dimanche 8 février 2026
مجتمع

حين تصبح السياسة مساحة امتنان… دروس أخنوش الإنسانية في لحظة انتقال هادئة

حين تصبح السياسة مساحة امتنان… دروس أخنوش الإنسانية في لحظة انتقال هادئة عزيز أخنوش

لم يكن المؤتمر الوطني الاستثنائي لحزب التجمع الوطني للأحرار المنعقد، السبت 8 فبراير 2026 بمدينة الجديدة مجرد محطة لتجديد القيادة، بل بدا، في جوهره، لحظة إنسانية كثيفة أعادت الاعتبار لمعنى الامتنان داخل العمل الحزبي. 
ففي قاعة غلبت عليها حرارة المشاعر، بدا واضحا أن السياسة، حين تُمارس بقيم واضحة، تستطيع أن تخلق روابط تتجاوز لغة المواقع واللوائح.
في تلك اللحظة، لم يكن قرار عزيز أخنوش مغادرة قيادة الحزب بعد سنوات من التدبير مجرد إجراء تنظيمي، بل رسالة أخلاقية مفادها أن المسؤولية ليست امتيازا دائما، بل أمانة تُسلَّم في الوقت المناسب. 
اتخاذ أخنوش احترام القانون الداخلي للحزب بعدم الترشح لولاية ثالثة في لحظة استقرار، لا في زمن أزمة، حملت دلالة إنسانية عميقة: الشجاعة السياسية لا تقاس بالبقاء، بل بالقدرة على ترك المكان أفضل مما كان.
أجواء المؤتمر كشفت أيضا أن الانتماء الحزبي يمكن أن يكون علاقة وجدانية صادقة، لا مجرد التزام تنظيمي. تفاعل المناضلين مع قيادتهم، وما رافقه من عفوية وتقدير متبادل، عكس صورة تنظيم يعيش على نبض أعضائه، ويؤمن بأن القرب من القواعد ليس واجبا بروتوكوليا، بل جوهر الممارسة السياسية. هنا، بدت السياسة أقرب إلى مساحة لقاء إنساني منها إلى منصة خطاب رسمي.
وفي خطاب الوداع، أعاد أخنوش صياغة تجربته بمنطق بسيط وواضح: معركة العمل العمومي ليست مع الأشخاص، بل مع الاختلالات الاجتماعية التي تثقل كاهل المواطنين. هذا التذكير أعاد النقاش إلى جوهر السياسة باعتبارها خدمة، لا صراعا دائما، ومسؤولية تقاس بمدى قدرتها على تحسين شروط العيش، لا بعدد الخطب أو المواقع.
اللافت أن لحظة الاعتراف لم تتوقف عند شخص القائد، بل امتدت لتشمل الأسرة وفريق العمل وكل من تحمل كلفة الالتزام العمومي. هذا البعد أعاد الاعتبار لفكرة غالبا ما تُنسى: أن السياسة، رغم طابعها المؤسسي، تُمارَس بتضحيات إنسانية حقيقية يتقاسمها محيط واسع لا يظهر دائما في الواجهة.
تسليم المشعل في أجواء هادئة، خالية من التوتر أو الاصطفاف الحاد، منح المؤتمر معنى إضافيا: الانتقال القيادي يمكن أن يكون لحظة بناء، لا لحظة قطيعة. فحين تتقدم المؤسسة بثقة نحو المستقبل، يصبح التغيير امتدادا طبيعيا لمسار قائم، لا انقلابا عليه.
في المحصلة، لم يكن مؤتمر الجديدة حدثا تنظيميا عاديا، بل لحظة أكدت أن العمل الحزبي، حين يُؤسَّس على قيم الوفاء والتداول والاعتراف، يستطيع أن يستعيد بُعده الإنساني. هناك، حيث امتزج التصفيق بالامتنان، بدا واضحا أن السياسة لا تفقد معناها حين تتجدد، بل تكسب شرعية أعمق لأنها تختار أن تبقى وفية لجوهرها: خدمة الناس بثقة، وتسليم المسؤولية بأخلاق.