lundi 9 février 2026
كتاب الرأي

مداغ.. حين يجدد الشيخ معاذ القادري بودشيش جسور الروح بين المغرب ونيجيريا

مداغ.. حين يجدد الشيخ معاذ القادري بودشيش جسور الروح بين المغرب ونيجيريا عبد العزيز اغراز

في سياق إحياء الذكرى التاسعة لرحيل شيخ الطريقة القادرية البودشيشية، العارف بالله سيدي حمزة رضي الله عنه، يكتسب حضور ابن شيخ الطريقة القادرية في نيجيريا، السيد الفاتح قريب الله كبر، إلى مداغ ولقاؤه بالشيخ مولاي معاذ القادري بودشيش، دلالات روحية ورمزية عميقة، تتجاوز البعد المناسباتي، لتلامس جوهر العلاقات الروحية التاريخية التي نسجها التصوف السني بين المغرب وعمقه الإفريقي.

 

فهذا اللقاء لا يمكن اختزاله في بعده البروتوكولي أو الظرفي، بل يندرج ضمن سياق تاريخي ممتد من الوصل الروحي والتواصل العلمي والسلوكي بين زوايا المغرب وزوايا إفريقيا جنوب الصحراء. وقد شكّلت الطريقة القادرية، عبر فروعها وتجلياتها المتعددة، جسرًا روحيًا متينًا لنقل القيم الإسلامية، وأسهمت عبر القرون في ترسيخ الإسلام السني المعتدل، القائم على المذهب المالكي، والعقيدة الأشعرية، والتصوف الجنيدي، وهي القواسم الجامعة التي ظلت تؤطر العلاقة الروحية بين المغرب وبلدان إفريقية عديدة، وفي مقدمتها نيجيريا.

 

ويكتسي حضور السيد الفاتح قريب الله كبر بعدًا خاصًا، بالنظر إلى رمزية العائلة الروحية التي ينتمي إليها، وإلى العمق التاريخي للعلاقات التي ربطت والده، شيخ الطريقة القادرية في نيجيريا، بالمغرب وزواياه. فقد سبق له أن زار مداغ والتقى بالشيخ سيدي جمال القادري بودشيش رحمه الله، في لقاء جسّد آنذاك روح التعارف والتآخي الصوفي، وأسّس لمسار من التواصل الروحي المستمر. ويأتي حضور الابن اليوم ليؤكد أن هذه الروابط لا تنقطع برحيل الشيوخ، بل تتجدد عبر الأجيال، وفاءً لروح السلسلة وأخلاقها ومنهجها.

 

إن إحياء ذكرى سيدي حمزة، بما تحمله من معاني الوفاء لرمز روحي مغربي ذي إشعاع عالمي، يشكّل مناسبة متجددة لاستحضار القيم التي دعا إليها، وفي مقدمتها تزكية النفس، والسلم الروحي، وخدمة الإنسان، والانفتاح الواعي على الآخر في إطار الثوابت الدينية. ومن هذا المنطلق، فإن مشاركة شخصيات صوفية إفريقية وازنة، وفي طليعتها السيد الفاتح قريب الله كبر، تعكس المكانة التي باتت تحتلها الزاوية البودشيشية كمرجعية روحية عابرة للحدود، تستقطب القلوب الباحثة عن الاعتدال والمعنى في زمن الاضطراب الروحي والفكري.

 

ولا يمكن قراءة هذا الحدث بمعزل عن الدور المحوري الذي تضطلع به إمارة المؤمنين في المغرب، باعتبارها الإطار الجامع والضامن لوحدة المرجعية الدينية، والحامي للمذهب المالكي والعقيدة الأشعرية والتصوف السني. فالعناية التي توليها إمارة المؤمنين لهذه الأواصر الروحية، سواء عبر دعم الزوايا أو من خلال تعزيز التعاون الديني مع الدول الإفريقية، أسهمت في ترسيخ موقع المغرب كقبلة روحية ومرجعية موثوقة في تدبير الشأن الديني، خاصة في سياق إقليمي ودولي تتكاثر فيه مظاهر الغلو والتطرف.

 

لقد شكّلت الزوايا الصوفية، وعلى رأسها الزاوية القادرية، عبر التاريخ، ركيزة أساسية في بناء العلاقات الروحية بين المغرب وإفريقيا، وأسهمت في نشر الإسلام السلمي، وترسيخ قيم التعايش، وبناء الإنسان قبل العمران. ويأتي هذا اللقاء في مداغ ليؤكد استمرارية هذا الدور، وليبعث برسالة واضحة مفادها أن الروابط الروحية الصادقة قادرة على الصمود والتجدد، مهما تغيرت السياقات السياسية أو الاجتماعية.

 

وخلاصة القول، فإن حضور السيد الفاتح قريب الله كبر إلى مداغ ولقاءه بالشيخ مولاي معاذ القادري بودشيش، في الذكرى التاسعة لرحيل سيدي حمزة، يشكّل حدثًا ذا أبعاد روحية وتاريخية واستراتيجية. إنه تجسيد حي لوحدة المرجعية الدينية، واستمرار لسلسلة من العلاقات الروحية الراسخة، التي تجعل من المغرب، بقيادة إمارة المؤمنين، قلبًا نابضًا للتصوف السني المعتدل، وجسرًا متينًا للتواصل الروحي مع إفريقيا، في خدمة الإسلام وقيمه الإنسانية الرفيعة.

 

1