختزال تخصص بأكمله في اتهام فردي.
لكن في المقابل، لا يمكن أن تقوم حماية المهنة على الصمت.
مصداقية الجسم الطبي تتعزز بقدرته على مواجهة الانحرافات المحتملة ومعالجتها بحزم عندما تثبت الوقائع.
الشفافية، في إطار القانون، عنصر أساسي في بناء الثقة.
كما تفتح هذه القضية باب التفكير في سبل الوقاية.
تعزيز التكوين الأخلاقي، وتوعية الأطباء بمفاهيم التحويل العاطفي والتحويل المضاد، وإحداث آليات واضحة للتبليغ لفائدة المرضى، إضافة إلى تطوير أنظمة الإشراف المهني، كلها خطوات يمكن أن تساهم في حماية العلاقة العلاجية.
الطب يقوم على ميثاق ثقة.
وفي الطب النفسي يكون هذا الميثاق أكثر حساسية لأنه يتعلق بخصوصية النفس وتوازنها العاطفي.
وإذا ثبتت تجاوزات، فإنها لا تمثل مجرد مخالفة قانونية أو تأديبية، بل تمس جوهر العلاقة العلاجية نفسها.
بين قرينة البراءة، وحماية الأشخاص الهشين، ومتطلبات الأخلاقيات المهنية، يظل التوازن دقيقاً لكنه ضروري.
فالإخبار الدقيق والمسؤول، بعيداً عن الإثارة أو التواطؤ، يساهم في إنارة العدالة وتعزيز ثقة المجتمع في الطب.
الدكتور أنور الشرقاوي، خبير في التواصل الطبي والإعلام الصحي
.