أصدرت دار الإفتاء المصرية فتوى تقضي بعدم جواز الاعتماد الكلي على تطبيقات الذكاء الاصطناعي، مثل «شات جي بي تي»، في تفسير القرآن الكريم، مؤكدة ان "معاني كتاب الله لا تتلقى منها استقلالا وذلك صيانة للنص من الظن والتخمين، ومن ان ينسب اليه ما لم يثبت عن اهله، وقصرا للخوض في معانيه على من تحقق بادوات التفسير وضوابطه من المفسرين والفقهاء المعتبرين."
تبدو الفتوى منسجمة مع منطق الاحتياط العلمي، بل ويمكن قراءتها باعتبارها تفاعلا ايجابيا من مؤسسة دينية رسمية مع نازلة معاصرة ما تزال في طور التشكل، وتتحرك بسرعة تفوق قدرة كثير من الاطر التقليدية على الاستيعاب. فالانخراط في النقاش، بدل تجاهله، يحسب للمؤسسة، خصوصا في زمن باتت فيه التكنولوجيا تفرض اسئلتها على الجميع، دون استئذان.
ويبدو كذلك ان اهمية هذه الفتوى لا تكمن فقط في مضمونها، بل ايضا في سياقها وتوقيتها. فقد جرى تداولها على نطاق واسع في كبرى وسائل الاعلام الدولية، لا بوصفها خبرا فقهيا محليا، بل باعتبارها مؤشرا على كيفية تفاعل المرجعيات الدينية مع تحولات معرفية عميقة، يمثل الذكاء الاصطناعي احدث تجلياتها .
من الزاوية المعرفية، يقتضي النقاش قدرا من التمييز. فالذكاء الاصطناعي ليس عقلا، ولا مفسرا، ولا مجتهدا. هو، في جوهره، بنك ضخم للمعلومات، يخزن المعطيات، ويربط بينها، ويعيد استعمالها وفق خوارزميات احتمالية. لا يفهم النص، بل يعالج ما كتب عنه، ولا يستنبط الاحكام، بل يعيد تركيب المعارف المتاحة.
واللافت ان الذكاء الاصطناعي نفسه لا يدعي اليقين، ولا يقدم نتائجه باعتبارها حقيقة نهائية. بل يضع، في مجالات الطب والبحث العلمي وغيرها، تنبيها دائما بضرورة الرجوع الى اهل الاختصاص. وهو، الى ذلك، ما يزال في طور التعلم، ولم يستنفد امكانياته بعد. نحن، اذن، امام مسار تقني مفتوح، لا امام منظومة مكتملة.
من هنا يبرز سؤال مشروع:
هل كان المنع بصيغته القاطعة هو الخيار الوحيد؟ ام كان بالامكان التمييز بين الاعتماد الكلي، وهو محل رفض مفهوم، وبين الاستعمال المساعد، بوصفه اداة بحث، لا سلطة تفسير؟
هذا السؤال يعيدنا الى نقاش قديم، لكنه دال.
فمنذ سنوات، ثار جدل فقهي واسع حول عدم جواز اعداد تطبيقات الكترونية لتدبير مسائل الارث، بدعوى ان الموضوع شديد الحساسية، دقيق الحساب، وخطير الاثر، ولا يجوز ان يترك لالة او برنامج. قيل يومها ان في ذلك مساسا بروح الحكم الشرعي، وفتحا لباب الخطا.
اين نحن اليوم من ذلك التحفظ؟
اليوم، تستعمل هذه التطبيقات على نطاق واسع، بوصفها ادوات مساعدة، تسهل الحساب، وتقارب الاحتمالات، ثم يرجع بعد ذلك الى الفقيه او القاضي للتدقيق والحسم. لم تلغ التطبيقات الفقيه، ولم تسقط القضاء، ولم تدنس النص. بل اثبت الزمن ان الخطر لم يكن في الاداة، بل في كيفية توظيفها.
وهنا يصبح الرجوع الى التاريخ ضروريا، لا للمقارنة السطحية، بل لاستخلاص العبرة.
فالكنيسة المسيحية، لقرون طويلة، رفضت ترجمة الكتاب المقدس من لغاته الاصلية، وخصوصا من اللاتينية، الى لغات الشعوب الاوروبية، وعلى راسها الالمانية. لم يكن هذا الرفض نابعا فقط من حرص ديني، بل ايضا من خوف واضح من فقدان السيطرة على التاويل، ومن انتقال النص من يد المؤسسة الى يد العامة.
وحين اقدم مارتن لوثر على ترجمة الكتاب المقدس الى الالمانية، لم ينظر الى فعله بوصفه خدمة معرفية، بل اعتبر تهديدا للنظام الديني القائم. ومع ذلك، لم تضعف الترجمة النص المقدس، بل اعادت تشكيل علاقة المؤمنين به، وفتحت افقا جديدا للفهم والمسؤولية الفردية.
هذا المثال التاريخي يوضح ان الخوف من الوسيط الجديد يتكرر كلما تغيرت لغة الوصول الى النص: مرة كانت الترجمة، ومرة كانت الطباعة، واليوم هي الخوارزمية.
غير ان النقاش لا يكتمل دون الاقتراب من السؤال الاكثر حساسية، والاكثر التباسا:
هل يتعلق هذا التحفظ فقط بحماية قداسة النص وضبط منهجية التفسير، ام ان فيه ايضا تخوفا غير معلن من منافسة جديدة تمس موقع الوسيط التقليدي بين النص والجمهور؟(الفقيه)
فالذكاء الاصطناعي، مهما كانت محدوديته، يكسر اليوم احتكار الوصول الى المعرفة، ويقرب المعلومة الدينية من العموم، خارج القنوات المعتادة. وهو ما لا يطرح اشكالا عقائديا بقدر ما يطرح اشكالا سوسيولوجيا للسلطة المعرفية: من يشرح؟ من يؤول؟ ومن يمنح التفسير شرعيته؟
هنا يحضر ابن رشد بوصفه منهجا لا يزال مقلقا في راهنيته.فقد دافع عن العقل لا لانه اراد ازاحة النص، بل لانه كان مقتنعا بان النص لا يفهم الا بالعقل، وان الخوف الحقيقي ليس من ادوات الفهم، بل من تعطيلها بدعوى الحماية .
التاريخ يعلمنا ان الادوات تتغير، لكن النص يبقى.