من المؤلم في هذه الأيام أن نرى بعض المنتسبين إلى السلفية المعاصرة يطلقون أحكامًا قاطعة في حق والدي النبي ﷺ، فيزعمون أنّهما ماتا على الكفر وأن مصيرهما النار، دون اعتبار لمقام النبوة، ولا لمقاصد الشريعة، ولا لمنهج أهل العلم في الجمع بين النصوص وفهمها في سياقها العام . وإنّ هذا الخطاب، مهما تزيّا بلباس “الدليل”، لا ينسجم مع روح القرآن، ولا مع هدي الرسول ﷺ، ولا مع مقاصد الإسلام القائمة على الرحمة والعدل والتعظيم لمقام النبي الأكرم عليه السلام .
لقد قرّر القرآن الكريم علوّ منزلة النبي ﷺ، وربط بين تعظيمه وتعظيم الدين، فقال تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ (سورة الشرح، الآية 4)، وقال سبحانه: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ (سورة الفتح، الآية 8). ومن رفع الذكر صيانة نسبه، وحفظ كرامة والديه، وعدم جعل سيرته مدخلًا للطعن أو الإساءة . كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ (سورة الأحزاب، الآية 57)، ولا شك أن الأذى يشمل كل ما يمسّ مقامه الشريف، مباشرة أو بطريق غير مباشر .
إنّ بعض المعاصرين اعتمدوا في موقفهم على أحاديث صحيحة في ظاهرها، دون اعتبار لبقية النصوص، ولا لأقوال العلماء، ولا لمقاصد الشرع، وتأثروا في ذلك بكلام بعض المتقدمين، وعلى رأسهم ابن تيمية، الذي نفى صحة بعض الروايات، وبنى موقفه على أصل عدم التوبة بعد الموت . غير أن أقوال العلماء ليست وحيًا، ولا تمثل إجماع الأمة، بل هي اجتهادات تحتمل الصواب والخطأ، ويجب أن تُفهم في سياقها العلمي والتاريخي .
ومن الأصول الكبرى التي أغفلها هذا الاتجاه مبدأ “أهل الفترة”، الذي قرره القرآن بوضوح، فقال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (سورة الإسراء، الآية 15)، وقال سبحانه: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ﴾ (سورة النساء، الآية 165)، وقال جلّ وعلا: ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ ۖ فَقَدْ جَاءَكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ (سورة المائدة، الآية 19). وهذه الآيات تقرر أن العذاب مرتبط ببلوغ الرسالة، وأن من لم تبلغه دعوة صحيحة فهو معذور عند الله .
وقد أكد هذا المعنى الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في تفسيره أضواء البيان، حيث بيّن أن ظاهر القرآن يدل على أن الله لا يعذب أحدًا إلا بعد الإنذار والإعذار. ووالدا النبي ﷺ عاشا في زمن انقطاع الوحي، وبعد عيسى عليه السلام، وقبل بعثة محمد ﷺ، ولم تثبت في حقهما دعوة نبي، فيدخلان في حكم أهل الفترة، والأصل فيهم العذر والنجاة، لا الجزم بالعذاب .
ومن جهة أخرى، ذهب جمع من العلماء إلى أن آباء النبي ﷺ كانوا موحدين، ومن أبرزهم الإمام فخر الدين الرازي، الذي استدل بقوله تعالى: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ (سورة الشعراء، الآيتان 218-219)، أي انتقاله في أصلاب الموحدين. كما استدلوا بقوله ﷺ: «لم أزل أُنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات»، وبقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (سورة التوبة، الآية 28)، فدلّ ذلك على أن أصله الشريف منزه عن الشرك .
أما والدته آمنة بنت وهب رضي الله عنها، فقد نقلت الأخبار أنها أوصت ابنها بالتوحيد ونهته عن عبادة الأصنام، وهو ما يدل على إيمانها . وقد علّق الإمام جلال الدين السيوطي على هذه الروايات بأنها صريحة في الدلالة على توحيدها، وأنها كانت على ملة إبراهيم عليه السلام . وهذا ينسجم مع قوله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (سورة الأنعام، الآية 124)، إذ من تمام الحكمة الإلهية أن يختار الله لرسوله بيئة طاهرة وأصلًا كريمًا .
أما الأحاديث التي استدل بها بعضهم، فلا يجوز فهمها بمعزل عن القواعد الكلية لأهل السنة، ومن ذلك الجمع بين النصوص، وردّ المتشابه إلى المحكم، والنظر في المقاصد . وقد ذكر العلماء احتمالات متعددة في فهم حديث «إن أبي وأباك في النار»، منها الخصوص، أو أنه قيل قبل بيان حكم أهل الفترة، أو أن المقصود غير الوالد الحقيقي، أو أنه من المتشابه الذي لا يُبنى عليه حكم قطعي في العقائد . كما أن منع الاستغفار لا يدل بالضرورة على العذاب، بل على الالتزام بأدب القضاء الإلهي .
وعند النظر المقاصدي، نجد أن الشريعة تهدف في هذه القضية إلى جملة من المعاني العظمى، في مقدمتها حفظ مقام النبوة، وصيانة جناب الرسول ﷺ من كل ما يؤذيه، وحفظ وحدة الأمة من الفتن، ونشر روح الرحمة، وسدّ ذرائع الطعن والتشكيك . قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (سورة الأنبياء، الآية 107)، وقال سبحانه: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (سورة الكهف، الآية 49). فكيف يُتصوّر، في ضوء هذه المعاني، أن يُجزم بعذاب أبوي خاتم الأنبياء دون دليل قطعي صريح؟ .
ثم إن النصوص الكثيرة دلت على شرف نسبه ﷺ واصطفاء الله له، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ﴾ (سورة آل عمران، الآية 33)، وقال النبي ﷺ: «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل…». وهذا الاصطفاء يشمل النسب والبيئة والأسرة، ولا يليق بحكمة الله أن يجعل خاتم رسله من أبوين معذّبين في النار.
إنّ الجزم بتكفير والدي النبي ﷺ دون دليل قطعي مخالف لمنهج السلف الحقيقي، ومصادم لمقاصد الشريعة، ومؤذٍ لمشاعر المسلمين، ومثير للفرقة والخصومة . قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ (سورة النحل، الآية 125)، وليس من الحكمة فتح ملفات لا يترتب عليها عمل صالح، ولا مصلحة شرعية، بل تجلب الشقاق والاضطراب .
إنّ قضية والدي النبي ﷺ يجب أن تُفهم في ضوء القرآن، والسنة، ومقاصد الشريعة، وأقوال العلماء، لا بمنطق التجزئة والتشدد . والراجح فقهاً ومقاصداً أن والدي النبي ﷺ إما من أهل الفترة المعذورين، أو من الموحدين، ولا دليل قطعي على تعذيبهما، والجزم بمصيرهما يخالف الأدب مع مقام النبوة .
وفي الختام، فإن الواجب على العلماء والدعاة أن يحفظوا لرسول الله ﷺ حرمته، وأن يصونوا مقامه من كل إساءة، وأن يوجّهوا الأمة إلى ما يجمعها لا ما يفرقها، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا﴾ (سورة الأحزاب، الآية 57) .
الصادق أحمد العثماني
أمين عام رابطة علماء المسلمين بأمريكا اللاتينية