الحكم الذاتي قضية وطنية مصيرية تمس حاضر ومستقبل المغرب، ومع ذلك يُلاحظ غياب تام للنقاش الوطني المفتوح حول محتويات هذا المشروع الحيوي. في حين تم فتح حوارات واسعة حول مواضيع مثل مدونة الأسرة أو النموذج التنموي الجديد، يظل ملف الحكم الذاتي محاطًا بالسرية والتعتيم، وكأن الأمر قرار يُتخذ بعيدًا عن إرادة الشعب المغربي. هذا الغموض يطرح تساؤلات جدية عن سبب تغييب المواطنين عن نقاش مشروع يمس سيادة الوطن وأقاليمه الجنوبية بشكل مباشر.
إن إدارة الملف بهذا الشكل لا تخدم سوى خلق فجوة بين الدولة ومواطنيها، خصوصًا سكان الأقاليم الجنوبية الذين هم المعنيون الأول والآخر بتطبيق الحكم الذاتي. كيف يمكن تصور نجاح مشروع حكم ذاتي دون إشراك فعلي لشيوخ القبائل، والنخب المحلية، وأبناء هذه المناطق في صياغة ملامحه؟ غيابهم عن النقاش يطرح علامة استفهام كبيرة حول مصداقية المشروع وشرعيته الشعبية.
تغييب الحوار الوطني حول الحكم الذاتي يحمل مخاطر جمة، أبرزها فقدان الشرعية الشعبية للمشروع، ما قد يؤدي إلى توتر العلاقات بين المركز والمناطق الجنوبية ويضعف التماسك الوطني. كما أن غياب الشفافية يفتح الباب أمام تفسيرات خارجية قد تضر بصورة المغرب على الصعيد الدولي، خاصة إذا تم النظر إلى الحكم الذاتي كمشروع مفروض من أعلى وليس ثمرة توافق وطني.
لذلك، لا بد من إعادة النظر في أسلوب إدارة هذا الملف عبر فتح نقاش وطني شامل، يضم جميع مكونات المجتمع المغربي، ويشمل منابر الإعلام، ومجالس الحوار، ومنصات المجتمع المدني، مع إيلاء أهمية قصوى لإشراك الشباب والنخب في الأقاليم الجنوبية. مشاركة الجميع في هذا النقاش ليست رفاهية، بل ضرورة ملحة لضمان نجاح المشروع وافتكاك شرعيته من تحت أقدام السرية والتهميش.
في النهاية، الحكم الذاتي لن يكون إلا مشروعًا حقيقيًا ومقبولًا إذا ما كان ثمرة حوار وطني ديمقراطي، حيث يشارك الجميع في صياغته وتطويره. إن الاستمرار في التعامل مع هذا الملف بسرية وغموض لن يؤدي إلا إلى تعميق الهوة بين الدولة ومواطنيها، وربما يعرض استقرار الأقاليم الجنوبية لمخاطر لا تحمد عقباها.
.