mardi 17 février 2026
مجتمع

لماذا لن يستقبل رئيس الحكومة الأطباء في لقاء رسمي؟

لماذا لن يستقبل رئيس الحكومة الأطباء في لقاء رسمي؟ صورة تعبيرية

 بسبب غياب الوحدة وقيادة جامعة، يظل الاحتقان داخل الجسم الطبي احتقاناً مبهماً. يثير القلق، لكنه لا يفرض نفسه.

وطالما استمرت حالة التشتت، وصراعات التمثيلية، والانقسامات بين القطاعين العام والخاص، وبين  الأجيال والجهات، فلن يشعر الجهاز التنفيذي لا بإلحاحٍ ولا بإكراهٍ لعقد لقاء رسمي جامع.

تحت ضغط منظم وواضح، استقبل رئيس الحكومة هيئة المحامين.
لم يكن اللقاء رمزياً أو بروتوكولياً، بل كان تتويجاً لمسارٍ من التراكم في ميزان القوة.
أصحاب البذلة السوداء لا يتحركون عبثاً. وحين يفعلون، فذلك لأنهم يعتبرون التوازن المؤسساتي مهدداً. قوتهم الأساسية تكمن في تماسكهم: هيئات معروفة، خطاب موحد، واستراتيجية منسقة.
إضرابات محسوبة، حضور إعلامي مؤثر، وانتشار واضح في الفضاء العام. كان الضغط مقروءاً، منظماً، وفعالاً. وأمام جسم مهني منضبط قادر على التأثير في سير العدالة، تصبح الاستجابة السياسية أمراً لا مفر منه.
لذلك جاء الاستقبال استجابةً لضرورة مؤسساتية أكثر منه مجرد مبادرة لامتصاص التوتر.

لكن ماذا عن الأطباء؟

أصحاب البدل البيضاء يعيشون بدورهم حالة قلق عميق.
إصلاح المنظومة الصحية، تعميم الحماية الاجتماعية، توترات ضريبية، اختلالات في التعريفة، ضغط مهني متزايد، وتراجع الجاذبية… ملفات مفتوحة ومقلقة.

غير أن الفارق الجوهري يكمن في البنية الداخلية للجسم الطبي المغربي. تعدد نقابات، جمعيات، مجالس جهوية، وتنسيقيات ظرفية. أصوات متفرقة. رسائل أحياناً متناقضة. غياب مخاطب واحد قوي، شرعي، وقادر على التحدث باسم مجموع الأطباء.

في السياسة، لا يُقاس الضغط فقط بحجم المشكلة، بل بقدرة أصحابها على تنظيم أنفسهم.

حيث قدم المحامون جبهة متماسكة، يظهر الأطباء منقسمين.

وحيث تتكلم البذلة السوداء بصوت واحد، تبدو البدلات البيضاء وكأنها تتحاور فيما بينها أكثر مما تخاطب الدولة.
هذا التشرذم يشكل عائقاً استراتيجياً حقيقياً.

فالحكومة لا تتفاعل إلا مع ضغط منظم، مع ميزان قوة واضح، مع خطر مؤسساتي محسوس.
وفي غياب الوحدة والقيادة الجامعة، يظل التوتر الطبي عائماً.

يقلق، لكنه لا يُلزِم. لنكن صريحين: إذا لم يبلغ ضغط الأطباء مستوى الوضوح والتماسك والتأثير الذي بلغه المحامون، فمن غير المرجح أن تُفتح أبواب رئاسة الحكومة أمامهم في الظروف نفسها.

ليس لأن قطاع الصحة ثانوي.
بل لأن قوة النداء مرتبطة بقدرة التنظيم. ورغم ذلك، فإن الرهان الصحي هائل. إصلاح المنظومة الصحية من أكبر الأوراش الاجتماعية في البلاد، ونجاحه رهين بانخراط الممارسين. لا يمكن لأي نموذج للتغطية الصحية الشاملة أن يستمر إذا شعر الأطباء بالهشاشة أو التهميش أو الانقسام.

الطبيب هو الواجهة المباشرة بين السياسة العمومية والمواطن.
إذا تردد، اهتزت ثقة المريض.
وإذا انخرط، تجسدت الإصلاحات على أرض الواقع. لكن لكي يُسمَع صوته، يجب أن يكون واضحاً وموحداً.

المشكلة إذن ليست مؤسساتية فقط، بل هي أيضاً داخلية بامتياز.

ما دامت حالة التشتت قائمة، وصراعات التمثيلية مستمرة، والانقسامات القطاعية والجيلية والمجالية حاضرة، فلن يشعر الجهاز التنفيذي بضرورة عقد لقاء رسمي جامع.

في السياسة، كثيراً ما يكون صمت السلطة انعكاساً لفوضى مخاطبيها.

المحامون يدافعون عن الحقوق.
الأطباء يحمون الأرواح.
الأولون نجحوا في تحويل قلقهم إلى قوة جماعية.
والثانون لم يحولوا بعدُ قلقهم إلى رافعة مؤسساتية.

لم يعد السؤال: هل سيستقبل رئيس الحكومة الأطباء؟
بل أصبح: هل الأطباء المغاربة مستعدون للتحدث بصوت واحد حتى يُصغى إليهم؟

في بلد يعيش تحولات اجتماعية عميقة، الحوار ضرورة.
لكن الإنصات أيضاً يُنتَزَع بوحدة الصف ووضوح الرؤية.

 

 الدكتور أنور الشرقاوي 
خبير في التواصل الطبي والإعلام الصحي