dimanche 8 février 2026
اقتصاد

إدريس الفينة: الجباية المحلية والتحصيل.. الورش الكبير للدولة

إدريس الفينة: الجباية المحلية والتحصيل.. الورش الكبير للدولة عبد الوافي لفتيت، وزير الداخلية

منذ ما يقارب خمس سنوات، يخوض المغرب ورشًا عميقًا لإصلاح الجباية المحلية ونظام تحصيل مداخيل الجماعات الترابية. هذا النظام، الذي ظل لفترة طويلة مجزأً وضعيف الوضوح، ويعاني من هشاشة مزمنة في التحصيل، أصبح اليوم موضوع إعادة هيكلة قانونية ومؤسساتية وعملياتية واسعة النطاق، تقودها أساسًا وزارة الداخلية بتنسيق مع وزارة الاقتصاد والمالية. ووراء النصوص التقنية، يبرز رهان استراتيجي يتعلق بحكامة المجال الترابي وباستدامة المالية المحلية.

ينطلق هذا الإصلاح من تشخيص متكرر، موثق خصوصًا من طرف المجلس الأعلى للحسابات، يتمثل في الحجم المرتفع لبقايا الاستخلاص، وتشتت المتدخلين، وارتفاع كلفة التدبير أحيانًا إلى مستويات تفوق مردودية بعض الرسوم المحلية. كما أظهر الإطار القانوني الموروث عن القانون رقم 47-06، رغم طابعه التأسيسي، محدوديته أمام اتساع اختصاصات الجماعات الترابية والحاجة إلى تعزيز استقلاليتها المالية.

وجاء القانون رقم 07-20، الصادر في نهاية سنة 2020، ليشكل أول قطيعة في هذا المسار. إذ أدخل آليات لترشيد التحصيل، من بينها رفع الحد الأدنى لإصدار الرسوم إلى 200 درهم، والإلغاء التلقائي للديون المحلية ذات المبالغ الضعيفة، مع الإعفاء المشروط من الغرامات والزيادات. وكان الهدف واضحًا: تنقية محافظ الديون، خفض التكاليف الإدارية، وتركيز الجهد العمومي على الموارد ذات المردودية الحقيقية. كما وضع هذا القانون الأسس القانونية للتصريح الإلكتروني والأداء عن بُعد للرسوم المحلية، فاتحًا المجال أمام تحديث رقمي شامل للمنظومة.

وقد تجسدت هذه التوجهات عبر المرسوم رقم 2-22-176 الصادر في مارس 2022، الذي يؤطر إيداع التصريحات إلكترونيًا وأداء الرسوم المستحقة للجماعات الترابية عبر الإنترنت. كما نظمت دورية مشتركة لوزارة الداخلية ووزارة المالية، صدرت نهاية سنة 2022، ولوج الملزمين إلى منصة وطنية للخدمات الجبائية المحلية عن بُعد، تم تعميمها ابتداءً من سنة 2023. ولأول مرة، تدخل فئات واسعة من الجباية المحلية عصر الرقمنة، بما يُنتظر أن يحققه ذلك من تحسين للتتبع والشفافية وتقليص الآجال.

أما المرحلة الثانية من الإصلاح، والأكثر هيكلية، فقد حملها القانون رقم 14-25 الصادر في يونيو 2025. إذ أعاد هذا النص تشكيل البنية المؤسساتية للتحصيل بشكل عميق، من خلال إسناد تدبير رسم السكن ورسم الخدمات الجماعية إلى الإدارة الجبائية للدولة، ممثلة في المديرية العامة للضرائب، مع إحداث قابضين جماعيين يُعيَّنون بقرار مشترك لوزارتي الداخلية والمالية لتولي تحصيل باقي الرسوم المحلية. وقد أنهى هذا التوضيح حالة تداخل الاختصاصات بين المصالح الجماعية والخزينة العامة للمملكة والإدارة الجبائية، والتي كانت مصدر اختلالات ونزاعات متعددة.

كما نص القانون 14-25 على آليات انتقالية صارمة لنقل الملفات والديون والنزاعات الجارية، تحت إشراف الولاة والعمال. وأعاد تعريف نظام الرسم على الأراضي الحضرية غير المبنية، من خلال إدخال مبدأ التدرج حسب مستوى تجهيز المناطق، مع تأكيد عتبة عدم الإصدار في 200 درهم. وهنا أيضًا، تقوم الفلسفة على جباية أكثر استهدافًا ووضوحًا وفعالية.

هذا الورش، الذي تقوده إلى حد كبير المديرية العامة للجماعات الترابية بوزارة الداخلية، لا يقتصر على إصلاح جبائي بالمعنى الضيق. بل يندرج ضمن رؤية أوسع لتحديث الدولة الترابية، حيث تصبح قدرة الجماعات، على اختلاف مستوياتها، على تمويل اختصاصاتها رافعة مركزية لإنجاح الجهوية المتقدمة. وفي الخلفية، يهدف الإصلاح إلى تعزيز المصداقية المالية للجماعات، وتحسين جودة الإنفاق المحلي، وتقليص الاعتماد على تحويلات الدولة.

ويبقى التحدي الأكبر هو حسن التنفيذ. فالنصوص القانونية متوفرة، والهندسة المؤسسية أعيد رسمها، غير أن نجاح الإصلاح سيظل رهينًا بتأهيل الفاعلين الجدد في مجال التحصيل، وبقابلية أنظمة المعلومات للتكامل، وبالقدرة على مواكبة الملزمين في هذا التحول الجذري. وفي هذا السياق، تعكس التوجيهات الصارمة التي وجهها وزير الداخلية إلى الولاة والعمال لتسريع تنزيل الإصلاح، الأهمية الاستراتيجية التي توليها الدولة لهذا الورش.

إن إصلاح الجباية المحلية ونظام التحصيل يُعد أحد أكثر روافع الحكامة العمومية المغربية تأثيرًا في أفق 2030. فهو يحدد، أكثر مما قد يبدو، قدرة المجالات الترابية على حمل التنمية، وإنجاز الاستثمار، وتقديم خدمات عمومية قريبة وفعالة للمواطنين.