lundi 26 janvier 2026
كتاب الرأي

محمد بوبوش: السيادة الوظيفية بين نموذج غرينلاند والقرار الأممي 2797

محمد بوبوش: السيادة الوظيفية بين نموذج غرينلاند والقرار الأممي 2797 محمد بوبوش

يعرف في المشهد الدولي الراهن بوادر تحول جيوسياسي نحو ما يمكن تسميته بـ "السيادة المرنة"، وهو ما يظهر بوضوح عند المقارنة بين المقترح الأمريكي الذي يتضمن الخطوط العريضة لاتفاقيات محتملة بشأن غرينلاند.ومسار قضية الصحراء عقب صدور القرار 2797؛ فكلا الحالتين تعكسان محاولة لتجاوز الجمود القانوني عبر صياغات مبتكرة.

عناصر الاتفاق المتوصل إليه نوقشت سابقا في واشنطن خلال اجتماع وفد دنماركي مع نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو، وشملت تشكيل مجموعة عمل لمعالجة المخاوف الأمنية الأميركية، إضافة إلى تحديث اتفاقية عام 1951 التي تمنح الجيش الأميركي هامشا واسعاً للدفاع عن غرينلاند في إطار حلف شمال الأطلسي.

ستتحكم الولايات المتحدة في أجزاء من غرينلاند من خلال تخصيصها كمناطق قاعدة ذات سيادة بموجب شروط اتفاق مقترح تم الاتفاق عليه في دافوس. بموجب الاتفاق، الذي يحاكي اتفاق بريطانيا مع قبرص، ستعتبر القواعد الأمريكية على الجزيرة القطبية أراضٍ أمريكية. سيسمح ذلك للولايات المتحدة بتنفيذ عمليات عسكرية واستخباراتية، بالإضافة إلى التدريب، بينما يسهل أيضًا بعض التنمية المحلية، بما في ذلك تعدين العناصر الأرضية النادرة. تم الاتفاق على الإطار بين دونالد ترامب ومارك روته، الأمين العام لحلف شمال الأطلسي في 21 يناير 2026 وسيساعد على تخفيف مخاوف الدنمارك من أن الولايات المتحدة تستعد لضم المنطقة شبه المستقلة.

ورغم حماس ترامب للاتفاق، فإن ما تم التوصل إليه لا يزال إطارا عاما، مع بقاء الكثير من التفاصيل قيد البحث. وأكدت رئيسة الوزراء الدنماركية "ميته فريدريكسن" أن "مارك روته" لا يملك تفويضاً لتفاوض نيابة عن بلادها، مشددة على أن التنازل عن أي أراضٍ للولايات المتحدة "غير قابل للنقاش".

 

1.  التواجد الدنماركي في غرينلاند: الأبعاد التاريخية والرمزية

تُصنف جزيرة غرينلاند كإحدى أبرز المستعمرات التاريخية التابعة للسيادة الدنماركية منذ عام 1721؛ وهي الحقبة التي دُشنت ببعثة المستكشف والمبشر الدنماركي "هانس أجد" (Hans Egede)، مؤذنةً ببدء العصر الاستعماري في الجزيرة.

ولا يزال تمثال "أجد" قائماً حتى اليوم على إحدى القمم المرتفعة بالعاصمة "نوك"، إلا أن دلالته الرمزية تشهد انقساماً سوسيولوجياً؛ فبينما يمثل حقبة تاريخية محددة، ينظر إليه قطاع واسع من السكان الأصليين  (الإنويت)  باعتباره رمزاً لسياسات الهيمنة التي أدت إلى انحسار وتهميش تقاليدهم الموروثة ونظامهم الثقافي الأصيل.

وفي النصف الثاني من القرن 19 بدأت منظمات  محلية وحكومية تستقر في الجزيرة كمستشاري المجالس المنتخبين وكذلك مجلسان أحدهما للشمال والآخر للجنوب، وتم إدماج المجلسين في مجلس واحد عام 1960 وأصبحت الجزيرة جزء لا يتجزأ من الدانمرك طبقا للدستور الجديد، وقد وافقت الجمعية العامة للأمم المتحدة على هذا الضم في عام 1954، وذلك بعد موافقة ممثلي "جرينلاند" على الدستور المعدل الذي أقر الإلحاق، وأعقب ذلك قيام الحكومة الدنماركية بتطبيق خطة شاملة للتنمية تتناسب والوضع الجديد للجزيرة الذي أقره ممثلوها، والدنماركيون على حد سواء.

 

2.الحكم الذاتي لغرينلاند:

   حصلت "غرينلاند" على مطلبها في الحكم الذاتي عقب الاستفتاء الذي أجري في يناير 1979، ودخل حيز التنفيذ في مايو 1979. غير أن غرينلاند صوتت لمصلحة زيادة الحكم الذاتي في نوفمبر 2008، وحصلت على مسؤولية أكبر عن الشؤون الداخلية عندما تم توقيع قانون الحكم الذاتي لغرينلاند ليصبح قانونًا في يونيو 2009 في استفتاء شعبي.

وبموجب الاتفاقية يتمتع كل غرينلاندي بحقوق متساوية مع جميع الدنماركيين الآخرين، وتحتفظ مملكة الدنمارك بالسيطرة على الشؤون الدستورية للجزيرة والعلاقات الخارجية والدفاع والإشراف على المسائل المالية، بينما تظل السلطة القضائية والتنمية الاقتصادية واللوائح البلدية والضرائب والتعليم ونظام الرعاية الاجتماعية والشؤون الثقافية وكنيسة الدولة، تابع للحكم المحلي، كما احتفظت جرينلاند بنسبة أكبر من عائدات النفط والمعادن، كذلك أدارت جميع الشؤون الداخلية تقريبًا، بما في ذلك العدالة الجنائية، وحلت اللغة الجرينلاندية محل اللغة الدنماركية كلغة رسمية للحكومة. وفي عام 2024، أصدرت غرينلاند استراتيجيتها الخارجية والدفاعية والأمنية للفترة 2024-2033، بعنوان "غرينلاند في العالم - لا شيء يخصنا دون مشاركتنا".

انضمت الجزيرة إلى الجماعة الأوروبية في عام 1973 عن طريق الدنمارك، لكنها انسحبت منها في عام 1985 بعد الحكم الذاتي. وتحمل الآن وضع إقليم تابع للاتحاد ‍الأوروبي في الخارج، وتحتفظ بترتيب خاص بمصائد الأسماك.

 

3. من السيادة المطلقة إلى السيادة الواقعية  

يتقاطع مقترح "مناطق القواعد السيادية" المتوافق حوله بين واشنطن وحلف شمال الأطلسي في غرينلاند مع جوهر القرار 2797 في اعتمادهما مبدأ "الواقعية السياسية" كمرجعية للحل؛ فبينما يسعى مقترح غرينلاند للفصل بين السيادة العسكرية (لواشنطن) والسيادة الاسمية (لمملكة الدنمارك) لتجنب الصدام الدبلوماسي، أحدث قرار مجلس الأمن رقم 2797 المعتمد في 31 أكتوبر 2025 تحولاً نوعياً في اللغة القانونية لمجلس الأمن عبر تكريس مبادرة الحكم الذاتي المغربية لسنة 2007 كـ "إطار مرجعي وحيد للتفاوض" "جاد وذي مصداقية" والحل "الأكثر واقعية". هذا التوجه يمثل في الحالتين انتقالاً من الطموحات المثالية (مثل الضم الكلي أو الاستقلال التام) إلى صيغ قانونية مرنة تضمن الاستقرار الجيوسياسي.

 

4. توزيع الصلاحيات والولاية القضائية

تظهر المقارنة بين النموذجين تبايناً جوهرياً في مسألة توزيع السلطات:

في نموذج غرينلاند: يهدف المقترح إلى انتزاع ولاية قضائية وعسكرية كاملة داخل "جيوب سيادية"، مما يخلق نظاماً قانونياً مزدوجاً داخل الإقليم الواحد. وبموجب هذا الإطار، تُعامل القواعد العسكرية الأمريكية كأراضٍ تخضع للسيادة القانونية للولايات المتحدة داخل المنطقة القطبية، مما يمنح واشنطن استقلالية عملياتية كاملة في مجالات الاستخبارات، والتدريب، والعمليات العسكرية بمعزل عن السلطات الدنماركية.

ويأتي هذا التفاهم كصيغة بديلة تهدف إلى تبديد مخاوف كوبنهاغن من سيناريوهات الضم الكلي، مستلهمةً في ذلك النموذج البريطاني-القبرصي الذي يعد بمثابة صيغة تسوية ابتكارية (Creative work-around) تهدف إلى تلبية مطالب الإدارة الأمريكية بالاستحواذ على ملكية جزيرة غرينلاند، نظراً لأهميتها الاستراتيجية في منظومة الدفاع القومي. وبموجب هذا الإطار، تمنح الاتفاقية الولايات المتحدة حق السيادة على قواعد عسكرية محددة لأغراض استراتيجية، مع كفالة حقوق للمدنيين المحليين تماثل حقوقهم في سائر أراضي الجزيرة، على غرار وضع القواعد البريطانية في قبرص.

ورغم أن الولايات المتحدة تتمتع حالياً بـ "حرية عملياتية شاملة في المجالات الجوية والبرية والبحرية ضمن مناطق دفاعية محددة، إلا أن الإطار الجديد يتيح لها فرض سيطرة سيادية فعلية، مع إمكانية التمدد نحو المناطق الغنية بالموارد المعدنية الاستراتيجية.

أما فيما يتعلق بقضية الصحراء (وفق القرار 2797) فإن الحل المدعوم دولياً يرتكز على "الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية"، حيث يمارس السكان المحليون في جهة الصحراء صلاحيات تشريعية وتنفيذية واسعة لإدارة شؤونهم المحلية، مع بقاء الرموز السيادية (الدفاع، الخارجية، والعملة والعلم) مركزية بيد العاصمة دون تدخل خارجي أو مشاركة خارجية لسلطات الدولة، وهو اختصاص حصري معمول به في جميع أنظمة الحكم الذاتي المقارنة. هنا، تظل السيادة "وحدة واحدة" لكنها تدار بمستويات متعددة، على عكس نموذج القواعد الذي يجزئ السيادة جغرافياً.

 

5. البعد الاستراتيجي والموارد الطبيعية

ثمة تشابه في الدوافع الاقتصادية؛ فالمقترح الأمريكي في غرينلاند يركز بشكل صريح على تأمين المعادن النادرة والموقع القطبى لمواجهة التنامي المتزايد للنفوذ الروسي-الصيني في الفترة الأخيرة. وبالمثل، فإن تعزيز الزخم الدولي حول القرار 2797 والاعتراف المتزايد بمبادرة الحكم الذاتي يرتبط بكون المنطقة قطباً استراتيجياً واعدا على الواجهة الأطلسية، ومحوراً لمشاريع طاقوية وتجارية دولية ضخمة (مثل أنبوب الغاز نيجيريا-المغرب)، مما يجعل تأمين السيادة المستقرة مصلحة تتجاوز الأطراف المباشرة إلى القوى الدولية.

 

خلاصة المقارنة القانونية

 

وجه الاختلاف

نموذج القواعد السيادية (غرينلاند)

نموذج الحكم الذاتي (القرار 2797)

الهدف الأساسي

تأمين امتيازات عسكرية واقتصادية (انفصالية)

إنهاء نزاع إقليمي عبر دمج ديمقراطي (وحدوي)

طبيعة الحل

"جيوب سيادية" أجنبية داخل الدولة

"تدبير ذاتي" وطني في إطار الدولة

الشرعية الدولية

تفاهمات ثنائية/أطلسية (قيد التفاوض)

قرارات مجلس الأمن (القرار 2797 كمرجعية)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

خلاصة:

إن الربط بين "النموذج القبرصي" في الشمال (غرينلاند) و"نموذج الحكم الذاتي" في الجنوب يعكس ميل النظام الدولي نحو حلول تضمن مصالح القوى الكبرى (أمنياً واقتصادياً) دون الإخلال بالاستقرار الإقليمي. فبينما تمثل قواعد غرينلاند "نقاط ارتكاز سيادية"، يمثل الحكم الذاتي في الصحراء المغربية "إطاراً سيادياً تكاملياً"، وكلاهما يخدم استراتيجية تأمين الممرات البحرية والموارد في مواجهة التحديات العالمية الناشئة.

 د.محمد بوبوش، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة محمد الأول، وجدة، المغرب