في التقاليد المغربية الأصيلة، خاصة في المناطق القروية، هناك شخصية تُدعى "الوزير". لا تخلطوا بينه وبين الوزير في الحكومة! هذا "الوزير" الشعبي هو ذلك الرجل الذي يرافق العريس في يوم فرحه، يلبس جلباباً أبيض أنيقاً، يسير بجانبه طوال الحفل، يشرب الشاي مع المدعوين، ويأخذه العريس في جولته الاحتفالية. لكن السؤال: ما دوره الحقيقي؟ الجواب بسيط ومضحك في آن: دوره الوحيد هو أن "يعطي العروسة للعريس"! ثم يسدل عليه الجلباب في الصباح، ويصور مع الجميع، وينصرف وهو مقتنع بأنه أدى مهمة عظيمة، رغم أنه لم يفعل شيئاً على الإطلاق!
هذه الشخصية بالضبط هي ما استحضرها المرء وهو يتابع الجدل الدائر بين المحامين ووزير العدل.
فلنعد إلى القصة من البداية: المحامون غاضبون، مطالبون بحقوقهم، يحتجون. وزير العدل يدخل في النقاش، ثم يتصاعد الجدل، ويزداد تعقيداً. وزير العدل يعاند، ويتعنّت، ويتمسك بمواقفه. المشكلة تكبر وتتفاقم، والمفاجأة أن وزير العدل نفسه يتحول من رجل يفترض فيه حل المشكلات إلى الرجل الذي أنتج هذا الإشكال وولّده!
وهنا يتدخل رئيس الحكومة. يرى أن الوصل يطول، وأن النقاش دار في حلقة مفرغة، وأن وزير العدل عاجز عن الخروج من المأزق، بل هو جزء أساسي من المأزق نفسه. فيقرر رئيس الحكومة التدخل المباشر لإنهاء النزاع، ويخرج وزير العدل من المعادلة. تماماً كما يفعل العريس مع "الوزير" الشعبي عندما تنتهي مراسم الزفاف!
المواطن العادي حين يتابع هذا المسلسل، لا يملك إلا أن يضحك. وزير العدل الذي يفترض فيه أن يكون صاحب قرار وحكمة ورؤية، يتحول إلى ذلك "الوزير" الشعبي الذي لا يفعل شيئاً سوى أنه "يعطي العروسة للعريس". العروسة هنا هي الأزمة، وهو لم يعطها لأحد، بل جعلها تكبر وتتشعب! ثم يأتي رئيس الحكومة في النهاية ليحل العقدة التي كان الوزير سبباً في تعقيدها.
الطرفة الكبرى: هذا الوزير رغم أنه لم يفعل شيئاً، سيظل ممسكاً بجلبابه الأنيق، ماشياً في الموكب، حاضراً في الصور الرسمية، وكأنه هو من أنجز المهمة! في القرى المغربية، "الوزير" لا يُسأل ولا يُعاتب، لأنه ليس مسؤولاً عن شيء أصلاً. وفي الحكومة أيضاً، يبدو أن بعض الوزراء يتعلمون من هذه المدرسة: حضور دائم، أداء غائب، ثم انسحاب هادئ عندما يحين وقت الحلول الحقيقية.
المحامون كانوا ينتظرون وزيراً يحل مشاكلهم، فوجدوا "وزيراً" يضيف مشاكل جديدة. رئيس الحكومة وجد نفسه مضطراً لأن يكون "العريس" الذي يحمل العبء الحقيقي، بعد أن عجز "الوزير" الشعبي عن القيام بأي دور مفيد.
المواطن العادي، الذي لا يفهم في تعقيدات الصراعات بين النقابات والوزارات، يتابع هذا المسلسل ويسأل: متى نصل إلى يوم يكون الوزير في الحكومة مثل الوزير في العرس الشعبي، جميل المظهر فقط، دون أن يكون مسؤولاً عن أي شيء؟ لكن الفرق أن الوزير في العرس الشعبي لا يتقاضى راتباً، ولا يدّعي أنه يدير شيئاً، ولا يعد بإصلاحات!
الحل المثالي لهذه القضية يقترحه المنطق الشعبي البسيط: إذا كان دور الوزير لا يتعدى كونه مرافقاً رمزياً، فلنعطه جلباباً أبيض، ونصوره مع العريس، ونسدل عليه الستار. أما حل المشكلات الحقيقية، فلتترك لأصحابها الحقيقيين. فهذه هي فقط الطريقة التي تنتهي بها الأفراح السياسية دون أن تفسد على المواطنين فرحتهم.
وتبقى الحكمة المغربية الخالدة: "الوزير في العرس معروف، والوزير في الحكومة محذوف". وصدق من قال: رب وزير شكله جلباب، وفعله سراب.
كفيل محمد، محامي بهيئة الدار البيضاء