jeudi 12 février 2026
كتاب الرأي

زهير حميدوش: الملاحظة الإدارية بين المواكبة والوصاية المقنّعة.. مساءلة حدود التدبير الحر داخل الفضاء التداولي الترابي

زهير حميدوش: الملاحظة الإدارية بين المواكبة والوصاية المقنّعة.. مساءلة حدود التدبير الحر داخل الفضاء التداولي الترابي زهير حميدوش

يأتي تسليط الضوء على هذه الإشكالية انطلاقا من مسلمة مفادها أن المناسبة شرط، وأن الوقائع العملية كثيرا ما تكشف حدود النصوص القانونية وتعري فجواتها التطبيقية. فبمناسبة انعقاد دورة أحد مجالس الجماعات التابعة للنفوذ الترابي لعمالة المحمدية، وما رافقها من تدخل ممثل السلطة المحلية لإبداء ملاحظات بشأن نقطة من نقاط جدول الأعمال، برزت إلى الواجهة أسئلة لا تقف عند حدود الواقعة الظرفية، بل تمتد إلى البنية العميقة للعلاقة بين الدولة المركزية والفضاء التداولي الترابي.

 

وبصرف النظر عن الملابسات الخاصة لهذه الواقعة، فإنها تُشكل مدخلا كاشفا لإعادة مساءلة طبيعة الملاحظات الإدارية وحدودها وآثارها على مبدأ التدبير الحر، ولتفكيك المسافة الدقيقة بين المواكبة الإدارية المشروعة التي يجيزها القانون، وبين التدخل السلطوي الذي قد ينزلق إلى توجيه سياسي داخل مؤسسة منتخبة يُفترض، دستوريا، أنها مستقلة في مجال تدبيرها شؤونها وفقا لمقتضيات الدستور واجتهادات القضاء الدستوري، ولا سيما قرار المجلس الدستوري رقم 953/15.

 

يشكل القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات إحدى الركائز التشريعية للتحول الدستوري الذي استُهل بدستور 2011 نحو توسيع نطاق اللامركزية وتعزيز مبدأ التدبير الحر للجماعات الترابية. غير أن هذا التحول لم يُؤسس قطيعة جذرية مع تقنيات الضبط الإداري التقليدية، بل أعاد إنتاج بعضها في صيغ أكثر مرونة وأقل صدامية، من بينها تخويل العامل أو من يمثله إمكانية حضور دورات المجالس الجماعية وإبداء ملاحظات بشأن نقط جدول الأعمال. وتثير هذه الإمكانية إشكاليات دقيقة تتصل بطبيعتها القانونية وحدودها الدستورية وآثارها العملية على استقلالية القرار التدبيري الترابي، خاصة حين تكشف الممارسة عن تدخلات تتجاوز منطق المواكبة القانونية إلى منطق التوجيه أو معارضة سياسية بلُبوس إداري داخل الفضاء التداولي الترابي.

 

ومن حيث المبدأ، يندرج حضور العامل أو من يمثله وإبداء الملاحظات، استنادا إلى المادة 33 من القانون التنظيمي المومأ إليه، ضمن آليات المواكبة الإدارية التي يُفترض أن تروم ضمان احترام المشروعية وتفادي إنتاج مُقررات مَعيبة، دون أن ترقى إلى مستوى القرار الإداري أو التوجيه الملزم. فالملاحظة، من منظور مفاهيمي صارم، ليست سوى رأي قانوني أو تقني غير تقريري، يختلف جوهريا عن التوجيه الرئاسي الملزم وعن الوصاية الإدارية التقليدية ذات الطابع التقريري. وهي، بهذا المعنى، أقرب إلى إنذار قانوني وقائي يُمارَس قبل إنتاج المقرر التداولي، بما يجعلها شكلا من أشكال الرقابة القبلية غير التقريرية.

 

غير أن المشرّع لجأ إلى صياغة فضفاضة حين خول للعامل أو من يمثله “إبداء ملاحظات” دون تحديد ماهوي لطبيعة هذه الملاحظات أو نطاقها الموضوعي أو حدودها الوظيفية. فهذا الغموض المفاهيمي يمنح هذه الآلية طابعا مطاطيا يسمح بتعدد التأويلات ويجعل مداها رهينا بتقدير الفاعل الإداري ذاته وبثقافته المؤسساتية وتمثله لوظيفته داخل النسق الإداري. وهو ما يفتح المجال أمام تفاوت كبير في الممارسة، يتراوح بين مقاربة قانونية مواكِبة تحترم روح التدبير الحر، ومقاربة تدخلية سلطوية تميل إلى التوجيه أو المعارضة داخل فضاء يفترض أن يكون تداوليا على المستوى الترابي. وهنا يتحول النص القانوني إلى إطار شكلي يُختبر أمام واقع الذهنيات الإدارية، بما يكشف محدودية الحياد التشريعي أمام ثقل الثقافة المركزية.

 

ويستمد هذا التكييف أساسه من مبدأ التدبير الحر الذي يقتضي تمتع الجماعات الترابية باستقلالية حقيقية في اتخاذ مقرراتها التدبيرية والسياسية، مع خضوعها لرقابة المشروعية في الحدود التي يقررها القانون صراحة. وعلى هذا الأساس، فإن ملاحظات العامل أو من يمثله لا توقف التداول، ولا تقيد سلطة المجلس في المناقشة والتصويت، ولا تشكل في حد ذاتها سندا قانونيا لتعطيل المسطرة التداولية أو تعليق مخرجاتها. غير أن هذا الطابع غير الملزم شكليا لا ينفي ما لهذه الملاحظات من أثر قانوني ومؤسساتي غير مباشر، إذ قد تتحول إلى مرجعية تفسيرية أو إلى معطى احترازي يؤثر في سلوك أعضاء المجلس، أو يُستدعى لاحقا لتبرير تدخل رقابي أو طعن في المشروعية، بما يجعلها آلية تأثير ناعمة وقوة رمزية في العملية التداولية دون أن ترقى إلى مستوى القرار الملزم قانونا.

 

ومن حيث الكيفية، "امتنع" القانون التنظيمي عن وضع شكل إجرائي محدد لإبداء الملاحظات، ما جعلها قابلة لأن تُمارَس شفويا أثناء انعقاد الدورة أو عبر مراسلات لاحقة. هذا الفراغ الإجرائي لا يمس فقط متطلبات الشفافية، بل يحول الملاحظات إلى تدخلات غير قابلة للتتبع والتقويم المؤسسي، بما يفتح المجال أمام انزلاقات سلطوية غير مؤطرة ويقوض إمكانية مساءلة الفاعل الإداري عن حدود تدخله.

 

وتكشف الممارسة العملية عن حالات تتجاوز الإطار القانوني، واللياقة الواجبة، حيث يُسجل تدخل بعض العمال أو ممثلي السلطة الإدارية بأساليب تتسم بالعنف اللفظي أو التوجيه الصارم أو المعارضة الصريحة لمقترحات المجلس، بما يحول الملاحظة من آلية مواكبة قانونية إلى أداة تأثير سياسي مباشر داخل فضاء تداولي يفترض أن يجسد إرادة المجالس المنتخبة. ويطرح هذا الانزلاق سؤالا دستوريا جوهريا حول الحدود الدقيقة لتدخل السلطة المركزية في الفضاء التداولي الترابي، وحول مدى احترام مبدأ التدبير الحر عندما تتحول الملاحظات إلى ضغط سياسي أو تعليمات مقنّعة.

 

فقهيا، يمكن توصيف هذه الملاحظات ضمن ما يسمى بالوصاية اللينة أو الرقابة الناعمة، أي آليات غير تقريرية لكنها ذات أثر بنيوي في توجيه السلوك التدبيري للمجالس الجماعية. غير أن مشروعيتها الدستورية تبقى رهينة باحترام ضوابط صارمة، تتمثل في حصر الملاحظات في الجانب القانوني والتقني، والامتناع عن التدخل في تقدير الملاءمة السياسية أو الاختيارات التدبيرية، وضمان توثيق الملاحظات بما يسمح برقابتها لاحقا. وكل انحراف عن هذه الضوابط لا يمثل مجرد تجاوز إداري، بل إعادة إنتاج لمنطق المركزية الإدارية في ثوب لامركزي صوري، يقوض التوازن الذي سعى الدستور إلى إرسائه بين وحدة الدولة واستقلال الجماعات الترابية.

 

وبالنتيجة، فإن ملاحظات العامل خلال دورات المجالس الجماعية ليست مجرد إجراء شكلي ولا هي وصاية تقليدية صريحة، بل تمثل آلية دقيقة في هندسة التوازن بين المشروعية والتدبير الحر. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في النصوص القانونية، بل في ثقافة الممارسة وحدود السلطة داخل الفضاء التداولي الترابي، حيث يتعين أن تظل الملاحظة إخطارا قانونيا وقائيا لا وسيلة توجيه سياسي، وإلا تحولت اللامركزية إلى خطاب دستوري بلا مضمون فعلي، وأُفرغ مبدأ التدبير الحر من محتواه التداولي والسياسي.