mardi 17 février 2026
خارج الحدود

لحسن العسبي: السيد الرئيس عبد المجيد تبون.. أي أجيال مغاربية تصنعون للمستقبل؟

لحسن العسبي: السيد الرئيس عبد المجيد تبون.. أي أجيال مغاربية تصنعون للمستقبل؟ لحسن العسبي وعبد المجيد تبون

نشرتُ بتاريخ 28 يناير 2026، مادة تحليلية على حسابي الشخصي بالفايسبوك تحت عنوان "حديد غار جبيلات.. تركتها الجزائر في الجنان وذهبت تطاردها في البراري"، ثم نشرتُ مادة خبرية تحليلية ثانية يوم 6 فبراير 2026 تحت عنوان "زوبعة "قصر إيش".. ليس المغرب من في خصومة مع العالم بل جماعة شنقريحة".. حيث تشترك كلا المادتين في التفاعل مع مواضيع تتعلق بالشأن الجزائري كنظام سياسي، لها تقاطع كامل مع "الواقعة المغربية" من حيث كونها تشكل جزء مركزيا من "منهجية الحكم" في الدولة الجزائرية (الجمهورية الأولى التي تم تأسيسها سنة 1962 بعقيدة عسكرية كاملة وليست مدنية). منهجية تقوم على انتهاج مخطط تواصلي بيداغوجي داخليا يُلصقُ كل شرور الدنيا ب "عدو خارجي" متوهم هو المغرب والمغاربة. بل إن المقلق أن ذلك الخيار السياسي للنظام الجزائري قد بلغ مراحل متقدمة للأسف من "الباطولوجيا النفسية" المسيئة لصورة الجزائر كبلد ولأهله الطيبين.
سَمَحَ حجم التفاعل المتحقق مع ما اقترفْتُهُ من كتابةٍ في الداخل الجزائري أن يشكل مادة للقراءة والتحليل بآليات منهجية "دراسة ظواهر الخطاب" (الفنومينولوجيا). أي تلك الدراسة التي تقرأ الواقع كما يتبدى من خلال جملة ظواهر مخصوصة. وأنها كآلية تحليل فلسفية وعلمية تم التأسيس لها في ألمانيا (تيار المفكر النمساوي الألماني إدموند هوسرل)، تعتمد مبدأ دراسة الخطاب كتجل لتعبير عن الوعي بالوقائع. أي أنها تذهب رأسا لدراسة الظواهر كتَجَلٍّ للوعي كما يُفرزهُ تفاعل الأفراد والجماعات مع الوقائع. أي أن الظاهرة المدروسة لا تكون كذلك، أي تتحول لتكون ظاهرة، بدون أن تكون مسنودة أصلا بشكل تفاعلٍ بين الفرد والواقع. بصيغة أكثر دقة فإن هناك علاقة وطيدة بين الوعي والعالم.
تأسيسا على هذا التيار الفلسفي (تأطيريا)، من المفيد أيضا اعتماد مناهج مدرسة "كونستونس" الألمانية لنظرية التلقي كما بلورها أحد روادها الكبار وولفغونغ إيزر، المعروفة ب "مدرسة كونستونس لنظرية التلقي". كونها تفيد إجرائيا في دراسة الخطاب كتعبير يؤطره وعيٌ بلورته ظواهر من الواقع.. مما يعني أن هناك تأطيريا علاقة جدلية بين التيار الفلسفي للفنومينولوجيا (دراسة ظواهر الخطاب) وبين مدرسة كونستونس (نظرية التلقي)..
لنحاول البناء على ذلك في قراءة التفاعل الجزائري (شعبيا) مع المادتين التحليليتين موضوع المقاربة هنا.
إن ما يهمنا فيها هو دراسة التفاعل المتحقق معهما ليس فقط من حيث ارتفاع أرقام القراءة (ما يتجاوز نصف مليون قارئ، بالضبط 511230)، بل أساسا من حيث نوع الخطاب الذي أنتجه ذلك التفاعل مع موضوعهما ومضمونهما..
بلغة الأرقام بلغ حجم التفاعل مع مادة "حديد غار جبيلات.. تركتها الجزائر في الجنان وذهبت تطاردها في البراري" في أقل من شهر (ثلاثة أسابيع) ما مجموعه 443 848 قارئا، شكل منهم الجزائريون نسبة 91.2% أي حسابيا حوالي 404789. بينما بلغ عدد قراء مادة "زوبعة "قصر إيش".. ليس المغرب من في خصومة مع العالم بل جماعة شنقريحة" ما مجموعه 67382 قارئا، شكل منهم الجزائريون 18.3%، أي حسابيا ما مجموعه 12331 قارئا.
بالتالي فإن مجموع القراء من الجزائر للمادتين معا هو 417120.
بلغ عدد التعليقات على كل مادة تحليلية 1494 تعليقا على المادة الأولى، و351 تعليقا على المادة الثانية.  
شكل الجزائريون من ضمن عدد تلك التعليقات في المادة الأولى حسابيا 1436 أي ما نسبته 96.11  %.
بينما شكلوا من ضمن عدد التعليقات في المادة الثانية حسابيا 221 أي ما نسبته 62.96 %.
انحصر اشتغالنا على مادة التعليقات فقط على مجموع التعليقات الصادرة من المواطنين الذين أعلنوا بوضوح أنهم جزائريون، سواء كانوا داخل الجزائر أو خارجها..
هكذا فإن تحليل بنية الخطاب الذي صدرت عنه تلك التعليقات المنسوبة تقنيا وحسابيا إلى المواطنين الجزائريين، تفيد أن القاموس المستعمل عنيف لفظيا (8521 كلمة حاطة من الكرامة ووقحة للأسف تدين أخلاق مستعمليها).. بل إن بنية الجملة فيها متأسسة على توتر في البناء اللسني، تكاد الكلمات فيه أن تكون أشبه بطلقات سباب تعكس عنفا في الرؤية وتطرفا في الموقف وعُصَابًا في الرد (العنف/ التطرف/ العٌصاب.. هي توصيفات دقيقة عن حالة مأزومة في علم النفس). بل إن دراسة ممحصة لكل جواب على حدة سمحت باستنتاج أن بنية الردود تلك في غالبيتها المطلقة عنيفة بنسبة تتجاوز 98 %. 
هل يعكس ذلك فعليا أخلاق الجزائريين؟. الجواب الصادق بحكم التجربة هو النفي. حيث لا يُقاس منطقيا البعض الساقط عديم التربية على الغالبية من أولاد الناس بالجزائر.
مهم هنا أيضا التسطير قبل الوصول إلى أي استنتاجات أو أحكام أو خلاصات أن نسبة التعليقات مقارنة بعدد المقروئية قد لا يشكل مقياسا للبناء عليه.  ذلك أن نسبة التعليقات المنسوبة لأفراد جزائريين في المادة الأولى البالغ عدد القراء من الجزائر 404789، لا تتجاوز 0.35 %. بينما نسبة تعليقاتهم في المادة الثانية البالغ عدد القراء من الجزائر 12331، لا تتجاوز 0.32 %.
بمعنى أن ما يجب الإنتباه إليه عمليا وأكاديميا وإحصائيا والبناء عليه إيجابيا هو نسبة القراء وليس نسبة التعليقات. حيث الأساسي في المعادلة هو ارتفاع حجم تفاعل المواطنين الجزائريين مع مضمون المقالتين التحليليتين البالغ فيهما معا ما مجموعه 417120 قارئا جزائريا (وهو رقم ضخم يقارب نصف المليون)، لا يشكل أصحاب التعليقات من ضمنهم سوى 1657، أي ما نسبته 0.39 %.
إن ما يهم في دراسة التعليقات، ليس فقط بنية الخطاب فيها وعنف اللغة وعُصابية المواقف وتطرف الرؤية، بل أصلا طرح السؤال حول مدى صدقية تلك التعليقات وأصحابها ومدى حقيقة أنهم أصلا جزائريون. علما أنني تعمدت الرد على بعض منها في المادة الثانية كنوع من الإختبار التواصلي. بينما لم أعلق على أية ردود في المادة الأولى.
هنا مربط الفرس في هذه القراءة.
ذلك أنه من مجموع التعليقات تلك البالغ 1657 تعليقا، بعد تصنيفها وترتيبها اعتمادا على حقيقة إسم المعلق والمعلومات المصاحبة على حسابه بالفايسبوك ووضعه لهويته الحقيقية وصورته الحقيقية، نخرج بخلاصة مثيرة جدا هي أن 95.8 % منها غير موثوقة المعلومات الشخصية بهويات مستعارة وصور غير رسمية. مما يفيد تحليليا على أنها لجهات أو أشخاص مكلفون بمهمة التعليق والرد ضمن ما يمكن إدراجهم فيما يوصف ب "الذباب الإلكتروني".. مع ما يتبع ذلك من تساؤل مشروع: كم يشكل الجزائريون ضمنهم من نسبة؟
إن الجواب على السؤال الأخير يجد سنده الأكاديمي في واقع ما يسجل من حملة هستيرية إعلاميا في كل وسائل الإعلام الجزائرية الرسمية والخاصة، حيث هناك خط تحريري وحيد بخصوص "الخبر المغربي" يصدر عن موقف سلبي عُصابي مثير (حتى بالتلفيق والكذب والتطاول).. مثلما يجد جوابه فيما أعلن رسميا من تأسيس آلية لما وصف ب "القوة الناعمة" الجزائرية التي رصدت لها ميزانية رسمية (غير معروف الرقم بالضبط)، مفهوم أن دورها هو تنفيذ أجندات تواصلية مشوشة ومعادية لكل ما هو مغربي بالدرجة الأولى.
أي أنه كما يقول مثلنا الشعبي "إذا بانت المعنى فلا فائدة من التكرار".
إن الخلاصة المركزية الأولى هنا هي أن 95.8 % من تلك التعليقات التي يعلن أصحابها أنهم جزائريون، موجهة ولها دور.
ما هو هذا الدور؟
إنه إعلاء أسباب العداء بين الشعبين المغربي والجزائري، تأسيسا على خطة تعتمد موقفا سلبيا، سبابيا، متطاولا، يطعن في الشرف الفردي والجماعي للمغاربة، يشكك في المؤسسات الوطنية المغربية ويقدف في رموز البلاد. إن الغاية من هذه المنهجية العنيفة لفظيا هي استصدار ردود عنيفة طبيعية مماثلة من القارئ المغربي المفترض الذي قد يتصادف مع ذلك المنشور على الفايسبوك. وأنه مع هذا المنشور وذاك، اليوم وغدا، يتحقق التراكم في التصعيد والتجييش واستصدار المواقف العنيفة بين الجانبين (الشعبين).. حيث تكون النتيجة الكبرى هي توسيع أسباب العداء بينهما..
من له مصلحة في ذلك؟
هذا سؤال كبير.
هل تدرك الجهة الجزائرية الرسمية مهندسة هذا العداء الأعمى والمرضي ضد كل ما هو مغربي مزالق الأمر ومخاطره على الجميع؟
نكاد نشك أن العقلاء أصبحوا عملة نادرة في السلطة هناك مع كامل الأسف.
بل يحق للواحد منا طرح السؤال: أليست تلك الجهات الجزائرية الرسمية إنما هي مكلفة بتنفيذ هذه الأجندة الجهنمية بالذات بين الشعبين؟ ولمصلحة من خارجيا ودوليا؟
هذا سؤال اتهامي مؤلم وصعب، تفرضه الوقائع الملموسة في الواقع الملموس. ها هنا معنى دراسة الظواهر كتجل للوعي.
إن الخلاصة الكبرى من هذه القراءة أن هناك مسارا جهنميا لتأليب الشعبين المغربي والجزائري على بعضهما البعض. وأن بعض العمى السياسي لجزء من النخبة الفاعلة والحاكمة والمؤثرة بالسلطة بالجزائر يجعلها تُوَسِّعُ من مساحات اليأس بين بلداننا المغاربية والشمال إفريقية بدلا من توسيع أسباب الأمل في المستقبل.
ولأن الشئ بالشئ يذكر، فإن المفارقة المؤلمة هي أن نخب الحركة الوطنية في المغرب والجزائر وتونس فيما بين 1945 و1962، حين كانت تواجه غطرسة المستعمر الفرنسي بشكل مشترك وتضامني، قد وَحَّدَتْ من رؤية شعوبنا المغاربية لنفسها ولبعضها البعض ورسخت ميدانيا وعلى مستوى الوعي الشعبي العام معنى للإنتماء لفكرة وحدة المصير وفكرة بناء "مغرب كبير موحد"، تَشَبُّهًا بالمشروع الجنيني لتأسيس "السوق الأروبية المشتركة" سنة 1958. أليس هو الحلم الذي طرحه "مؤتمر طنجة المغاربي" لأحزاب الحركة الوطنية في بلداننا الثلاثة؟. 
بل إنه في عهد الإستعمار كان التواصل المجتمعي والإنساني بين المغربي والجزائري والتونسي أكثر سهولة ويسرا، والتآزر أعمق وأكبر وأرسخ بين شعوبنا المغاربية. أما اليوم، حيث الحدود مغلقة والتواصل معدوم شعبيا والسماء كئيبة بغياب ضوء الأمل فيها، هل ممكن أن تطرح بجرأة على نفسها تلك النخب في السلطة بالجزائر (بمختلف أذرعها السياسية والعسكرية والأمنية والإعلامية) سؤال الضمير إن لم تكن تؤسس لليأس وللعداوة والبغضاء ولكل ما هو أسود قاتل بين شعوب المنطقة؟. ألم تُفَرِّخْ لنا جميعا بأعمال تواصلية مماثلة (حتى في الإعلام الرسمي والخاص) فقط أجيالا للقطيعة مسكونة فقط بالسلبي والعدواني.
يا لها من جريمة تاريخية في حق كل شعوبنا المغاربية وأولهم الشعبان المغربي والجزائري.
إنه أمام لوحة قاتمة مماثلة يحق للمرء التساؤل، أليس هناك من مبدع عاقل هناك يملك ريشة لرسم الأمل في هذا السديم المغاربي؟..
جديا كل صناع الأمل سيراهنون على 417120 من القراء الجزائريين الصامتين للمادتين، لأنهم السماد الأصلي لأولاد الناس هناك الذي سينتصر على مخطط 1657 من أصحاب التعليقات المخدومة التصعيدية السلبية (التي ندرك أن جزء منها ليس جزائريا أصلا حتى وإن ادعى غير ذلك). 
صدقت الآية الكريمة "ويمكرون ويمكر الله، والله خير الماكرين"..