mardi 17 février 2026
كتاب الرأي

محمد براو: الاستراتيجية الإيرانية في مواجهة أمريكا.. مقاربة تحليلية في ديناميات الردع والتفاوض

محمد براو: الاستراتيجية الإيرانية في مواجهة أمريكا.. مقاربة تحليلية في ديناميات الردع والتفاوض محمد براو

شهدت العلاقات الإيرانية–الأمريكية تصعيدًا كلاميًا وعسكريًا متزايدًا منذ أواخر 2025، مع انعكاسات مباشرة على الديناميات الإقليمية. تمثل المحادثات غير المباشرة في جنيف محاولة لإعادة فتح قناة حوار تحت غطاء الردع الاستراتيجي، بهدف إدارة المخاطر النووية والإقليمية دون الانزلاق إلى صراع مباشر. وقد وصف وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي اللقاءات بأنها "جادة وبناءة"، مع التوصل إلى مبادئ توجيهية كأساس لمفاوضات لاحقة، دون التوصل إلى اتفاق نهائي.

الإطار النظري: الردع الحديث والتعاون–التنافس

الردع الاستراتيجي

سبق أن أشرنا في مقالنا التحليلي حول التهديدات المتبادلة، محمد براو (2026)، إلى أن التهديد الإيراني المباشر ضد قواعد أمريكية، سفن حربية، وأهداف إسرائيلية يمثل تهديدًا مشروطًا، محدودًا، ومصداقيًا ضمن العقيدة الدفاعية الإيرانية.

يعتمد الردع هنا على:

  • القدرة التنفيذية المحدودة (صواريخ دقيقة، نطاق محدد).

  • الغموض الاستراتيجي، مع إبقاء الخصم في حالة عدم يقين حول رد الفعل المحتمل.

  • الخطاب الرمزي لتصعيد الرسائل الدبلوماسية دون الدخول في حرب مفتوحة.

التعاون–التنافس (Coopetition)

التفاعل الإيراني–الأمريكي يظهر نمطًا يجمع بين التعاون الجزئي عبر القنوات الدبلوماسية والتنافس الاستراتيجي عبر الردع العسكري والخطاب الرمزي. هذا يسمح لطهران بإدارة المخاطر الإقليمية مع الحفاظ على مرونة الحوار.

سياق المفاوضات غير المباشرة في جنيف

تتم المحادثات بشكل غير مباشر لتقليل حواجز الثقة بين الطرفين، وللحفاظ على القنوات الدبلوماسية في ظل التوترات العسكرية المحتملة. تم الاتفاق على مبادئ توجيهية تشكل أساسًا لإعداد نصوص اتفاق مستقبلية، مع إبقاء النقاط الخلافية دون حل نهائي حتى الآن.

التوازي بين الردع والمفاوضات

يُعد التوازي بين الردع والمفاوضات محورًا مركزيًا في الاستراتيجية الإيرانية الحديثة:

1. الردع العسكري: تصريحات المرشد الأعلى علي خامنئي حول القدرة على إسقاط السفن الحربية تزيد من مصداقية التهديد وتُجبر الطرف الآخر على أخذ موقف إيران على محمل الجد.

2. المفاوضات الدبلوماسية: الحوار غير المباشر يسمح بتخفيف التوتر، إدارة المخاطر، وتوضيح خطوط إيران الحمراء دون مواجهة مباشرة.

هذا النهج يُعرف بـ "الحوار تحت غطاء الردع"، حيث يشكل الردع العسكري أداة لتقوية موقع إيران التفاوضي، بينما توفر المفاوضات مجالاً للحل السلمي وتقليل احتمالية التصعيد.

خطاب القوة والتحليل الاستراتيجي

تصريحات خامنئي:

"نسمع كثيراً عن إرسال الولايات المتحدة حاملة طائرات نحو إيران. حاملة الطائرات سلاح خطير، لكن السلاح القادر على إسقاطها في قاع البحر أخطر منه بكثير".

يشير هذا الخطاب إلى:

  • القدرة على الردع الملموس.

  • إبقاء الطرف الآخر في حالة عدم اليقين.

  • استخدام الرمزية الخطابية لتعزيز المصداقية الداخلية والخارجية.

تؤكد دراستنا السابقة حول التهديدات المتبادلة أن التهديد الإيراني متكامل ويشمل البعد الرمزي، حيث يُستخدم الخطاب الشخصي لتعزيز الشرعية الداخلية ورفع تكلفة أي هجوم أمريكي محتمل.

التداعيات الإقليمية

مضيق هرمز والاقتصاد العالمي

أي تصعيد في المضيق قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط واضطرابات في أسواق الطاقة العالمية، مما يزيد من الضغط الاقتصادي على الأطراف كافة. وهنا دور المناورات البحرية بالذخيرة الحية.

الديناميات السياسية الإقليمية

  • دول الخليج: إعادة تقييم التحالفات مع الولايات المتحدة لتخفيف المخاطر.

  • إسرائيل: اعتبار أي تقدم إيراني تهديدًا استراتيجيًا مباشرًا.

  • تركيا وروسيا: إمكانية لعب دور الوسيط أو توسيع النفوذ.

الردع العسكري والدبلوماسي الإيراني

تدمج إيران بين القدرة العسكرية والخطاب الرمزي لضمان الردع الفعال، مع إدارة المخاطر وتجنب التصعيد المباشر، وفق ما أوضحناه في دراستنا السابقة.

المناقشة

السيناريوهات الاستراتيجية المحتملة

تعكس التحليلات العملية والنظرية أن أي تعامل مع إيران في هذا السياق يجب أن يأخذ في الاعتبار تعدد المستويات للتهديدات والفرص التفاوضية. يمكن تحديد ثلاثة سيناريوهات رئيسية:

1. الاتفاق المحدود التقني:

o       تركز المفاوضات على مبادئ توجيهية حول الرقابة النووية مع رفع جزئي للعقوبات.

o       وفق نظرية اللعبة (Schelling, 1966)، هذا السيناريو يمثل "تسوية استراتيجية" حيث يحافظ الطرفان على خيار الردع ويقلل من مخاطر التصعيد.

o       كما أشرنا في مقالنا السابق، فالقدرة الإيرانية على موازنة التهديد التنفيذي مع الحوار الرمزي تضمن أن أي اتفاق محدود لن يُستغل ضدها استراتيجياً، بل يعزز قوة الردع المستمرة.

2. الجمود مع استمرار الحوار:

o       لا يتم التوصل إلى اتفاق نهائي، لكن القنوات الدبلوماسية تبقى مفتوحة لتجنب تصعيد محتمل.

o       يمثل هذا تطبيقًا للتوازن الهش بين القوة والديبلوماسية، حيث يبقي الطرفان على سقف الردع دون مواجهة مفتوحة.

o       إن التصعيد الكلامي المدروس يسمح لطهران بفرض تكاليف على الطرف الآخر دون خوض حرب مباشرة، ويمنحها مجالًا لاستكشاف الفرص في الوقت ذاته.

3. تصعيد محدود أو حادث عرضي:

o       أي سوء تقدير في مضيق هرمز أو حادث عرضي يمكن أن يتحول إلى مواجهة محدودة.

o       وفق مفهوم الردع المشروط (Conditional Deterrence)، قدرة إيران على تهديد خصومها بطريقة محددة ومدركة تجعل أي هجوم محدود محفوفًا بالمخاطر الاستراتيجية، بما في ذلك رد غير متوقع أو تدخل الأطراف الإقليمية.

الرسائل الاستراتيجية والتحكم في التصعيد

الاستراتيجية الإيرانية تعتمد على دمج الردع العسكري مع الدبلوماسية غير المباشرة:

  • الردع العسكري: القدرة التنفيذية للصواريخ الدقيقة والمنشآت الدفاعية تمثل تهديدًا ملموسًا للطرف الآخر.

  • الغموض الاستراتيجي: إبقاء الولايات المتحدة وحلفائها في حالة عدم يقين حول رد إيران المحتمل يرفع تكاليف أي خطوات عسكرية محتملة.

  • الخطاب الرمزي: الهجوم الكلامي على القادة أو السياسات الأمريكية يرفع من تكلفة الخيارات العسكرية ويشكل أداة ضغط تفاوضية فعالة.

يرى Schelling (1966)  : "القوة ليست فقط في القدرة على الإيذاء، بل في القدرة على جعل الخصم يعتقد أنك قادر على الإيذاء"، وهو ما يظهر بوضوح في الاستراتيجية الإيرانية.

الديناميات الرمزية وأثرها على الخيارات الأمريكية

  • تهدف إيران إلى رفع تكاليف أي هجوم محدود من خلال مزيج من القدرة التنفيذية والرسائل الرمزية.

  • أي رد أمريكي محدود قد يقلل من مصداقية الردع في المستقبل إذا لم يكن متسقًا مع التهديد الإيراني.

  • هذا التفاعل يوضح أهمية التحكم في التصعيد الرمزي قبل العسكري، وهو مفهوم أساسي في استراتيجيات الردع الحديث.

إدارة المخاطر الإقليمية

  • مراقبة مضيق هرمز باعتباره نقطة حرجة للتجارة والطاقة.

  • تقدير تحركات اللاعبين الإقليميين: إسرائيل، دول الخليج، تركيا، وروسيا.

  • توظيف الردع والحوارات غير المباشرة لتحقيق توازن بين الضغط العسكري والدبلوماسي.

  • تقييم احتمالات الانزلاق العرضي للصراع، حيث يمثل الغموض الاستراتيجي أداة فعالة لإبقاء الخصم في حالة حذر دائم.

الدروس المستفادة

1. الدمج بين القوة العسكرية والدبلوماسية الرمزية يضمن مصداقية الردع ويقلل من مخاطر التصعيد.

2. الوساطة غير المباشرة توفر منصة لإدارة النزاعات دون الانجرار إلى حرب مباشرة.

3. الخطاب الشخصي والتهديدات الرمزية أدوات فعالة في رفع تكلفة الهجوم على الدولة المعتدية المحتملة.

4. التوازن الهش يمثل إطارًا لإدارة التفاعل الاستراتيجي بين الدول ذات النفوذ العسكري والاقتصادي الكبير.

ختاما                                                                                          

توضح هذه الدراسة كيف أن إيران تعتمد استراتيجية مزدوجة تجمع بين الردع والمفاوضات غير المباشرة.وتعزز الفهم العلمي للتهديدات الإيرانية، من خلال مفاهيم الغموض الاستراتيجي، والخطاب الرمزي، وتبرز التحديات التي تواجه الولايات المتحدة وحلفاءها في إدارة الصراع مع إيران. يتيح هذا التوازن الهش إدارة المخاطر، حماية المصالح الوطنية، واستمرار القنوات الدبلوماسية في بيئة متوترة.

 

                                             محمد براو، الباحث والخبير الدولي في الحكامة


 

 

المراجع

1. براو، محمد (2026). تحليل استراتيجي للتهديدات المتبادلة بين أمريكا وإيران.

2. US, Iran set high‑stakes nuclear talks in Geneva; threat of war looms, Reuters، 17 فبراير 2026.

3. Iran says 2nd round of indirect talks with US in Geneva to focus on nuclear issue, Anadolu Agency، 17 فبراير 2026.

4. Iran naval exercises underscore strategic messaging amid talks, AP News، 2026.

5. Morgan, P. (1983). Deterrence: A Conceptual Analysis.

6. Wright, R., & Kaye, D. (2011). Managing Strategic Surprise: Lessons from Risk Approaches to Emerging Threats.