jeudi 19 février 2026
سياسة

أحمد نور الدين: من مصلحة المغرب أن لا يتجاوز مقترح الحكم الذاتي صلاحيات الجهوية المعمول بها حاليا بالبلاد

أحمد نور الدين: من مصلحة المغرب أن لا يتجاوز مقترح الحكم الذاتي صلاحيات الجهوية المعمول بها حاليا بالبلاد ‬أحمد‭ ‬نور‭ ‬الدين،‭ ‬الخبير‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية‭ ‬والمتخصص‭ ‬في‭ ‬ملف‭ ‬الصحراء

يرى‭ ‬أحمد‭ ‬نور‭ ‬الدين،‭ ‬الخبير‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية‭ ‬والمتخصص‭ ‬في‭ ‬ملف‭ ‬الصحراء،‭ ‬أن‭ ‬لقاء‭ ‬مدريد‭ ‬يمثل‭ ‬تحولا‭ ‬دبلوماسيا‭ ‬غير‭ ‬مسبوق‭. ‬فالجزائر،‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬ترفض‭ ‬أي‭ ‬مفاوضات‭ ‬مع‭ ‬المغرب‭ ‬حول‭ ‬الصحراء،‭ ‬رضخت‭ ‬للمرة‭ ‬الأولى‭ ‬للجلوس‭ ‬إلى‭ ‬طاولة‭ ‬المفاوضات،‭ ‬تحت‭ ‬رئاسة‭ ‬أمريكية‭ ‬فعلية‭ ‬وبمشاركة‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬والمبعوث‭ ‬الشخصي‭ ‬للأمين‭ ‬العام‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعتبر‭ ‬تحولا‭ ‬استراتيجيا‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬قضية‭ ‬الصحراء‭ ‬المغربية،‭ ‬مضيفا‭ ‬بأن‭ ‬رئاسة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬لاجتماع‭ ‬مدريد‭ ‬ومسلسل‭ ‬التسوية‭ ‬المنبثق‭ ‬عنه‭ ‬يعد‭ ‬بمثابة‭ ‬انتصار‭ ‬للموقف‭ ‬المغربي،‭ ‬مطالبا‭ ‬بإنهاء‭ ‬مهام‭ ‬بعثة‭ ‬المينورسو‭ ‬التي‭ ‬تعتبر‭ ‬من‭ ‬آخر‭ ‬الأوراق‭ ‬التي‭ ‬تستغلها‭ ‬الجزائر‭ ‬للترويج‭ ‬للأطروحة‭ ‬الانفصالية‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الدبلوماسي،‭ ‬وعلى‭ ‬مستوى‭ ‬البروبغاندا‭ ‬في‭ ‬مخيمات‭ ‬تندوف‭ ‬وخارجها‭. .‬

 

 

كيف‭ ‬تابعت‭ ‬مسار‭ ‬انطلاق‭ ‬المفاوضات‭ ‬في‭ ‬مدريد‭ ‬حول‭ ‬الحكم‭ ‬الذاتي‭ ‬في‭ ‬الصحراء‭ ‬المغربية؟
يمثل‭ ‬اللقاء‭ ‬الأخير‭ ‬في‭ ‬العاصمة‭ ‬الإسبانية‭ ‬مدريد‭ ‬تحولا‭ ‬دبلوماسيا‭ ‬غير‭ ‬مسبوق‭. ‬فالجزائر،‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬ترفض‭ ‬أي‭ ‬مفاوضات‭ ‬مع‭ ‬المغرب‭ ‬حول‭ ‬الصحراء،‭ ‬رضخت‭ ‬للمرة‭ ‬الأولى‭ ‬للجلوس‭ ‬إلى‭ ‬طاولة‭ ‬المفاوضات،‭ ‬تحت‭ ‬رئاسة‭ ‬أمريكية‭ ‬فعلية‭ ‬وبمشاركة‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬والمبعوث‭ ‬الشخصي‭ ‬للأمين‭ ‬العام‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعتبر‭ ‬تحولا‭ ‬استراتيجيا‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬قضية‭ ‬الصحراء‭ ‬المغربية،‭ ‬لأنه‭ ‬منذ‭ ‬بداية‭ ‬مسلسل‭ ‬التسوية‭ ‬سنة‭ ‬1988‭ ‬لم‭ ‬يحدث‭ ‬أن‭ ‬ترأست‭ ‬دولة‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬او‭ ‬خارجه‭ ‬أي‭ ‬محادثات‭ ‬أو‭ ‬موائد‭ ‬مستديرة‭ ‬أو‭ ‬مفاوضات‭ ‬مباشرة‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬مباشرة،‭ ‬كان‭ ‬المبعوث‭ ‬الأممي‭ ‬أو‭ ‬الأمين‭ ‬العام‭ ‬شخصيا‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬يعينه‭ ‬من‭ ‬فريقه‭ ‬هم‭ ‬من‭ ‬يشرفون‭ ‬على‭ ‬المسار‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر،‭ ‬وباقي‭ ‬أعضاء‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬يقدمون‭ ‬الدعم‭ ‬والمساندة‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬مباشر‭ ‬في‭ ‬الكواليس‭. ‬إذن‭ ‬نحن‭ ‬أمام‭ ‬منعطف‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬المرور‭ ‬عليه‭ ‬مرور‭ ‬الكرام‭ ‬لأنه‭ ‬يؤشر‭ ‬على‭ ‬دخول‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬عنوانها‭ ‬الإعلان‭ ‬الرسمي‭ ‬عن‭ ‬فشل‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬تدبير‭ ‬ملف‭ ‬الصحراء‭ ‬وبالتالي‭ ‬حلول‭ ‬(substitution)‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬محل‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬قيادة‭ ‬المسار،‭ ‬مع‭ ‬موافقة‭ ‬أعضاء‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬الدولي‭ ‬ورضاهم،‭ ‬بدليل‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يصدر‭ ‬اي‭ ‬بيان‭ ‬او‭ ‬تصريح‭ ‬معارض‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬عضو‭ ‬دائم‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬دائم،‭ ‬وأيضا‭ ‬بموافقة‭ ‬الأمانة‭ ‬العامة‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬بدليل‭ ‬حضور‭ ‬ستافان‭ ‬ديمستورا،‭ ‬المبعوث‭ ‬الشخصي‭ ‬للأمين‭ ‬العام‭ ‬الأممي‭ ‬الى‭ ‬الصحراء‭.  ‬


من‭ ‬جهة‭ ‬ثانية،‭ ‬تعتبر‭ ‬رئاسة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬لاجتماع‭ ‬مدريد‭ ‬ومسلسل‭ ‬التسوية‭ ‬المنبثق‭ ‬عن‭ ‬لقاء‭ ‬مدريد‭ ‬بمثابة‭ ‬انتصار‭ ‬للموقف‭ ‬المغربي،‭ ‬رغم‭ ‬كل‭ ‬التحغظات‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نسجلها،‭ ‬لأن‭ ‬واشنطن‭ ‬اعترفت‭ ‬بسيادة‭ ‬المغرب‭ ‬على‭ ‬اقاليمه‭ ‬الجنوبية‭ ‬بشكل‭ ‬لا‭ ‬لبس‭ ‬فيه‭ ‬ونشرت‭ ‬موقفها‭ ‬في‭ ‬السجل‭ ‬الفدرالي‭ ‬الأمريكي‭ ‬مما‭ ‬يعطيه‭ ‬كل‭ ‬القوة‭ ‬القانونية،‭ ‬ووزعته‭ ‬كوثيقة‭ ‬رسمية‭ ‬على‭ ‬أعضاء‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬الدولي‭ ‬منذ‭ ‬2020‭ ‬مما‭ ‬يعطي‭ ‬الموقف‭ ‬الأمريكي‭ ‬كل‭ ‬ابعاده‭ ‬الدبلوماسية‭.‬


من‭ ‬جهة‭ ‬ثالثة،‭ ‬لقاء‭ ‬مدريد‭ ‬يعتبر‭ ‬انتصارا‭ ‬للسيادة‭ ‬المغربية‭ ‬على‭ ‬الصحراء‭ ‬لأن‭ ‬واشنطن‭ ‬في‭ ‬دعوتها‭ ‬للأطراف‭ ‬حددت‭ ‬جدول‭ ‬الأعمال‭ ‬في‭ ‬نقطة‭ ‬واحدة‭ ‬وحصرية‭ ‬هي‭ ‬المشاورات‭ ‬حول‭ ‬المقترح‭ ‬المغربي‭ ‬للحكم‭ ‬الذاتي‭ ‬تحت‭ ‬السيادة‭ ‬المغربية‭. ‬بمعنى‭ ‬آخر‭ ‬قبل‭ ‬بدأ‭ ‬اللقاء‭ ‬تم‭ ‬حسم‭ ‬مسألة‭ ‬السيادة‭ ‬المغربية،‭ ‬وقبلت‭ ‬بذلك‭ ‬الأطراف‭ ‬الأخرى‭. ‬


وهذا‭ ‬المكسب‭ ‬لوحده‭ ‬يعتبر‭ ‬انتصارا‭ ‬ساحقا‭ ‬للمغرب‭ ‬وفي‭ ‬نفس‭ ‬الوقت‭ ‬يعتبر‭ ‬هزيمة‭ ‬مدوية‭ ‬للمشروع‭ ‬الانفصالي‭ ‬بشكل‭ ‬عام،‭ ‬وهزيمة‭ ‬نكراء‭ ‬للجزائر‭ ‬بشكل‭ ‬خاص،‭ ‬لأنها‭ ‬ظلت‭ ‬ترفض‭ ‬المقترح‭ ‬المغربي‭ ‬بشكل‭ ‬قاطع،‭ ‬الى‭ ‬درجة‭ ‬ان‭ ‬الرئيس‭ ‬الجزائري‭ ‬عبد‭ ‬المجيد‭ ‬تبون‭ ‬وصف‭ ‬المقترح‭ ‬المغربي‭ ‬في‭ ‬خطاب‭ ‬رسمي‭ ‬منذ‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬شهرين‭ ‬بأن‭ ‬"الحكم‭ ‬الذاتي‭ ‬خرافة‭ ‬جحا"،‭ ‬وأكد‭ ‬وزير‭ ‬خارجيته‭ ‬احمد‭ ‬عطاف‭ ‬نفس‭ ‬الوصف‭ ‬اثناء‭ ‬عرضه‭ ‬حصيلة‭ ‬وزارته،‭ ‬وزاد‭ ‬الوزير‭ ‬وصف‭ ‬المبادرة‭ ‬المغربية‭ ‬بالخديعة،‭ ‬وأكد‭ ‬أن‭ ‬الجزائر‭ ‬لن‭ ‬تشارك‭ ‬في‭ ‬اي‭ ‬محادثات‭ ‬يكون‭ ‬موضوعها‭ ‬الحصري‭ ‬هو‭ ‬الحكم‭ ‬الذاتي‭.‬


أمام‭ ‬هذه‭ ‬المواقف‭ ‬الرسمية‭ ‬من‭ ‬أعلى‭ ‬سلطة‭ ‬جزائرية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬وصف‭ ‬الانقلاب‭ ‬الذي‭ ‬حصل‭ ‬بين‭ ‬عشية‭ ‬وضحاها‭ ‬إلا‭ ‬بالهزيمة‭ ‬والاستسلام‭ ‬للأمر‭ ‬الواقع،‭ ‬خوفا‭ ‬من‭ ‬العقوبات‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تتعرض‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬واشنطن،‭ ‬خاصة‭ ‬وأن‭ ‬الكونغرس‭ ‬الأمريكي‭ ‬ناقش‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬شهر‭ ‬فبراير‭ ‬2026،‭ ‬أياماً‭ ‬فقط‭ ‬قبل‭ ‬لقاء‭ ‬مدريد،‭ ‬مقترحا‭ ‬بفرض‭ ‬عقوبات‭ ‬اقتصادية‭ ‬على‭ ‬الجزائر‭ ‬بسبب‭ ‬مشتريات‭ ‬السلاح‭ ‬من‭ ‬روسيا،‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬قانون‭ ‬كاتسا‭ ‬"caatsa" الامريكي‭ ‬الذي‭ ‬يستهدف‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تعقد‭ ‬صفقات‭ ‬كبرى‭ ‬لشراء‭ ‬السلاح‭ ‬الروسي‭.‬


وفي‭ ‬نفس‭ ‬الوقت‭ ‬أيضا،‭ ‬الجزائر‭ ‬تستحضر‭ ‬التدخل‭ ‬العسكري‭ ‬الأمريكي‭ ‬في‭ ‬فنزويلا‭ ‬واعتقال‭ ‬صديق‭ ‬الجزائر‭ ‬الرئيس‭ ‬نيكولاس‭ ‬مادورو،‭ ‬في‭ ‬يناير‭ ‬2026،‭ ‬اي‭ ‬شهرا‭ ‬واحدا‭ ‬قبل‭ ‬لقاء‭ ‬مدريد،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تحرك‭ ‬أي‭ ‬دولة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬أصبعها‭ ‬للتنديد،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬روسيا‭ ‬والصين‭ ‬حليفا‭ ‬رئيس‭ ‬فنزويلا‭ ‬المعتقل،‭ ‬وطبعا‭ ‬الجزائر‭ ‬نفسها‭ ‬لم‭ ‬تجرؤ‭ ‬على‭ ‬إصدار‭ ‬مجرد‭ ‬بلاغ‭ ‬تضامن‭ ‬مع‭ ‬صديقها‭ ‬مادورو‭. ‬ولا‭ ‬ننسى‭ ‬أيضا‭ ‬تقديم‭ ‬سناتور‭ ‬أمريكي‭ ‬مقترحا‭ ‬بتصنيف‭ ‬الجبهة‭ ‬الانفصالية‭ ‬في‭ ‬تندوف‭ ‬منظمة‭ ‬ارهابية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬سيؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تصنيف‭ ‬الجزائر‭ ‬دولة‭ ‬راعية‭ ‬للإرهاب‭. ‬


في‭ ‬ظل‭ ‬هذا‭ ‬المناخ‭ ‬العام،‭ ‬رضخت‭ ‬الجزائر‭ ‬واستسلمت‭ ‬دون‭ ‬قيد‭ ‬أو‭ ‬شرط،‭ ‬وقبلت‭ ‬بمناقشة‭ ‬الحكم‭ ‬الذاتي‭ ‬تحت‭ ‬السيادة‭ ‬المغربية‭ ‬ولا‭ ‬شيء‭ ‬آخر،‭ ‬وهذا‭ ‬مكسب‭ ‬استراتيجي‭ ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاته‭.‬

 

‬ماذا‭ ‬عن‭ ‬تفاعلات‭ ‬المبادرة‭ ‬المغربية‭ ‬لدى‭ ‬المنتظم‭ ‬الدولي؟
المنتظم‭ ‬الدولي‭ ‬قال‭ ‬كلمته‭ ‬في‭ ‬31‭ ‬اكتوبر‭ ‬2025،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مصادقته‭ ‬على‭ ‬القرار‭ ‬2797،‭ ‬الذي‭ ‬حدد‭ ‬النقاش‭ ‬حول‭ ‬الحل‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬السيادة‭ ‬المغربية‭ ‬على‭ ‬الصحراء‭ ‬والحكم‭ ‬الذاتي‭ ‬الذي‭ ‬اقترحه‭ ‬المغرب،‭ ‬وقد‭ ‬اعتبرته‭ ‬الجزائر‭ ‬«يوماً‭ ‬أسوداً»‭ ‬في‭ ‬تاريخها،‭ ‬حسب‭ ‬تصريح‭ ‬مندوبها‭ ‬لدى‭ ‬الامم‭ ‬المتحدة‭ ‬السفير‭ ‬عمار‭ ‬جامع،‭ ‬وهو‭ ‬من‭ ‬الحرس‭ ‬القديم‭ ‬للنظام‭ ‬الجزائري،‭ ‬ويعبر‭ ‬عن‭ ‬عقيدة‭ ‬العداء‭ ‬للمغرب‭. ‬


ولا‭ ‬بأس‭ ‬من‭ ‬التذكير‭ ‬بأن‭ ‬المناخ‭ ‬الدولي‭ ‬العام‭ ‬خارج‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬يؤيد‭ ‬هو‭ ‬الآخر‭ ‬المقترح‭ ‬المغربي،‭ ‬ويٌعتبر‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬في‭ ‬بروكسل‭ ‬آخر‭ ‬الملتحقين‭ ‬بالركب،‭ ‬وآخر‭ ‬المعاقل‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬مترددة‭ ‬في‭ ‬اتخاذ‭ ‬موقف‭ ‬واضح،‭ ‬ولكنه‭ ‬حسم‭ ‬أمره‭ ‬ووقع‭ ‬بيانا‭ ‬مشتركا‭ ‬مع‭ ‬المغرب‭ ‬يوم‭ ‬29‭ ‬يناير،‭ ‬يدعم‭ ‬بوضوح‭ ‬مقترح‭ ‬الحكم‭ ‬الذاتي‭ ‬المغربي،‭ ‬وهو‭ ‬امر‭ ‬منطقي‭ ‬ينسجم‭ ‬مع‭ ‬القرار‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬الدولي‭ ‬الأخير‭. ‬وينسجم‭ ‬مع‭ ‬مواقف‭ ‬القوى‭ ‬المؤثرة‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬الخارجية‭ ‬الاوروبية،‭ ‬وأقصد‭ ‬بها‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬الخصوص‭ ‬فرنسا‭ ‬التي‭ ‬اعترفت‭ ‬بالسيادة‭ ‬المغربية‭ ‬الكاملة‭ ‬على‭ ‬الصحراء‭ ‬في‭ ‬نونبر‭ ‬2024،‭‬بالإضافة‭ ‬الى‭ ‬مواقف‭ ‬ألمانيا‭ ‬وبلجيكا‭ ‬والسويد‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬الاوروبية‭ ‬التي‭ ‬اعلنت‭ ‬بعد‭ ‬الاعتراف‭ ‬الأمريكي‭ ‬وخلال‭ ‬السنوات‭ ‬الاربعة‭ ‬الاخيرة،‭ ‬دعمها‭ ‬للمقترح‭ ‬المغربي‭ ‬للحكم‭ ‬الذاتي،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬ننسى‭ ‬مراجعة‭ ‬إسبانيا‭ ‬لموقفها‭ ‬سنة‭ ‬2022،‭ ‬في‭ ‬رسالة‭ ‬بيدرو‭ ‬سانشيز‭ ‬إلى‭ ‬جلالة‭ ‬الملك‭ ‬والتي‭ ‬تحمل‭ ‬اعترافا‭ ‬ضمنيا‭ ‬او‭ ‬اعترافا‭ ‬على‭ ‬استحياء‭ ‬بمغربية‭ ‬الصحراء،‭ ‬تبعها‭ ‬التوقيع‭ ‬على‭ ‬إعلان‭ ‬مشترك‭ ‬بنفس‭ ‬الموقف‭ ‬في‭ ‬الرباط‭ ‬خلال‭ ‬زيارته‭ ‬للمغرب‭ ‬خلال‭ ‬رمضان/‭ ‬ابريل‭ ‬من‭ ‬نفس‭ ‬السنة‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬بالجزائر‭ ‬إلى‭ ‬سحب‭ ‬سفيرها‭ ‬حوالي‭ ‬سنتين،‭ ‬وتجميد‭ ‬اتفاقية‭ ‬الشراكة‭ ‬والتعاون‭ ‬بين‭ ‬البلدين‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬يائسة‭ ‬للابتزاز‭.‬


وهي‭ ‬نفس‭ ‬الأزمة‭ ‬الحادة‭ ‬التي‭ ‬تعيشها‭ ‬الجزائر‭ ‬مع‭ ‬فرنسا‭ ‬منذ‭ ‬اعتراف‭ ‬باريس‭ ‬بمغربية‭ ‬الصحراء‭ ‬نونبر‭ ‬2024‭. ‬وهذه‭ ‬الحوادث‭ ‬لوحدها‭ ‬كفيلة‭ ‬بكشف‭ ‬الوجه‭ ‬الحقيقي‭ ‬للجزائر‭ ‬أمام‭ ‬المنتظم‭ ‬الدولي‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬هي‭ ‬العدو‭ ‬الحقيقي‭ ‬للمغرب،‭ ‬وهي‭ ‬التي‭ ‬تقود‭ ‬مشروع‭ ‬هدم‭ ‬وحدة‭ ‬أراضي‭ ‬المملكة،‭ ‬والجبهة‭ ‬مجرد‭ ‬كسر‭ ‬أي‭ ‬رقم‭ ‬بعد‭ ‬الفاصلة‭ ‬في‭ ‬معادلة‭ ‬النزاع‭ ‬حول‭ ‬الصحراء‭ ‬منذ‭ ‬نصف‭ ‬قرن‭.‬


ولا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نختم‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬المنتظم‭ ‬الدولي،‭ ‬دون‭ ‬التذكير‭ ‬بأن‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬والاسلامية‭ ‬والأغلبية‭ ‬الساحقة‭ ‬للدول‭ ‬الإفريقية،‭ ‬تدعم‭ ‬كلها‭ ‬الموقف‭ ‬المغربي‭. ‬ونضيف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬معطى‭ ‬جد‭ ‬معبر‭ ‬عن‭ ‬اندحار‭ ‬المشروع‭ ‬الانفصالي،‭ ‬وأقصد‭ ‬سحب‭ ‬ثلثي‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تعترف‭ ‬بالكيان‭ ‬الوهمي‭ ‬لاعترافاتها،‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬يتبق‭ ‬سوى‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬28‭ ‬دولة،‭ ‬معظمها‭ ‬دول‭ ‬صغيرة‭ ‬وهامشية،‭ ‬يمكن‭ ‬شراء‭ ‬مواقفها‭ ‬بالبترو-‭ ‬دولار‭ ‬الجزائري‭ ‬باستثناء‭ ‬اربع‭ ‬او‭ ‬خمس‭ ‬دول‭ ‬كبيرة‭ ‬منها‭ ‬المكسيك‭ ‬وجنوب‭ ‬افريقيا،‭ ‬ونيجيريا‭ ‬وكينيا‭ ‬واثيوبيا،‭ ‬علما‭ ‬أن‭ ‬ثلاثة‭ ‬منها‭ ‬دخلت‭ ‬في‭ ‬شراكات‭ ‬استراتيجية‭ ‬مع‭ ‬المغرب،‭ ‬وأظن‭ ‬أن‭ ‬سحب‭ ‬اعترافها‭ ‬مسألة‭ ‬وقت‭ ‬فقط‭. ‬وأعتقد‭ ‬أيضا‭ ‬ان‭ ‬من‭ ‬واجب‭ ‬الخارجية‭ ‬المغربية‭ ‬اغتنام‭ ‬صدور‭ ‬القرار‭ ‬2797‭ ‬للتحرك‭ ‬تجاه‭ ‬تلك‭ ‬الدول‭ ‬لسحب‭ ‬اعترافها‭ ‬حتى‭ ‬تكون‭ ‬منسجمة‭ ‬مع‭ ‬الشرعية‭ ‬الدولية‭ ‬ومع‭ ‬الشرعية‭ ‬التاريخية‭ ‬ومنسجمة‭ ‬مع‭ ‬الحقيقة‭ ‬بكل‭ ‬اختصار،‭ ‬لأن‭ ‬الانفصال‭ ‬وهم‭ ‬ولد‭ ‬بأيدي‭ ‬الاحتلال‭ ‬الأوروبي‭ ‬الذي‭ ‬قسم‭ ‬أراضي‭ ‬المملكة،‭ ‬وتولت‭ ‬رعاية‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬الخبيث‭ ‬الدولة‭ ‬الجزائرية‭ ‬لحسابات‭ ‬اقليمية‭ ‬متعلقة‭ ‬بمطالب‭ ‬المغرب‭ ‬بحدوده‭ ‬الحقة،‭ ‬واخرى‭ ‬تتعلق‭ ‬بأوضاعها‭ ‬الداخلية‭ ‬لتعبئة‭ ‬الراي‭ ‬العام‭ ‬ضد‭ ‬عدو‭ ‬خارجي‭ ‬متوهم‭ ‬لضمان‭ ‬سيطرة‭ ‬الجيش‭ ‬على‭ ‬مقاليد‭ ‬السلطة‭ ‬والثروة‭ ‬النفطية‭.‬

 

ماذا‭ ‬عن‭ ‬مستقبل‭ ‬المينورسو‭ ‬في‭ ‬الصحراء‭ ‬المغربية‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬التطورات‭ ‬الحالية‭ ‬؟
في‭ ‬هذا‭ ‬الموضوع‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬استحضار‭ ‬أن‭ ‬القرار‭ ‬الأخير‭ ‬لمجلس‭ ‬الأمن‭ ‬رقم‭ ‬2797،‭ ‬منح‭ ‬مهلة‭ ‬للأمين‭ ‬العام‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬القيام‭ ‬بمراجعة‭ ‬استراتيجية‭ ‬لمهام‭ ‬بعثة‭ ‬المينورسو،‭ ‬وذلك‭ ‬في‭ ‬أجل‭ ‬ستة‭ ‬أشهر،‭ ‬تمتد‭ ‬من‭ ‬أكتوبر‭ ‬إلى‭ ‬أبريل‭. ‬وأسطر‭ ‬هنا‭ ‬على‭ ‬مراجعة‭ ‬استراتيجية‭ ‬والتي‭ ‬تعني‭ ‬اتخاذ‭ ‬قرار‭ ‬بشأن‭ ‬استمرارها‭ ‬أو‭ ‬إنهاء‭ ‬مهامها،‭ ‬على‭ ‬ضوء‭ ‬التقييم‭ ‬الشامل‭ ‬لمهامها،‭ ‬أخذاً‭ ‬بعين‭ ‬الاعتبار‭ ‬المتغيرات‭ ‬الجديدة‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬اعتراف‭ ‬القرار‭ ‬2797‭ ‬بالسيادة‭ ‬المغربية،‭ ‬والتراكمات‭ ‬التي‭ ‬عرفها‭ ‬الملف‭ ‬ومنها‭ ‬إعلان‭ ‬الأمين‭ ‬العام‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬سنة‭ ‬2004‭ ‬استحالة‭ ‬تنظيم‭ ‬الاستفتاء،‭ ‬وهي‭ ‬المهمة‭ ‬الرئيسة‭ ‬التي‭ ‬من‭ ‬أجلها‭ ‬أحدثت‭ ‬البعثة،‭ ‬ثم‭ ‬فشل‭ ‬المنورسو‭ ‬في‭ ‬مهمتها‭ ‬الثانية‭ ‬لوقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬بسبب‭ ‬عودة‭ ‬الميليشيات‭ ‬الانفصالية‭ ‬الى‭ ‬حمل‭ ‬السلاح‭ ‬بشكل‭ ‬رسمي‭ ‬منذ‭ ‬نونبر‭ ‬2020،‭ ‬وعمليا‭ ‬قبل‭ ‬ذلك‭ ‬بسنوات‭ ‬كثيرة،‭ ‬وكذلك‭ ‬عجز‭ ‬المنورسو‭ ‬حتى‭ ‬عن‭ ‬حماية‭ ‬أفرقها‭ ‬وتزويدهم‭ ‬بالوقود‭ ‬في‭ ‬الجانب‭ ‬الشرقي‭ ‬من‭ ‬الجدار‭ ‬بسبب‭ ‬تهديدات‭ ‬الجبهة‭ ‬الانفصالية‭ ‬لقوات‭ ‬المنورسو‭ ‬ومنع‭ ‬مراقبيها‭ ‬من‭ ‬اداء‭ ‬مهامهم،‭ ‬مما‭ ‬جعل‭ ‬وجودهم‭ ‬عديم‭ ‬الجدوى،‭ ‬واصبحت‭ ‬تقارير‭ ‬المنورسو‭ ‬تشبه‭ ‬بلاغات‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭ ‬التي‭ ‬تشتكي‭ ‬من‭ ‬تجاوزات‭ ‬الميليشيات‭ ‬الانفصالية،‭ ‬دون‭ ‬ترتيب‭ ‬أي‭ ‬جزاءات‭ ‬أو‭ ‬عقوبات‭ ‬على‭ ‬الجبهة‭ ‬الانفصالية‭ ‬وعلى‭ ‬الجزائر‭ ‬التي‭ ‬تعتبر‭ ‬عن‭ ‬مل‭ ‬الاعتداءات‭ ‬والاعمال‭ ‬التي‭ ‬تقون‭ ‬بها‭ ‬الميليشيات‭ ‬لأنها‭ ‬توجد‭ ‬فوق‭ ‬التراب‭ ‬الجزائري،‭ ‬وبالتالي‭ ‬فالجزائر‭ ‬تتحمل‭ ‬المسؤولية‭ ‬السياسية‭ ‬والقانونية‭ ‬الكاملة‭ ‬عن‭ ‬مل‭ ‬الجرائم‭ ‬والاعتداءات‭ ‬التي‭ ‬تقترفها‭ ‬ميليشيات‭ ‬«البوليساريو»‭.‬


إذن‭ ‬مع‭ ‬انتفاء‭ ‬الاستفتاء‭ ‬والتخلي‭ ‬الأحادي‭ ‬عن‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬هناك‭ ‬أي‭ ‬مبرر‭ ‬لاستمرار‭ ‬بعثة‭ ‬المينورسو‭ ‬في‭ ‬الصحراء‭. ‬ولا‭ ‬أدري‭ ‬ماذا‭ ‬تنتظر‭ ‬الخارجية‭ ‬المغربية‭ ‬للدفع‭ ‬بهذا‭ ‬الاتجاه‭.‬


رغم‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬يدعمه‭ ‬إعلان‭ ‬الأمين‭ ‬العام‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭ ‬وأعاد‭ ‬تأكيده‭ ‬منذ‭ ‬اسابيع‭ ‬فقط،‭ ‬عن‭ ‬عجز‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬ميزانية‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬بصفة‭ ‬عامة‭ ‬وعجز‭ ‬في‭ ‬ميزانية‭ ‬البعثات‭ ‬الأممية‭ ‬لحفظ‭ ‬السلام‭ ‬بصفة‭ ‬خاصة،‭ ‬ومن‭ ‬ضمنها‭ ‬بعثة‭ ‬المنورسو،‭ ‬التي‭ ‬تكلف‭ ‬ازيد‭ ‬من‭ ‬70‭ ‬مليون‭ ‬دولار‭ ‬سنويا‭. ‬


وهذا‭ ‬المطلب‭ ‬في‭ ‬إنهاء‭ ‬مهام‭ ‬المينورسو‭ ‬يتقاطع‭ ‬مع‭ ‬مطالب‭ ‬واشنطن‭ ‬بإنهاء‭ ‬مهام‭ ‬المينورسو‭ ‬وعدد‭ ‬من‭ ‬بعثات‭ ‬حفظ‭ ‬السلام‭ ‬الأممية،‭ ‬بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬الكلفة‭ ‬المالية‭ ‬الكبيرة‭ ‬التي‭ ‬تتحملها‭ ‬ميزانية‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬وبالتبع‭ ‬تتحملها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬التي‭ ‬تساهم‭ ‬بأزيد‭ ‬من‭ ‬ربع‭ ‬ميزانية‭ ‬المنظمة‭ ‬الدولية‭.‬


حصيلة‭ ‬هذه‭ ‬العوامل‭ ‬تدفع‭ ‬باتجاه‭ ‬إنهاء‭ ‬مهام‭ ‬المينورسو،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬طالبت‭ ‬به‭ ‬منذ‭ ‬2018‭ ‬في‭ ‬مرافعاتي،‭ ‬وهو‭ ‬أمر‭ ‬يخدم‭ ‬الطي‭ ‬النهائي‭ ‬لملف‭ ‬الصحراء‭ ‬المغربية،‭ ‬لأن‭ ‬المنورسو‭ ‬تعتبر‭ ‬من‭ ‬آخر‭ ‬الأوراق‭ ‬التي‭ ‬تستغلها‭ ‬الجزائر‭ ‬للترويج‭ ‬للأطروحة‭ ‬الانفصالية‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الدبلوماسي،‭ ‬وعلى‭ ‬مستوى‭ ‬البروبغاندا‭ ‬في‭ ‬مخيمات‭ ‬تندوف‭ ‬وخارجها. .‬

 

ماذا‭ ‬عن‭ ‬التجارب‭ ‬المقارنة‭ ‬للحكم‭ ‬الذاتي‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬قياسا‭ ‬للمبادرة‭ ‬المغربية‭ ‬؟
تجارب‭ ‬الحكم‭ ‬الذاتي‭ ‬هي‭ ‬نتاج‭ ‬صراعات‭ ‬إثنية‭ ‬ومسارات‭ ‬تاريخية‭ ‬لكل‭ ‬أمة‭ ‬من‭ ‬الأمم،‭ ‬وبالتالي‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬السقوط‭ ‬في‭ ‬فخ‭ ‬استيراد‭ ‬وصفة‭ ‬جاهزة‭ ‬كيف‭ ‬ما‭ ‬كانت‭. ‬هناك‭ ‬بعض‭ ‬الأصوات‭ ‬داخل‭ ‬المغرب‭ ‬تنادي‭ ‬عن‭ ‬جهل‭ ‬بمقارنة‭ ‬الصحراء‭ ‬المغربية‭ ‬باقليم‭ ‬كاتالونيا‭ ‬الإسباني‭ ‬مثلا‭ ‬او‭ ‬أيرلندا‭ ‬الشمالية،‭ ‬علما‭ ‬أن‭ ‬هذين‭ ‬الاقليمين‭ ‬كان‭ ‬لهما‭ ‬استقلال‭ ‬اما‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬«كونتيات»‭ ‬أو‭ ‬ممالك‭ ‬خاضت‭ ‬حروبا‭ ‬دامت‭ ‬قرونا‭ ‬مع‭ ‬ممالك‭ ‬قشتالة‭ ‬والاراغون‭ ‬بالنسبة‭ ‬للجزيرة‭ ‬الايبيرية،‭ ‬او‭ ‬مع‭ ‬مملكة‭ ‬انجلترا‭ ‬بالنسبة‭ ‬لايرلندا‭ ‬الشمالية‭ ‬بالاضافة‭ ‬الى‭ ‬الحروب‭  ‬الدينية‭ ‬بين‭ ‬الكاثوليك‭ ‬والبروتستانت‭. ‬فكيف‭ ‬نقارنها‭ ‬مع‭ ‬قبائل‭ ‬الرقيبات‭ ‬وأولاد‭ ‬دليم‭ ‬وآيت‭ ‬اوسى‭ ‬مثلا‭ ‬في‭ ‬الساقية‭ ‬الحمراء‭ ‬ووادي‭ ‬الذهب،‭  ‬وهي‭ ‬جزء‭ ‬أصيل‭ ‬من‭ ‬النسيج‭ ‬القبلي‭ ‬في‭ ‬باقي‭ ‬اقاليم‭ ‬المملكة‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬واد‭ ‬نون-كلميم‭ ‬وآسا‭ ‬الزاك‭ ‬وسيدي‭ ‬افني‭ ‬وطرفاية‭. ‬كما‭ ‬ان‭ ‬طانطان‭ ‬أكبر‭ ‬شاهد‭ ‬على‭ ‬الانتماء‭ ‬للمغرب‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬موسم‭ ‬الموكار‭ ‬اكبر،‭ ‬سوق‭ ‬تشد‭ ‬اليه‭ ‬الرحال‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬قبائل‭ ‬الصحراء‭ ‬للتسوق‭ ‬وليشهدوا‭ ‬منافع‭ ‬لهم‭ ‬اجتماعيا‭ ‬واقتصاديا‭ ‬وثقافيا،‭ ‬ولم‭ ‬يعرف‭ ‬موسم‭ ‬مماثل‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬العيون‭ ‬إلى‭ ‬الكويرة‭. ‬


وبالنسبة‭ ‬لاقاليم‭ ‬الحكم‭ ‬الذاتي‭ ‬في‭ ‬اوروبا‭ ‬كانت‭ ‬لها‭ ‬لغات‭ ‬مختلفة‭ ‬بينما‭ ‬قبائل‭ ‬الصحراء‭ ‬تتحدث‭ ‬العربية‭ ‬والحسانية‭ ‬لهجة‭ ‬وليست‭ ‬لغة،‭ ‬والذين‭ ‬يتحدثون‭ ‬الحسانية‭ ‬شمال‭ ‬خط‭ ‬الطاح‭ ‬السمارة‭ ‬هم‭ ‬عشرة‭ ‬اضعاف‭ ‬من‭ ‬يتحدثونها‭ ‬جنوب‭ ‬الطاح‭.. ‬
وحتى‭ ‬بالنسبة‭ ‬لأوروبا‭ ‬الحكم‭ ‬الذاتي‭ ‬يتنوع‭ ‬من‭ ‬بلد‭ ‬لآخر‭ ‬بل‭ ‬وداخل‭ ‬نفس‭ ‬البلد،‭ ‬فإسبانيا‭ ‬مثلا‭ ‬فيها‭ ‬17‭ ‬اقليما‭ ‬ومنطقة‭ ‬تتمتع‭ ‬بالحكم‭ ‬الذاتي‭ ‬ولكن‭ ‬صلاحياتها‭ ‬تختلف‭ ‬من‭ ‬منطقة‭ ‬إلى‭ ‬أخرى‭.‬


أما‭ ‬اذا‭ ‬وسعنا‭ ‬المقارنة‭ ‬الى‭ ‬كل‭ ‬الدول‭ ‬الاوروبية‭ ‬فلن‭ ‬مجد‭ ‬تجربة‭ ‬تشبه‭ ‬الأخرى‭ ‬من‭ ‬بريطانيا‭ ‬إلى‭ ‬روسيا‭ ‬مرورا‭ ‬بإيطاليا‭ ‬والمانيا‭ ‬ونفس‭ ‬الشيء‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬العالم‭ ‬الاخرى‭ ‬من‭ ‬اندونيسيا‭ ‬والصين‭ ‬الى‭ ‬كندا‭.. ‬فلماذا‭ ‬يراد‭ ‬لنا‭ ‬أن‭ ‬نقدم‭ ‬نموذجا‭ ‬لا‭ ‬يتناسب‭ ‬مع‭ ‬واقعنا‭ ‬وتاريخنا؟!‭ ‬نحن‭ ‬لسنا‭ ‬امام‭ ‬قومية‭ ‬او‭ ‬اثنية‭ ‬مغايرة،‭ ‬نحن‭ ‬امام‭ ‬اراضي‭ ‬مغربية‭ ‬تعرضت‭ ‬للاحتلال‭ ‬الاسباني‭ ‬وتم‭ ‬تحريرها‭ ‬على‭ ‬مراحل،‭ ‬ثم‭ ‬ركبت‭ ‬الجزائر‭ ‬على‭ ‬النزاع‭ ‬لتخلق‭ ‬منه‭ ‬كيانا‭ ‬انفصاليا،‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬التوصيف،‭ ‬وبالتالي‭ ‬ليس‭ ‬هناك‭ ‬ما‭ ‬يدعونا‭ ‬لإقامة‭ ‬حكم‭ ‬ذاتي‭ ‬بمعايير‭ ‬دولية‭ ‬لها‭ ‬ما‭ ‬يبررها‭ ‬تاريخيا‭. ‬إن‭ ‬تقديم‭ ‬تنازلات‭ ‬بعد‭ ‬نصف‭ ‬قرن‭ ‬من‭ ‬الصمود‭ ‬والكفاح‭ ‬يعتبر‭ ‬خيانة‭ ‬لتاريخنا‭ ‬ولوطننا‭ ‬ولتضحيات‭ ‬كل‭ ‬المغاربة‭ ‬ولدماء‭ ‬آلاف‭ ‬الشهداء‭ ‬من‭ ‬جيش‭ ‬التحرير‭ ‬المغربي‭ ‬إلى‭ ‬القوات‭ ‬المسلحة‭ ‬الملكية‭. ‬


لماذا‭ ‬لا‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬تنظيم‭ ‬حكم‭ ‬ذاتي‭ ‬وفقا‭ ‬للجهات‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬الشأن‭ ‬في‭ ‬إيطاليا‭ ‬مثلا‭ ‬بدل‭ ‬الحكومة‭ ‬المحلية؟‭ ‬ولماذا‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬تمثيلية‭ ‬قبلية‭ ‬في‭ ‬المجالس‭ ‬المنتخبة‭ ‬عوض‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬المواطنة؟‭ ‬وهناك‭ ‬اسئلة‭ ‬مماثلة‭ ‬في‭ ‬القضاء‭ ‬وصلاحيات‭ ‬التشريع‭ ‬والضرائب‭ ‬وحتى‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬التربية‭ ‬والتعليم‭ ‬وغيرها‭. ‬هذه‭ ‬قضايا‭ ‬استراتيجية‭ ‬تهم‭ ‬كل‭ ‬الوطن‭ ‬والمواطنين‭ ‬وكان‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نفتح‭ ‬حوارا‭ ‬وطنيا‭ ‬بدل‭ ‬أن‭ ‬نكتفي‭ ‬بمذكرات‭ ‬تقدمها‭ ‬الاحزاب‭ ‬ونتكتم‭ ‬على‭ ‬مضمونها،‭ ‬وكأن‭ ‬الأمر‭ ‬سرّ‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬كل‭ ‬الشعب‭ ‬المغربي‭.. ‬


ورقة‭ ‬الحكم‭ ‬الذاتي،‭ ‬بصيغته‭ ‬المقدمة‭ ‬سنة‭ ‬2007،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يخدم‭ ‬المصلحة‭ ‬الوطنية،‭ ‬بل‭ ‬بات‭ ‬من‭ ‬واجب‭ ‬المغرب،‭ ‬وليس‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬مصلحته،‭ ‬ألا‭ ‬يتجاوز‭ ‬المقترح‭ ‬الجديد‭ ‬صلاحيات‭ ‬الجهوية‭ ‬المعمول‭ ‬بها‭ ‬حالياً‭ ‬في‭ ‬البلاد،‭ ‬وحتى‭ ‬دعوة‭ ‬جلالة‭ ‬الملك‭ ‬إلى‭ ‬تحيين‭ ‬المشروع‭ ‬تم‭ ‬تفسيرها‭ ‬بإضافة‭ ‬صلاحيات‭ ‬جديدة،‭ ‬بينما‭ ‬التحيين‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يعني‭ ‬أيضاً‭ ‬سحب‭ ‬صلاحيات‭ ‬سبق‭ ‬منحها‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬دولي‭ ‬مختلف؛‭ ‬فالمغرب‭ ‬قدم‭ ‬مقترحاً‭ ‬سنة‭ ‬2007‭ ‬رُفض‭ ‬من‭ ‬الاطراف‭ ‬الآخرى،‭ ‬وبعد‭ ‬عشرين‭ ‬سنة‭ ‬تغيرت‭ ‬موازين‭ ‬القوى‭ ‬بشكل‭ ‬جذري،‭ ‬واعترفت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وفرنسا‭ ‬بالسيادة‭ ‬المغربية‭ ‬الكاملة،‭ ‬ومعظم‭ ‬الدول‭ ‬تدعم‭ ‬الموقف‭ ‬المغربي،‭ ‬وانهارت‭ ‬الجبهة‭ ‬الانفصالية‭ ‬وتشتت‭ ‬وانهارت‭ ‬الدولة‭ ‬الحاضنة،‭ ‬إذن‭ ‬التحيين‭ ‬يعني‭ ‬أخذ‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬المعطيات‭ ‬في‭ ‬عين‭ ‬الاعتبار‭.‬


ثم‭ ‬ان‭ ‬العالم‭ ‬يشهد‭ ‬تغيرات‭ ‬جيوسياسية‭ ‬بنيوية‭ ‬خطيرة‭ ‬قد‭ ‬تؤدي‭ ‬الى‭ ‬اقبار‭ ‬منظمة‭ ‬الامم‭ ‬المتحدة‭ ‬او‭ ‬على‭ ‬الاقل‭ ‬مراجعة‭ ‬شاملة‭ ‬لنظامها،‭ ‬فلماذا‭ ‬نتسرع‭ ‬في‭ ‬تقديم‭ ‬تنازلات،‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬التوقيت‭ ‬بالضبط؟!‭ ‬علينا‭ ‬ان‭ ‬نكتفي‭ ‬بمقترح‭ ‬تكتيكي‭ ‬للحكم‭ ‬الذاتي‭ ‬في‭ ‬حده‭ ‬الأدنى،‭ ‬أي‭ ‬الجهوية‭ ‬الحالية،‭ ‬مما‭ ‬سيدفع‭ ‬الجبهة‭ ‬الانفصالية‭ ‬والجزائر‭ ‬إلى‭ ‬رفضه،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬سيمهد‭ ‬الطريق‭ ‬للانتقال‭ ‬إلى‭ ‬الهجوم‭ ‬الأخير‭ ‬لإقبار‭ ‬المشروع‭ ‬الانفصالي‭ ‬نهائياً‭.‬