jeudi 12 février 2026
كتاب الرأي

سعيد التمسماني: الماء في قلب التحول.. فرصة مناخية تعيد رسم آفاق الأمن المائي بالمغرب

سعيد التمسماني: الماء في قلب التحول.. فرصة مناخية تعيد رسم آفاق الأمن المائي بالمغرب سعيد التمسماني

لسنوات طويلة، كان الحديث عن الماء في المغرب مشوباً بنبرة القلق: سدود تتراجع، مواسم فلاحية مرتبكة، ونداءات متكررة لترشيد الاستهلاك. كان السؤال المركزي هو كيف نتدبر الندرة. اليوم، ونحن أمام تحسن لافت في المؤشرات المائية، يتغير السؤال جذرياً: كيف نحسن استثمار الوفرة؟

 

ما يجري ليس مجرد موسم ممطر جيد، بل لحظة سياسية–تنموية بامتياز. فارتفاع منسوب السدود واستعادة جزء مهم من المخزون الوطني لا يعني فقط تحسناً في الأرقام، بل يعكس قدرة الدولة على الصمود خلال سنوات الضغط، واستعدادها لالتقاط الفرص عندما تلوح في الأفق.

 

لقد أظهرت المرحلة الأخيرة أن المغرب لم يكن ينتظر المطر مكتوف اليدين. البنية التحتية للسدود، وسياسات تدبير الأحواض، والاستثمارات المتراكمة في الربط المائي، كلها عناصر جعلت من التساقطات الأخيرة رافعة حقيقية، لا حدثاً عابراً يمر دون أثر استراتيجي. الطبيعة منحت، نعم، لكن الدولة كانت جاهزة للاستيعاب والتخزين والتوزيع.

 

غير أن الأهم في تقديري هو التحول في الوعي الجماعي. لقد كشفت سنوات الجفاف هشاشة الرهان المطلق على الأمطار، ودفعت إلى تسريع مشاريع التحلية وإعادة استعمال المياه العادمة وتعزيز النجاعة المائية في الفلاحة. واليوم، مع تحسن المخزون، لا ينبغي أن نتراجع عن هذا المسار، بل أن نضاعف سرعته. فالتغير المناخي لا يعمل بمنطق الخط المستقيم؛ قد يمنح سنة سخية، لكنه قد يعقبها بمواسم أشد قسوة.

 

من هنا، فإن اللحظة الحالية هي اختبار للنضج الاستراتيجي. هل نتعامل مع الوفرة باعتبارها انفراجاً ظرفياً يبرر التراخي؟ أم نعتبرها رأسمالاً مائياً ينبغي استثماره لتعزيز الأمن الوطني بمفهومه الشامل؟

 

الأمن المائي ليس ملفاً تقنياً معزولاً، بل هو قلب المعادلة الاقتصادية والاجتماعية. استقرار التزود بالماء الصالح للشرب يعزز الطمأنينة المجتمعية. وفرة المياه للفلاحة تدعم الأمن الغذائي وتخفف الضغط على الميزان التجاري. وضمان الحد الأدنى من الموارد في الأحواض الحساسة يرسخ العدالة المجالية ويقلص التفاوتات.

 

لكن الصورة ليست وردية بالكامل. الفيضانات التي شهدتها بعض المناطق تذكرنا بأن الماء، حين يأتي بكثافة، قد يتحول إلى تحدٍّ آخر. لذلك، فإن الاستثمار في البنيات الوقائية، والتخطيط العمراني المنضبط، وتعزيز أنظمة الإنذار المبكر، عناصر لا تقل أهمية عن بناء السدود نفسها. الحكامة الرشيدة تعني إدارة الندرة والوفرة معاً، بذات الدرجة من اليقظة.

 

في العمق، نحن أمام فرصة لإعادة تعريف مفهوم السيادة المائية. السيادة لا تعني فقط توفر المخزون، بل تعني القدرة على ضمان استمراريته، وتنويع مصادره، وتأمينه ضد تقلبات المناخ والأسواق. وهي أيضاً تعني إشراك المواطن في ثقافة جديدة قوامها الاستهلاك المسؤول، لأن الأمن المائي مسؤولية جماعية بقدر ما هو قرار عمومي.

 

لقد أثبت المغرب، خلال العقود الماضية، أن الاستثمار في الماء خيار استراتيجي لا يخضع للمزاج الموسمي. واليوم، مع عودة التوازن النسبي إلى السدود، تتأكد صواب تلك الرؤية. غير أن المرحلة المقبلة تتطلب جرأة أكبر في الإصلاح، وتسريعاً أوسع في المشاريع البديلة، حتى لا نظل أسرى تقلبات السماء.

 

المطر هذا العام ليس مجرد نعمة طبيعية؛ إنه فرصة سياسية وتنموية. وإذا أحسنّا توظيفها، فقد تتحول إلى نقطة انطلاق نحو نموذج مائي أكثر صلابة واستدامة. فالأمم لا تُقاس فقط بقدرتها على تجاوز الأزمات، بل بقدرتها على تحويل لحظات الانفراج إلى مكاسب دائمة.

 

هكذا فقط يصبح الماء، لا مصدر قلق، بل عنوان ثقة واستقرار ورهاناً رابحاً للمستقبل.