samedi 31 janvier 2026
كتاب الرأي

عبد الرزاق الجباري: القصر الكبير.. مدينة فوق مدينة؟!

عبد الرزاق الجباري: القصر الكبير..  مدينة فوق مدينة؟! عبد الرزاق الجباري

تُعدّ مدينة القصر الكبير، الواقعة بشمال المغرب، من أقدم المدن المغربية، إذ أثبتت الدراسات الأركيولوجية أن الوجود الحضاري بها يعود إلى العصر الفينيقي، أي قبل الميلاد بنحو اثني عشر قرنًا.
 

وعقب الحضور الفينيقي، خضعت المدينة للنفوذ القرطاجي، قبل أن تبسط الإمبراطورية الرومانية سيطرتها عليها، لتغدو مدينة رومانية بامتياز، عُرفت آنذاك باسم "أوبيدوم نوفوم" (Oppidum Novum)، أي القلعة الجديدة.
 

ومما تواتر به الخبر، وتدعمه الشواهد الأثرية، أن جزءا كبيرا من هذه المدينة الرومانية قد اندثر بفعل تغير مجرى نهر لوكوس وارتفاع منسوبه، فطُمست معالمه، وبُنيت على أنقاضه مدينة أخرى عُرفت لاحقا بقصر "عبد الكريم الكتامي" أو "قصر كتامة"، قبل أن يستقر اسمها على القصر الكبير. وتعضد هذا الطرحَ عدةُ قرائن، من أبرزها:
 

1- اكتشاف آثار قديمة تحت الأرض تعود إلى العصرين الفينيقي والروماني بمحيط مجرى نهر لوكوس، ولا سيما بمنطقة دار الدباغ الحالية، وتتمثل في قطع فخارية ورخامية، إضافة إلى عملات نقدية قديمة.
2- العثور على نقائش مكتوبة باللاتينية بالقرب من نفس الموقع، خاصة تلك التي استُعمل بعضها في صومعة الجامع الأعظم الذي أسسه المرينيون.
3- رجحان كون أصل مبنى الجامع الأعظم رومانيا؛ ويؤكد ذلك اكتشاف ما يُشبه "المطفية" تحته خلال أشغال الترميم في ثمانينيات القرن الماضي، وهي بنية معمارية تبلغ مساحتها نحو 70 مترا مربعا، وتتخذ شكل أقواس مرتفعة تقارب أربعة أمتار، فضلا عن وجود نقائش رومانية أخرى، وهي خصائص تنسجم مع تقنيات البناء الروماني.
4- تموقع الجامع الأعظم، باعتباره أقدم معلمة تاريخية بالمدينة، في أطراف النسيج العمراني الحالي، على ضفة وادي لوكوس، وبالجهة الغربية منه، وهو ما يتعارض مع المنطق العمراني السائد عبر مختلف الحضارات، حيث تقام المراكز الدينية والاجتماعية الكبرى في قلب المدن لا على هوامشها، مما يرجح كونه جزءا من مدينة "أوبيدوم نوفوم" التي جرفها النهر.
5- اكتشاف بقايا أسوار رومانية، وأقواس، وأزقة داخل مجرى نهر لوكوس أو بمحيطه غير المأهول، في نطاق المدينة الحالية أو قريبا منها.
 

وتأسيسا على ما سبق، يمكن القول إن جزءا مهما من المدينة القديمة للقصر الكبير قد أُقيم فوق مدينة أقدم منها، طمس نهر لوكوس معالمها الكبرى، ولم يبق منها سوى موقع الجامع الأعظم وما يجاوره من حي باب الواد، باعتباره الجزء المحاذي للنهر. أما حي باب الشريعة، فرغم كونه من مكونات المدينة القديمة، فقد نشأ نتيجة التوسع العمراني الذي عرفته المدينة خلال القرن 12 الميلادي، قبل أن ينشأ حي باب سبتة الذي بني خلال القرن 16 الميلادي.