أحمد نور الدين، الخبير في العلاقات الدولية والمتخصص في ملف الصحراء
يرى أحمد نور الدين، الخبير في العلاقات الدولية والمتخصص في ملف الصحراء، أن لقاء مدريد يمثل تحولا دبلوماسيا غير مسبوق. فالجزائر، التي كانت ترفض أي مفاوضات مع المغرب حول الصحراء، رضخت للمرة الأولى للجلوس إلى طاولة المفاوضات، تحت رئاسة أمريكية فعلية وبمشاركة الأمم المتحدة والمبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، وهو ما يعتبر تحولا استراتيجيا في مسار قضية الصحراء المغربية، مضيفا بأن رئاسة الولايات المتحدة لاجتماع مدريد ومسلسل التسوية المنبثق عنه يعد بمثابة انتصار للموقف المغربي، مطالبا بإنهاء مهام بعثة المينورسو التي تعتبر من آخر الأوراق التي تستغلها الجزائر للترويج للأطروحة الانفصالية على المستوى الدبلوماسي، وعلى مستوى البروبغاندا في مخيمات تندوف وخارجها. .
كيف تابعت مسار انطلاق المفاوضات في مدريد حول الحكم الذاتي في الصحراء المغربية؟
يمثل اللقاء الأخير في العاصمة الإسبانية مدريد تحولا دبلوماسيا غير مسبوق. فالجزائر، التي كانت ترفض أي مفاوضات مع المغرب حول الصحراء، رضخت للمرة الأولى للجلوس إلى طاولة المفاوضات، تحت رئاسة أمريكية فعلية وبمشاركة الأمم المتحدة والمبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، وهو ما يعتبر تحولا استراتيجيا في مسار قضية الصحراء المغربية، لأنه منذ بداية مسلسل التسوية سنة 1988 لم يحدث أن ترأست دولة في مجلس الأمن او خارجه أي محادثات أو موائد مستديرة أو مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة، كان المبعوث الأممي أو الأمين العام شخصيا أو من يعينه من فريقه هم من يشرفون على المسار بشكل مباشر، وباقي أعضاء مجلس الأمن يقدمون الدعم والمساندة بشكل مباشر أو غير مباشر في الكواليس. إذن نحن أمام منعطف لا يمكن المرور عليه مرور الكرام لأنه يؤشر على دخول مرحلة جديدة عنوانها الإعلان الرسمي عن فشل الأمم المتحدة في تدبير ملف الصحراء وبالتالي حلول (substitution) الولايات المتحدة الأمريكية محل الأمم المتحدة في قيادة المسار، مع موافقة أعضاء مجلس الأمن الدولي ورضاهم، بدليل أنه لم يصدر اي بيان او تصريح معارض من أي عضو دائم أو غير دائم، وأيضا بموافقة الأمانة العامة للأمم المتحدة بدليل حضور ستافان ديمستورا، المبعوث الشخصي للأمين العام الأممي الى الصحراء.
من جهة ثانية، تعتبر رئاسة الولايات المتحدة لاجتماع مدريد ومسلسل التسوية المنبثق عن لقاء مدريد بمثابة انتصار للموقف المغربي، رغم كل التحغظات التي يمكن أن نسجلها، لأن واشنطن اعترفت بسيادة المغرب على اقاليمه الجنوبية بشكل لا لبس فيه ونشرت موقفها في السجل الفدرالي الأمريكي مما يعطيه كل القوة القانونية، ووزعته كوثيقة رسمية على أعضاء مجلس الأمن الدولي منذ 2020 مما يعطي الموقف الأمريكي كل ابعاده الدبلوماسية.
من جهة ثالثة، لقاء مدريد يعتبر انتصارا للسيادة المغربية على الصحراء لأن واشنطن في دعوتها للأطراف حددت جدول الأعمال في نقطة واحدة وحصرية هي المشاورات حول المقترح المغربي للحكم الذاتي تحت السيادة المغربية. بمعنى آخر قبل بدأ اللقاء تم حسم مسألة السيادة المغربية، وقبلت بذلك الأطراف الأخرى.
وهذا المكسب لوحده يعتبر انتصارا ساحقا للمغرب وفي نفس الوقت يعتبر هزيمة مدوية للمشروع الانفصالي بشكل عام، وهزيمة نكراء للجزائر بشكل خاص، لأنها ظلت ترفض المقترح المغربي بشكل قاطع، الى درجة ان الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون وصف المقترح المغربي في خطاب رسمي منذ أقل من شهرين بأن "الحكم الذاتي خرافة جحا"، وأكد وزير خارجيته احمد عطاف نفس الوصف اثناء عرضه حصيلة وزارته، وزاد الوزير وصف المبادرة المغربية بالخديعة، وأكد أن الجزائر لن تشارك في اي محادثات يكون موضوعها الحصري هو الحكم الذاتي.
أمام هذه المواقف الرسمية من أعلى سلطة جزائرية لا يمكن وصف الانقلاب الذي حصل بين عشية وضحاها إلا بالهزيمة والاستسلام للأمر الواقع، خوفا من العقوبات التي قد تتعرض لها من طرف واشنطن، خاصة وأن الكونغرس الأمريكي ناقش في بداية شهر فبراير 2026، أياماً فقط قبل لقاء مدريد، مقترحا بفرض عقوبات اقتصادية على الجزائر بسبب مشتريات السلاح من روسيا، في إطار قانون كاتسا "caatsa" الامريكي الذي يستهدف الدول التي تعقد صفقات كبرى لشراء السلاح الروسي.
وفي نفس الوقت أيضا، الجزائر تستحضر التدخل العسكري الأمريكي في فنزويلا واعتقال صديق الجزائر الرئيس نيكولاس مادورو، في يناير 2026، اي شهرا واحدا قبل لقاء مدريد، دون أن تحرك أي دولة في العالم أصبعها للتنديد، بما في ذلك روسيا والصين حليفا رئيس فنزويلا المعتقل، وطبعا الجزائر نفسها لم تجرؤ على إصدار مجرد بلاغ تضامن مع صديقها مادورو. ولا ننسى أيضا تقديم سناتور أمريكي مقترحا بتصنيف الجبهة الانفصالية في تندوف منظمة ارهابية، وهو ما سيؤدي إلى تصنيف الجزائر دولة راعية للإرهاب.
في ظل هذا المناخ العام، رضخت الجزائر واستسلمت دون قيد أو شرط، وقبلت بمناقشة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية ولا شيء آخر، وهذا مكسب استراتيجي في حد ذاته.
ماذا عن تفاعلات المبادرة المغربية لدى المنتظم الدولي؟
المنتظم الدولي قال كلمته في 31 اكتوبر 2025، من خلال مصادقته على القرار 2797، الذي حدد النقاش حول الحل في إطار السيادة المغربية على الصحراء والحكم الذاتي الذي اقترحه المغرب، وقد اعتبرته الجزائر «يوماً أسوداً» في تاريخها، حسب تصريح مندوبها لدى الامم المتحدة السفير عمار جامع، وهو من الحرس القديم للنظام الجزائري، ويعبر عن عقيدة العداء للمغرب.
ولا بأس من التذكير بأن المناخ الدولي العام خارج مجلس الأمن يؤيد هو الآخر المقترح المغربي، ويٌعتبر الاتحاد الأوروبي في بروكسل آخر الملتحقين بالركب، وآخر المعاقل التي كانت مترددة في اتخاذ موقف واضح، ولكنه حسم أمره ووقع بيانا مشتركا مع المغرب يوم 29 يناير، يدعم بوضوح مقترح الحكم الذاتي المغربي، وهو امر منطقي ينسجم مع القرار مجلس الأمن الدولي الأخير. وينسجم مع مواقف القوى المؤثرة في السياسة الخارجية الاوروبية، وأقصد بها على وجه الخصوص فرنسا التي اعترفت بالسيادة المغربية الكاملة على الصحراء في نونبر 2024،بالإضافة الى مواقف ألمانيا وبلجيكا والسويد وغيرها من الدول الاوروبية التي اعلنت بعد الاعتراف الأمريكي وخلال السنوات الاربعة الاخيرة، دعمها للمقترح المغربي للحكم الذاتي، دون أن ننسى مراجعة إسبانيا لموقفها سنة 2022، في رسالة بيدرو سانشيز إلى جلالة الملك والتي تحمل اعترافا ضمنيا او اعترافا على استحياء بمغربية الصحراء، تبعها التوقيع على إعلان مشترك بنفس الموقف في الرباط خلال زيارته للمغرب خلال رمضان/ ابريل من نفس السنة. وهو ما أدى بالجزائر إلى سحب سفيرها حوالي سنتين، وتجميد اتفاقية الشراكة والتعاون بين البلدين في محاولة يائسة للابتزاز.
وهي نفس الأزمة الحادة التي تعيشها الجزائر مع فرنسا منذ اعتراف باريس بمغربية الصحراء نونبر 2024. وهذه الحوادث لوحدها كفيلة بكشف الوجه الحقيقي للجزائر أمام المنتظم الدولي على أنها هي العدو الحقيقي للمغرب، وهي التي تقود مشروع هدم وحدة أراضي المملكة، والجبهة مجرد كسر أي رقم بعد الفاصلة في معادلة النزاع حول الصحراء منذ نصف قرن.
ولا يمكن أن نختم الحديث عن المنتظم الدولي، دون التذكير بأن الدول العربية والاسلامية والأغلبية الساحقة للدول الإفريقية، تدعم كلها الموقف المغربي. ونضيف إلى ذلك معطى جد معبر عن اندحار المشروع الانفصالي، وأقصد سحب ثلثي الدول التي كانت تعترف بالكيان الوهمي لاعترافاتها، حيث لم يتبق سوى أقل من 28 دولة، معظمها دول صغيرة وهامشية، يمكن شراء مواقفها بالبترو- دولار الجزائري باستثناء اربع او خمس دول كبيرة منها المكسيك وجنوب افريقيا، ونيجيريا وكينيا واثيوبيا، علما أن ثلاثة منها دخلت في شراكات استراتيجية مع المغرب، وأظن أن سحب اعترافها مسألة وقت فقط. وأعتقد أيضا ان من واجب الخارجية المغربية اغتنام صدور القرار 2797 للتحرك تجاه تلك الدول لسحب اعترافها حتى تكون منسجمة مع الشرعية الدولية ومع الشرعية التاريخية ومنسجمة مع الحقيقة بكل اختصار، لأن الانفصال وهم ولد بأيدي الاحتلال الأوروبي الذي قسم أراضي المملكة، وتولت رعاية هذا المشروع الخبيث الدولة الجزائرية لحسابات اقليمية متعلقة بمطالب المغرب بحدوده الحقة، واخرى تتعلق بأوضاعها الداخلية لتعبئة الراي العام ضد عدو خارجي متوهم لضمان سيطرة الجيش على مقاليد السلطة والثروة النفطية.
ماذا عن مستقبل المينورسو في الصحراء المغربية في ظل التطورات الحالية ؟
في هذا الموضوع لا بد من استحضار أن القرار الأخير لمجلس الأمن رقم 2797، منح مهلة للأمين العام للأمم المتحدة من أجل القيام بمراجعة استراتيجية لمهام بعثة المينورسو، وذلك في أجل ستة أشهر، تمتد من أكتوبر إلى أبريل. وأسطر هنا على مراجعة استراتيجية والتي تعني اتخاذ قرار بشأن استمرارها أو إنهاء مهامها، على ضوء التقييم الشامل لمهامها، أخذاً بعين الاعتبار المتغيرات الجديدة وعلى رأسها اعتراف القرار 2797 بالسيادة المغربية، والتراكمات التي عرفها الملف ومنها إعلان الأمين العام للأمم المتحدة سنة 2004 استحالة تنظيم الاستفتاء، وهي المهمة الرئيسة التي من أجلها أحدثت البعثة، ثم فشل المنورسو في مهمتها الثانية لوقف إطلاق النار بسبب عودة الميليشيات الانفصالية الى حمل السلاح بشكل رسمي منذ نونبر 2020، وعمليا قبل ذلك بسنوات كثيرة، وكذلك عجز المنورسو حتى عن حماية أفرقها وتزويدهم بالوقود في الجانب الشرقي من الجدار بسبب تهديدات الجبهة الانفصالية لقوات المنورسو ومنع مراقبيها من اداء مهامهم، مما جعل وجودهم عديم الجدوى، واصبحت تقارير المنورسو تشبه بلاغات المجتمع المدني التي تشتكي من تجاوزات الميليشيات الانفصالية، دون ترتيب أي جزاءات أو عقوبات على الجبهة الانفصالية وعلى الجزائر التي تعتبر عن مل الاعتداءات والاعمال التي تقون بها الميليشيات لأنها توجد فوق التراب الجزائري، وبالتالي فالجزائر تتحمل المسؤولية السياسية والقانونية الكاملة عن مل الجرائم والاعتداءات التي تقترفها ميليشيات «البوليساريو».
إذن مع انتفاء الاستفتاء والتخلي الأحادي عن وقف إطلاق النار لم يعد هناك أي مبرر لاستمرار بعثة المينورسو في الصحراء. ولا أدري ماذا تنتظر الخارجية المغربية للدفع بهذا الاتجاه.
رغم أن هذا التوجه يدعمه إعلان الأمين العام للأمم المتحدة منذ سنوات وأعاد تأكيده منذ اسابيع فقط، عن عجز كبير في ميزانية الأمم المتحدة بصفة عامة وعجز في ميزانية البعثات الأممية لحفظ السلام بصفة خاصة، ومن ضمنها بعثة المنورسو، التي تكلف ازيد من 70 مليون دولار سنويا.
وهذا المطلب في إنهاء مهام المينورسو يتقاطع مع مطالب واشنطن بإنهاء مهام المينورسو وعدد من بعثات حفظ السلام الأممية، بالنظر إلى الكلفة المالية الكبيرة التي تتحملها ميزانية الأمم المتحدة، وبالتبع تتحملها الولايات المتحدة التي تساهم بأزيد من ربع ميزانية المنظمة الدولية.
حصيلة هذه العوامل تدفع باتجاه إنهاء مهام المينورسو، وهو ما طالبت به منذ 2018 في مرافعاتي، وهو أمر يخدم الطي النهائي لملف الصحراء المغربية، لأن المنورسو تعتبر من آخر الأوراق التي تستغلها الجزائر للترويج للأطروحة الانفصالية على المستوى الدبلوماسي، وعلى مستوى البروبغاندا في مخيمات تندوف وخارجها. .
ماذا عن التجارب المقارنة للحكم الذاتي في العالم قياسا للمبادرة المغربية ؟
تجارب الحكم الذاتي هي نتاج صراعات إثنية ومسارات تاريخية لكل أمة من الأمم، وبالتالي لا ينبغي السقوط في فخ استيراد وصفة جاهزة كيف ما كانت. هناك بعض الأصوات داخل المغرب تنادي عن جهل بمقارنة الصحراء المغربية باقليم كاتالونيا الإسباني مثلا او أيرلندا الشمالية، علما أن هذين الاقليمين كان لهما استقلال اما في شكل «كونتيات» أو ممالك خاضت حروبا دامت قرونا مع ممالك قشتالة والاراغون بالنسبة للجزيرة الايبيرية، او مع مملكة انجلترا بالنسبة لايرلندا الشمالية بالاضافة الى الحروب الدينية بين الكاثوليك والبروتستانت. فكيف نقارنها مع قبائل الرقيبات وأولاد دليم وآيت اوسى مثلا في الساقية الحمراء ووادي الذهب، وهي جزء أصيل من النسيج القبلي في باقي اقاليم المملكة وخاصة في واد نون-كلميم وآسا الزاك وسيدي افني وطرفاية. كما ان طانطان أكبر شاهد على الانتماء للمغرب حيث كان موسم الموكار اكبر، سوق تشد اليه الرحال من كل قبائل الصحراء للتسوق وليشهدوا منافع لهم اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا، ولم يعرف موسم مماثل له من العيون إلى الكويرة.
وبالنسبة لاقاليم الحكم الذاتي في اوروبا كانت لها لغات مختلفة بينما قبائل الصحراء تتحدث العربية والحسانية لهجة وليست لغة، والذين يتحدثون الحسانية شمال خط الطاح السمارة هم عشرة اضعاف من يتحدثونها جنوب الطاح..
وحتى بالنسبة لأوروبا الحكم الذاتي يتنوع من بلد لآخر بل وداخل نفس البلد، فإسبانيا مثلا فيها 17 اقليما ومنطقة تتمتع بالحكم الذاتي ولكن صلاحياتها تختلف من منطقة إلى أخرى.
أما اذا وسعنا المقارنة الى كل الدول الاوروبية فلن مجد تجربة تشبه الأخرى من بريطانيا إلى روسيا مرورا بإيطاليا والمانيا ونفس الشيء في مناطق العالم الاخرى من اندونيسيا والصين الى كندا.. فلماذا يراد لنا أن نقدم نموذجا لا يتناسب مع واقعنا وتاريخنا؟! نحن لسنا امام قومية او اثنية مغايرة، نحن امام اراضي مغربية تعرضت للاحتلال الاسباني وتم تحريرها على مراحل، ثم ركبت الجزائر على النزاع لتخلق منه كيانا انفصاليا، هذا هو التوصيف، وبالتالي ليس هناك ما يدعونا لإقامة حكم ذاتي بمعايير دولية لها ما يبررها تاريخيا. إن تقديم تنازلات بعد نصف قرن من الصمود والكفاح يعتبر خيانة لتاريخنا ولوطننا ولتضحيات كل المغاربة ولدماء آلاف الشهداء من جيش التحرير المغربي إلى القوات المسلحة الملكية.
لماذا لا نتحدث عن تنظيم حكم ذاتي وفقا للجهات كما هو الشأن في إيطاليا مثلا بدل الحكومة المحلية؟ ولماذا الحديث عن تمثيلية قبلية في المجالس المنتخبة عوض الحديث عن المواطنة؟ وهناك اسئلة مماثلة في القضاء وصلاحيات التشريع والضرائب وحتى في مجال التربية والتعليم وغيرها. هذه قضايا استراتيجية تهم كل الوطن والمواطنين وكان علينا أن نفتح حوارا وطنيا بدل أن نكتفي بمذكرات تقدمها الاحزاب ونتكتم على مضمونها، وكأن الأمر سرّ لا يعني كل الشعب المغربي..
ورقة الحكم الذاتي، بصيغته المقدمة سنة 2007، لم يعد يخدم المصلحة الوطنية، بل بات من واجب المغرب، وليس فقط من مصلحته، ألا يتجاوز المقترح الجديد صلاحيات الجهوية المعمول بها حالياً في البلاد، وحتى دعوة جلالة الملك إلى تحيين المشروع تم تفسيرها بإضافة صلاحيات جديدة، بينما التحيين يمكن أن يعني أيضاً سحب صلاحيات سبق منحها في سياق دولي مختلف؛ فالمغرب قدم مقترحاً سنة 2007 رُفض من الاطراف الآخرى، وبعد عشرين سنة تغيرت موازين القوى بشكل جذري، واعترفت الولايات المتحدة وفرنسا بالسيادة المغربية الكاملة، ومعظم الدول تدعم الموقف المغربي، وانهارت الجبهة الانفصالية وتشتت وانهارت الدولة الحاضنة، إذن التحيين يعني أخذ كل هذه المعطيات في عين الاعتبار.
ثم ان العالم يشهد تغيرات جيوسياسية بنيوية خطيرة قد تؤدي الى اقبار منظمة الامم المتحدة او على الاقل مراجعة شاملة لنظامها، فلماذا نتسرع في تقديم تنازلات، في هذا التوقيت بالضبط؟! علينا ان نكتفي بمقترح تكتيكي للحكم الذاتي في حده الأدنى، أي الجهوية الحالية، مما سيدفع الجبهة الانفصالية والجزائر إلى رفضه، وهو ما سيمهد الطريق للانتقال إلى الهجوم الأخير لإقبار المشروع الانفصالي نهائياً.